Menu

مراجعة استراتيجية: الأزمة في الأقصى والسلوك الأمني السياسي الصهيوني

بوابة الهدف/ترجمة وتحرير: أحمد.م .جابر

[تمثل هذه الورقة مراجعة سياسية ولكن من وجهة نظر استخبارية و أمنية أكثر، للأزمة الأخيرة التي حدثت في المسجد الأقصى بعد قرار الحكومة الصهيونية فرض تغييرات جديدة عليه تحكم سيطرة الاحتلال، وتصدي الفلسطينيين عامة والمقدسيين خاصة لهذه الاجراءات ودحرها وإجبار العدو على التراجع. وقد كتب الورقة الموجهة إلى صانع القرار الصهيوني، الجنرال عاموس يدلين رئيس المخابرات العسكرية الأسبق والذي شغل مناصب عسكرية وأمنية أساسية وهو مدير تنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب.

تناقش الورقة اضطراب صنع القرار في القيادة الصهيونية وعوامله، وأسباب الهزيمة التي يصفها بالتراجع الخطير، والأهداف الاستراتيجية التي يجب مناقشتها في ضوء أزمة المسجد الأقصى والسلوك السياسي الأمني الصهيوني في الأزمة، والدروس المستقبلية، وكيفية منع تحول انتصار المقدسيين في هذه المعركة إلى رغبة مستمرة في تحدي السيطرة الصهيونية وفتح شهيتهم لمزيد من الاعتراض والمطالب، وبقدر ما تعتبر هذه الورقة مهمة، نجد من اللازم التصدي فلسطينيا أيضا لمناقشة استراتيجية لمعركة الأقصى واستخلاص الدروس، دور احباط الأهداف الصهيونية وتحويل انتكاسة الكيان في الأقصى تراكميا إلى هزيمة شاملة في القدس –المحرر]

يرى يدلين أنه رغم انتهاء الأزمة إلا أن التوازن العام الذي ينبغي أن ينتج عن تسوية أي صراع ما زال غير مرض، ويذهب إلى التأكيد أن هناك أحداثا بخصائصص مماثلة ستحدث في المستقبل ومن الضرورير أن يكون هناك سعي لاختتام مثل هذه الأحداث "بضرر سياسي وأمني أقل لدولة اسرائيل" وهو اعتراف واضح بمدى الضرر الأمني والسياسي الذي سببته هزيمة اجراءت الكيان في المسجد الأقصى واضطراره للاندحار والتراجع عن جميع قراراته.

ويرى يدلين أن القصد من المراجعة ليس تحديد ومحاكمة من يعتبرون مسؤولين عن الأزمة ولكن استخلاص الدروس والاستفادة منها بما يساعد "المجلس الأمني المصغر" على القيام بوظيفته بشكل أفضل في المرات القادمة.

ورغم أن المؤلف يرى أن انشغال قادة الشرق الأوسط بأزمات أخرى وعدم وجود انتفاضة ثالثة هو مؤشر جيد إلا أنه لايمكن "تجاهل المظاهر الخطيرة" حسب تعبيره، التي رافقت الأزمة، وبالذات –كنما يرى رجل المخابرات الصهيوني المخضرم- عمليتي الأقصى وحلاميش، اضافة إلى التوتر مع الأردن وما وصفه بأنه "استمرارتدهور العلاقات بين الجمهور اليهودي والجمهور العربي في إسرائيل" ، وزيادة "تآكل سيادة اسرائيل الغامضة على جبل الهيكل".

وعلى عكس تحليلات صهيونية أخرى يرى يدلين أنه لاحاجة لتشكيل لجنة تحقيق حول ما حدث، ولكن من المهم  إجراء عملية التعلم والتحقيق، للعمل أفضل في الأزمة المقبلة.

ويرى أن أزمة مجلس الوزراء الصهيوني وقدرته على اتخاذ القرار متعثرة بسبب حالة التنافس السياسي والتسريب إلى وسائل الإعلام، والخوف من لجان التحقيق وبالتالي محاولة التنصل من المسائل الشائكة.

ويرى أن ثمة ستة أهداف لم يتم التعاطي معها بشكل متكامل، "الهدف الأول هو أمن المصلين والزوار وأفراد قوات الأمن على جبل الهيكل. وفي هذا السياق، كان من الصحيح ضمان عدم وجود أي سلاح إضافي في المجمع وزيادة الرقابة من أجل منع تهريب الأسلحة في المستقبل". ويضيف "الهدف الثاني هو منع انتشار التوتر والمواجهة بين يهودا والسامرة، ومنع التصعيد ضد العالم العربي والإسلامي" . و "الهدف الثالث هو الحفاظ على علاقات إسرائيل وتعزيزها مع دائرة الدول التي تتقاسم المصالح المشتركة في المنطقة. مع الحفاظ على اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، والتعاون مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج". أما الهدف الرابع فهو "الحفاظ على الردع الإسرائيلي، وتحديد صورة السلطة الإسرائيلية، وتوضيح السعر الذي يصاحب الضرر الذي يلحق بالأمن الإسرائيلي من خلال الهجمات الإرهابية أو بأي طريقة أخرى" . والهدف الخامس "هو إضفاء الشرعية الدولية على العمل الإسرائيلي، مع التركيز على الاتفاق مع الإدارة الأمريكية" وأخيرا الهدف السادس هو "تعزيز سيادة إسرائيل على جبل الهيكل، الذي يشمل مسؤولية ما يحدث في المجمع - خاصة من الناحية الأمنية - إلى جانب فهم مناطق مسؤولية الأوقاف ووضع الأردن في الموقع، كما هو معمول به منذ عام 1967".

ويلاحظ المؤلف أن التوترات والتناقضات قائمة أصلا بين هذه الأهداف لدرجة استحالة تنفيذها معا لكونها متضاربة أصلا، ولكنه ينصح قيادته بأن التفكير الاستراتيجي السليم يعرف كيفية تحديد الأولويات وإيجاد التوازن الدقيق بين الأهداف، وفقا للديناميات المتطورة وفي ضوء المصالح الأساسية التي تم تحديدها ويلاحظ في هذا السياق "عندما اندلعت الأزمة على جبل الهيكل، بدا الأمر في البداية أن مسألة الأمن هي الأكثر أهمية على الطاولة، ولم تكن هناك مناقشة كافية لأهداف وقضايا أخرى. وهكذا، تم وضع أجهزة الكشف عن المعادن في المجمع دون حوار مع الأوقاف وبدون تنسيق مع الأردن والسلطة الفلسطينية ومصر. وقد أعطت الخطوة أحادية الجانب أعداء إسرائيل منصة لتقويض الواقع والسعي إلى تصعيد الحدث".

ويلاحظ أن التوترات بين الأهداف الاستراتيجية انفجرت مع  هجوم حلميش الفدائي،. فمن ناحية، كانت دولة الاحتلال تخشى من التصعيد والحاجة إلى احتواء والحفاظ على التحالف الإقليمي مع البلدان السنية، بينما من ناحية أخرى الاحتياجات الأمنية والمخاوف من خلق سابقة من التنازل تحت الضغط. ومن المفارقات أن الحادث الذي وقع في مجمع السفارة الإسرائيلية في الأردن، والذي قتل فيه مدنيان أردنيان على يد حارس أمن إسرائيلي، سمح لإسرائيل بإعادة ترتيب البطاقات. ويشير إلى أنه عارض "منع التصعيد والحفاظ على معاهدة السلام مع الأردن، على حساب المخاطر من الجانب الأمني، وإلحاق الضرر إلى حد ما بالردع والسيادة الإسرائيلية الجزئية على جبل الهيكل".

يناقش الكاتب الفرص المختلفة والاجراءات العديدة التي كان يمكن أن يتم اتخاذها كبدائل للخطوات التي تم اجراؤها، ويتساءل هل كان من المتاسب اقتحام المسجد بحجة البحث عن سلاح لم يتم العثور عليه؟ أم كان يجب التركيز على العمليات الأمنية القياسية المعهودة وتنسيقها مع الأطراف العربية، وإذا كانت الفرص منخفضة، وكان من المناسب البحث عن حلول تكنولوجية وتشغيلية، فهل كان من الصعب جعلها أقل جلبا للإذلال غير الضروري للمصلين (ومعظمهم من الذين لا يشاركون في نشاط عنيف)؟

ويتساءل الجنرال يدلين : هل تم  تقييم امكانية اندلاع انتفاضة ثالثة من قبل المسؤولين في المخابرات العسكرية أو "انفجار بركان" في الشرق الأوسط في أعقاب التدابير الأمنية المتخذة في المجمع، أم أنها حالة متطرفة؟ ماذا كان يمكن أن يكون خطوات أكثر اعتدالا من شأنها أن تجعل هذا التقييم لم يتحقق؟ ويتساءل عن مدى قدرة دولة إسرائيل على استيعاب المظاهرات اللاعنفية لأكثر من أسبوع؟ "فهل كان من الممكن، بقدر ما كان يمكن، أن ندرس قدرة المتظاهرين على الصمود أمام قرار إسرائيل؟ هل هناك خطوات مقاسة ولكن حازمة كان يمكن أن تمارس ضغوطا نفسية وموضوعية عليهم، مما يجبرهم على العودة إلى الموقع حتى دون الوفاء بمطالبهم؟" مستنتجا أن الطريقة التي تم بها حل الأزمة وإحساس الإنجاز قد يشجعان مزيدا من الضغوط والمطالب.

ويناقش المؤلف أيضا  توقيت الأحداث فيما يتعلق بالتنسيق مع الولايات المتحدة، ومدى مشاركة الأخيرة في مثل هذه الحالة، وقدرتها على ممارسة نفوذها على البلدان السنية. وأخيرا، على مستوى استراتيجي أعمق، هل أخذت دولة "إسرائيل" في الاعتبار الأزمة في "جبل الهيكل" في تأثيرها على التحديات الأمنية الأكبر التي تواجهها؟ وبعبارة أخرى، ما يمكن أن يكون له تأثير سياسة "إسرائيل" على قضايا هامة مثل توسع إيران في المنطقة، ومواجهة مستقبلية مع حزب الله، ومحاولة تجديد العملية السياسية مع الفلسطينيين.

يعتقد المؤلف الصهيوني أن هذه المراجعات ووضعها أمام المجلس المصغر ستساعد "إسرائيل" على التعامل بشكل أفضل مع الأزمة المقبلة. التي يرجح أن يأتي ذلك عاجلا أم آجلا، سواء كان ذلك نتيجة لتآكل الردع الصهيوني  نتيجة لتخفيف الأزمة المعنية، مما أدى إلى ضعف، سواء من الحاجة إلى صد التحريض المستمر، أو من التطرف الراديكالي ورغبة المحور المقاوم  الفلسطيني في استغلال الفرص في الساحة الفلسطينية لتصعيد من شأنه أن يضر بإسرائيل. ومن المهم أن يقوم مجلس الوزراء، بطريقة استشرافية، بتوجيه الهيئات التنفيذية الرئيسية لصياغة سياسة لتحسين التأهب والوقاية، وإعدادها وفقا لذلك كما يذهب التحليل.

ويقترح الجنرال يدلين أن على مصر والولايات المتحدة أن تشكلا تفاهمات وآليات لمشاركتهما المستقبلية في أزمات مماثلة. ومن الضروري إعادة العلاقات مع الأردن والمشاركة في نتائج الاستجواب للحارس القاتل والاعتذار و"دفع تعويض لأسرة الأردني الذي قتل خطأ في حادث في عمان ". و يرى أنه يجب تطوير أدوات الإدارة المستدامة في الموقع المقدس بالاشتراك مع الأردن والعناصر المسؤولة بين الجمهور العربي في القدس الشرقية. وفي الوقت نفسه، من الضروري أن تولي السلطات الصهيونية، كما يرى، اهتماما للعناصر اليهودية التي ينطوي انتقامها على إمكانات متفجرة أكثر بكثير من أي أجهزة كشف عن المعادن وضعت على "جبل الهيكل". وأخيرا، يطالب الجنرال يدلين بصياغة استجابة شاملة - سياسية واستخباراتية وتشغيلية - لروابط وأنشطة الحركة الإسلامية في "إسرائيل" وحماس و تركيا .

مؤكدا في نهاية ورقته على ضرورة أن يتمتع  مجلس الأمن القومي المكلف بإعداد مداولات مجلس الوزراء، بما في ذلك توصيات الأجهزة الأمنية، بنفوذ حقيقي،  أو سيكون من المهم  أن يصل الوزراء إلى مناقشات مستقبلية مجهزة بنموذج التفكير الذي يتضمن الأسئلة الأساسية التي يجب طرحها. وعلاوة على ذلك، يجب عليهم الحصول على الإجابات التي سيتم تلقيها بعد التحقيق في أحداث "جبل الهيكل" في يوليو 2017.