في تطور خطير للعلاقات السودان ية المصرية، أُعلن قبل يومين، عن مقتل عاملين سودانيين وإصابة 19 آخرين إثر مطاردة السلطات المصرية لهم في مثلث حلايب، فيما قضى أحدهما عطشاً وسقط الثاني من جبل إثر عملية المطاردة.
ويأتي ذلك بعد اتهام البرلمان السوداني السلطات المصرية بمضايقة السودانيين من حين لآخر تجاه منطقة المثلث.
يُشار إلى أن مصر أجرت محاكمات في الغردقة الأسبوع الماضي وأصدرت أحكاماً بالسجن والغرامة على عدد من العاملين السودانيين في مجال المعادن ما دفع أكثر من أربعمائة منهم إلى الهروب من مثلث حلايب إلى مدينتي أوسيف وبورتسودان.
ووفق صحف سودانية فإن السلطات المصرية قد أرجعت حملة الاعتقالات التي نفذتها وسط سكان حلايب إلى ما أسمته التوافد الكثيف لبعض السودانيين إلى المثلث، وقالت إن ذلك يشير لوجود محاولات لتغيير المكون الديموغرافي بحلايب من خلال زرع سكان جدد فيها.
ومنذ فترة تشهد العلاقات المصرية السودانية توتراً ومشاحنات في وسائل الإعلام، بسبب قضايا خلافية، منها النزاع الحدودي، وموقف الخرطوم من سد النهضة الإثيوبي، الذي تعارضه القاهرة خشية تأثيره على حصتها من مياه نهر النيل.
إن التوتر الجديد بين مصر والسودان يُضاف إلى الأزمة بين البلدين، مع مصادقة رئيس الوزراء المصري، شريف إسماعيل، يوم الثلاثاء الماضي، على قرارات تتعلق بإنشاء مجموعة من المرافق الحكومية في منطقة مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد المتنازع عليها بين البلدين، في منطقة البحر الأحمر. وتأتي هذه القرارات في إطار ما أسماه مسئولون مصريون بخطة رسمية لتوطين أعداد كبيرة من الأهالي في هذه المناطق، بتكلفة إجمالية تصل إلى (1.5) مليار جنيه.
وقال وزير الزراعة المصري، عبد المنعم البنا، إن إحدى أولويات العمل الحكومي خلال المرحلة المقبلة تتمثل في تنمية المناطق الحدودية في حلايب وشلاتين وكذلك سيناء، مُشيراً إلى التوجه لإقامة مشاريع مُختلفة وأن تنمية وتوطين أهالي حلايب وشلاتين يستهدف زيادة الدخل وتحسين حالة الأمن الغذائي للمجتمعات البدوية الفقيرة.
في المقابل، أعلن مسؤول سوداني أنّ الخطوة المصرية تأتي في إطار المناكفة الإعلامية مع الخرطوم، مُشدداً على أنّ بلاده متمسكة بحقها التاريخي في حلايب وشلاتين. وقال "مهما أقامت الحكومة المصرية من مشاريع فهذا لن يغير من الأمر شيئاً، لأن الحقائق التاريخية والجغرافية لا تغيّرها المشاريع".
وفي ذات السياق، قال الإعلامي المصري عماد الدين حسين رئيس تحرير جريدة الشروق المصرية لـ"بوابة الهدف"، أنّ "هنالك شعور مصري بأن الحكومة السودانية تستقوي ب قطر لمكايدة مصر، بل وتنسق مع إثيوبيا وتوقع معها اتفاقيات أمنية في اللحظة التي ما تزال فيها أديس أبابا تعاندنا في ملف سد النهضة وتأليب بقية دول حوض النيل على عدم الاستجابة للمطالب المصرية فيما يتعلق باتفاقية عنتيبي".
وأعرب حسين أنه "قد تكون هناك أصوات إعلامية منفلتة هنا وهناك، لكن سبب الأزمة الفعلي هو الخلافات بشأن بعض السياسات والتوجهات. والإعلام لم يجبر الرئيس البشير مثلاً على الخروج والإدلاء بحوارات تلفزيونية يتهم فيها مصر باتهامات متعددة".
وفي السياق، أعلن مصدر دبلوماسي مصري أنّ الخرطوم جددت أخيراً بشكل رسمي، مطلبها للتشاور بشأن تلك المنطقة وهو ما لم ترد عليه القاهرة بعد، مُؤكداً أنّ قرارات رئيس الوزراء الأخيرة هي أمر طبيعي، بشأن تعامله مع أراضٍ مصرية وأنه من حق الحكومة تنفيذ أي مشاريع عليها.
وبشأن الغضب السوداني، أوضح الدبلوماسي المصري أنه "لا يعني القاهرة في شيء، فحلايب وشلاتين أرض مصرية ذات سيادة وليس من خطط القاهرة لا في الوقت الراهن أو في مراحل مقبلة التنازل عنها"، وفق تعبيره.
بوادر حرب تجارية بين مصر والسودان
وارتباطاً بما جاء به التقرير، يبدو للمتابعين أنّ هنالك مجموعة إجراءات اتخذت على الصعيد التجاري بين البلدين، وهي بعبارة صريحة ستكون بادرة لحرب تجارية بين السودان ومصر، فالعديد من المنتجات المصرية خصوصاً الغذائية يتم حظرها من الدخول للسودان بقرارات بعضها إداري والآخر فني، وبالمقابل بعض المنتجات السودانية ومن بينها الماشية الحية تجد صعوبات في الوقت الحالي لدخول السوق المصرية.
وتتفاوت التقييمات حول مدى تأثير الحظر على السوق السودانية، وتذهب إلى أنّ حظر استيراد السودان بعض المنتجات المصرية لا يُؤثر سلباً على الاقتصاد السوداني، بل سيكون له أثر في الغالب إيجابي.
فيما يُؤكد الخبير الاقتصادي، هيثم فتحي، في حديث مع "بوابة الهدف"، إن هذه المقاطعة سيكون لها مردود سلبي على الاقتصاد المصري، وربما يمتد التأثير لموقف مصر من سوق "الكوميسا"، باعتبار أنّ السودان هو الدولة المستضيفة لمصر في هذه السوق، لذلك لا بد من ضرورة إيجاد أسواق بديلة لصادرات السودان، خاصة صادرات الثروة الحيوانية وتحديداً اللحوم.
ويعتقد الخبير "فتحي" أنّ تصاعد الحظر سيشمل كافة المنتجات المصرية، مُبيناً أنّ مصر التي تستورد 65% من غذائها يمكن أن تجد الكثير من البضائع أرخص في السودان، وبالمثل سيجد السودان الذي يستورد الغالبية العظمي من احتياجاته من السلع المصنَّعة والأجهزة والمعدات، البضائع المصرية أرخص وبأسعار تفضيلية تحقق الغرض نفسه.
ويدعو الخبير هيثم فتحي إلى تشجيع المنتج المحلي، لاستعادة الإنتاج والعمل بالمصانع المحلية لتعليب الخضار والفاكهة باعتبارها فرصة لسد النقص من السلع المحظورة، والاكتفاء داخلياً، ليصب ذلك في اتزان الميزان التجاري السوداني وإنعاش الاقتصاد الوطني.
وفي تقييم لمدى تأثير ذلك على الاقتصاد السوداني تشير المعطيات إلى أنّ أغلب المنتجات التي يستوردها السودان من مصر ليست ضرورية، كما تصب خطوة الحظر لصالح تشجيع الصناعات الوطنية إضافة لحماية حقوق المستهلك السوداني من بعض المشكلات المصاحبة للمنتجات المصرية. ولكن رغم ذلك يرى البعض أنّ الحظر على البضائع المصرية ليس حظراً شاملاً وإنما يقتصر على بعض السلع.
في هذا الصدد، يقول اتحاد نقابات عمال السودان برئاسة يوسف عبد الكريم في بيان منشور على وكالة السودان للأنباء، إنّ العلاقة التجارية مع مصر تظل سارية والمعابر سوف تستقبل السلع الأخرى من البلدين. في إشارة إلى أنّ قرار مجلس الوزراء قد حدد سلعاً بعينها، وأوضح أنّ قرار مجلس الوزراء يقتصر على حظر سلع مصرية محدودة، مُؤكداً أنه لا يعني حظراً للتجارة مع مصر.
ويمتلك السودان ثروة حيوانية تقدر بـ106 ملايين رأس من الماشية، وتعد اللحوم أحد متطلبات السوق الإقليمية والعالمية ومصر أكبر مستهلك للحوم السودانية.
أما الخبير الاقتصادي، محمد الناير، فيرى أنّ التجارة بين البلدين يجب أنّ تقتصر على الحاجة وليس على الواقع، ويقول: لا بد من دراسة أثر السوق ومعرفة ما يحتاج إليه البلدان.
ويشدد على ضرورة مراجعة السلع الواردة وتصنيفها، ويرى أنّ ذلك من شأنه أن يقوي العلاقة بين البلدين كما سيحرك الإنتاج المحلي، بمعنى أنه سيعطي الحكومة فرصة للبحث عن حلول للمنتج المحلي.
جدير بالذكر، أنّ الميزان التجاري بين البلدين ظل مائلاً على الدوام لصالح مصر، غير أنّ تغيراً مهماً حدث في العامين الأخيرين، فقد انخفض عجز الميزان التجاري مع مصر من (279) مليون دولار إلى (265) مليون دولار. ويعود هذا على الأرجح لزيادة قيمة الثروة الحيوانية المصدرة إلى مصر.
وزير الخارجية المصري سامح شكري، أكّد خلال زيارته للخرطوم يوم الأربعاء الماضي، على أهمية استئناف اجتماعات اللجنة الفنية الثلاثية الخاصة بسد النهضة الإثيوبي في أسرع وقت، لضمان الانتهاء من الدراسات التي تقوم بها المكاتب الاستشارية في أقرب فرصة ممكنة.
وتناول شكري خلال اجتماعه مع إبراهيم غندور وزير الخارجية السوداني، سبل تطوير العلاقات الثنائية، فضلاً عن مناقشة عدد من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
كما وأكد شكري على أهمية عقد اجتماعات لجنة المشاورات السياسية بصورة دورية بما يعكس خصوصية وعمق العلاقات الثنائية وتطلع مصر لتطويرها في كافة المجالات، والعمل على احتواء التصعيد الإعلامي السلبي وتفعيل توقيع ميثاق شرف إعلامي بين الجهات المعنية في البلدين.

