بقعةٌ صغيرةٌ من الجغرافيا الغزّية، بعيدةٌ عن قلب المدينة، مُلاصقةٌ للوجع.
زائروها الدائمون ليسوا بشراً، بل هم طّيور جارحة وأفاعٍ سامة و رياحٌ عاتية، وصواريخ.
هي مساحةٌ من الألم تعتصر قلوب كل من فيها، تُعرف محلّياً بـ"عرب أبو خوصة" وهي إحدى أحياء القرية البدويّة شمال مدينة غزّة، يحتضنها البحر من الغرب، وتُجاورها من الشرق منطقة "أبراج الندى" التي دكّتها الطائرات الحربيّة الإسرائيلية بعشرات الصواريخ، في عدوانها الأخير، حتى حوّلتها لحطامٍ أسود.
تعرّض هذا الحيّ لضربات قاسية خلال عدوان الصّيف الماضي على قطاع غزّة، والذي استمر طيلة 51 يوماً، وما جلب الشؤم على هذه الأرض هو مجاورتها للأراضي المحتلّة شمالاً، فلا يفصلها عن السياج الأمني الحدودي سوى 2 كيلو متر من الأرض الفارغة.
تجّول طاقم "بوابة الهدف" في الحيّ المعدوم، والتقى بأحد قاطنيه، وهو "سليمان يونس حماد أبو خوصة" الذي فقد منزله خلال العدوان، وله من الأولاد والأحفاد 30 ابناً.
يقول "أبو يونس": "لا يمكن أن تتحدّث هنا عن الحياة، فلا وجود لأيّ مقوّمات للعيش الآدمي".
ويُكمل: "في العدوان، خسرنا 5 منازل كانت هي ملجأنا الوحيد، خاصّة بوجود العديد من الأخطار المحدقة بنا في هذا المكان، منها المنخفضات الجويّة والأفاعي والحشرات، (...)، وكنّا نملك القليل من المواشي والأرض المزروعة، لكنّها تدمّرت كلّياً، لم يتبقّ لنا شيء، وكأنّنا لم نشقى في حياتنا يوماً".
بعد أن نزح "أبو يونس" و عائلته جرّاء قصف وتدمير منازلهم، بات مصيرهم العراء، ولكن بعد مرور 8 أشهر على انتهاء العدوان، تعيش العائلة حاليّاً في ما يُشبه الخيمة، صنعها الرجل السبعيني هو وأبناؤه من الخشب و النايلون الثقيل، أملاً في أن يقيهم برد الشتاء و حرّ الصيف القادم، و خذلان "إعادة الإعمار".
وعن قسوة ما مرّت به العائلة، خلال عدّة منخفضات جويّة ضربت المنطقة، يُحدّثنا "أبو يونس" بحرقة: "كنت أصل الليل بالنهار، كي أُبقي هذا الخص "خيمة النايلون" واقفة، وكنت أسهر طوال الليل وأنا أمسك بالأعمدة كي لا تسقط على رؤوس أبنائي و أحفادي (...)، إحدى الزوابع كانت قادمة من البحر وضربت الحي بشكل مخيف، ولم تبعد عنّا سوى 500 متر فقط (...)، الله وحده من أنجانا من تلك الويلات".
يُكمل "أبو يونس" باستياء شديد: "أين هي الحكومة، وأين هم المسئولون، مررنا بظروف مميتة، ولم يأتِ لتفقّد أحوالنا أي شخص"، مُحمّلاً كل ما تعيشه عائلته ومحيطه من ظروف حياتيّة صعبة، للحكومتيْن في غزّة والضفّة.
وعن أبناء "أبو يونس" فمنهم من يقتات على بيع حاجّيات بسيطة على شواطئ البحر، ومنهم من يزرع الخضار الموسميّة و يبيعها، وآخرين لا يجدون عملاً، في ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة الصعبة التي يمرّ بها القطاع برمّته.
حمّاد أبو خوصة 16 عاماً، أحد أبناء "أبو يونس"، ترك التعليم وخلال حديثنا معه، بدا حزيناً للغاية، و أخبرنا كم يتمنّى إكمال دراسته، التي أُجبر على تركها بسبب الظروف الصعبة.
و ما يدفع للبكاء من شدّة الوجع، ضحكاتٌ لم تختفِ عن وجوه الأطفال طوال لقائنا معهم.
الطفل "سالم أبو خوصة" 12 عاماً أحد الأحفاد يقول بلغته البسيطة "هان إحنا مش عايشين، مرة حرب ومرة مطر، كنا كتير نصحى من النوم خايفين(..)، بتمنّى بيتنا يرجع زي زمان".
سالم يذهب يوميّاً إلى مدرسته سيراً على الأقدام، رغم بعدها عن مكان خيمتهم، واختراقه لأراضي وشوارع رملية، وكما يقول لنا فهو "يصحو مبكراً جداً كي لا يدقّ الجرس ويفوته بدء الدّوام الدراسي".
هذه قصة عائلة أحنى ظهرها الفقرُ وقلّة الحيلة من جهة، ومن جهةٍ أخرى، موتٌ مرّ عليها كما مرّ على كامل غزّة خلال عدوان الـ 51 يوماً، وفوق هذا وذاك، نجدُ إهمالاً من الجانب الرّسمي والحكومي المسئول أولاً و أخيراً، عن حياة هذا الفئة المهمّشة من سكان القطاع.

