Menu

"تفجير رفح".. كل دم يسيل ولا يُؤلم "إسرائيل" يُؤلمنا

من جنازة الشهيد الجعفري

غزة _ خاص بوابة الهدف _ بيسان الشرافي

انتحاريٌّ يُفجّر جسده في قوّة أمنيّة بالمنطقة الحدودية مع جمهورية مصر، بعد مُنتصف ليل الأربعاء-الخميس، ما أسفر عن ارتقاء قائد فصيل في قوّة حماية الثغور التابعة لكتائب القسام وهو الشهيد جمعة الجعفري (28 عامًا) من محافظة رفح، وإصابة آخرين من عناصر الأمن.

وقع النّبأ على مسامع المواطنين كالصاعقة، حتى تساءل أكثرهم عن حقيقة ما يجري، وهل هو بالفعل "تفجيرٌ انتحاري"، كذلك الذي يسمعون عنه في بغداد ودمشق وغيرها من العواصم العربية الجريحة؟!.

وزارة الداخلية في القطاع سارعت لتوضيح الموقف، وقالت في تصريحٍ لها "إنّ قوة أمنية أوقفت شخصين لدى اقترابهما من الحدود، ففجر أحدهما نفسه مما أدى لمقتله وإصابة الآخر. واستشهاد قائد في القوة الأمنية وإصابة عدد من أفرادها بجروح، مُشيرًا إلى أنّ الأجهزة الأمنية شرعت بإجراء تحقيق في الحادث".

حدثٌ كهذا لا يُمكن المرور عنه دون التوقّف عند كلّ تفاصيله ودوافعه إضافة إلى انعكاساته وتداعياته؛ لما يُمثّله من تطورٍ نوعيّ على الصراع الداخلي بقطاع غزة.

"بوابة الهدف" توجّهت للقيادي في حركة حماس والخبير في شؤون الحركات الإسلامية د. أحمد يوسف، الذي رأى أنّ "حصار القطاع والأوضاع المعيشية الصعبة، إضافة للفراغ الناتج عن ضبابيّة الأفق وفُقدان الأمل بالمستقبل، إلى جانب القطيعة السياسية وتداعيات الانقسام، كل هذا أسفر عن توجّه الشباب للتفكير بالخلاص، بالخروج من القطاع بأيّ وسيلة كانت، ولأي وُجهة كانت".

وأضاف د.يوسف "لطالما قُلنا بأنّه إن لم يحدث الانفراج سيحدث الانفجار، هؤلاء الشباب الفلسطيني يضيع نتيجة سياساتنا كفلسطينيين وانقساماتنا، وحالة الاحتقان والتصدّع داخل الفصائل كافّة".

"حركة حماس حاولت معالجة هذه المجموعات، التي مالت للغلوّ والتطرف وبدأت تفكر بالخلاص من خلال الهجرة لدول الجوار، اتّبعت الحركة سياسات النصح والإرشاد إضافة للاعتقال وزجّهم في السجون، وعرضهم للمحاكم. أفرجت عن أفراد وأبقت على اعتقال غيرهم ممّن تبيّن أنّ لديهم مُخططات وتجاوزات معيّنة، إلّا أن الأمور أكبر من طاقة حماس في ظل كل التعقيدات الموجودة بغزّة"، قال د.يوسف، وتابع "حماس بذلت الجهد في تحصين منطقة الحدود لقطع الطريق أمام تحميلها مسؤولية خروج الشباب إلى سيناء، وتهديد الأمن المصري. لكنّ الفئة التي نتحدّث عنها تُغالي في الغلوّ والتطرف، والعمل الإجرامي، حتى أنّها تقبل وتُقدم على فكرة أن يُفجّر الفرد منهم نفسه بقوة أمنية اعترضت طريقه نحو الحدود".

وشدّد على أنّ كل المُستويات الوطنية والإسلامية والشعبية ترفض مثل هذه الأعمال الإجرامية وتلفظها، خاصةً في ظلّ أن جبهة المواجهة وسُبل مُقاومة الاحتلال لا تزال مفتوحة أمام الجميع. وليس من المعقول أنّ يتحوّل هؤلاء الشباب لخطر أمني على الوطن، بدلاً من أن يكونوا ركيزة تحميه وتُدافع عنه.

وحول الإجراءات التي يُمكن أن تتّبعها الأجهزة الأمينة في قطاع غزة، بعد هذا الحدث الذي يُمكن اعتباره "فارقًا" في سياقه الأمني والسياسي، أوضح د.يوسف أنّ "الكثير من الأصوات نادت في وقتٍ سابق بعدم اللجوء للحلّ الأمني والقوّة في مواجهة ومحاولات السيطرة على هذه الجماعات، وهذا يبقى الأسلوب الأمثل، لكن مع الأفراد الذين بالغوا في الغلوّ والتشدد يجب أنّ يتم إجراء محاكمات بحقّهم".

ورجّح أن تقوم حركة حماس في الفترة القليلة القادمة بحملات اعتقال وملاحقة أوسع وأعمّ في صفوف أفراد الجماعات المتشددة، بعدما تم الإفراج مؤخراً عن أعداد ليست قليلة منهم، وطمأنة الجبهة الداخلية، كما يُمكن أن تلجأ الأجهزة الأمنية لرصد وزراعة كوادر خفيّة تعمل في هذه الأوساط لتكون جرس إنذار لها.

من جهته رأى الكاتب والباحث السياسي، عبد الغني سلامة أنّ ما حدث في رفح، اليوم، عملًا إرهابيًا، يُعطي مُؤشّرًا على أنّ عناصر الجماعات المُتشددة في سيناء المصرية لطالما كانت تتعامل مع قطاع غزة على أنّه ملجأ وقد تجد منه المدد من العناصر إضافة للدعم اللوجيستي.

وأضاف بأنّ "التطوّر النوعي- بالاتجاه السلبي- في العمليات الإرهابية هو أنّها أصبحت تستهدف الإسلاميين نفسهم، وليس ضدّ التيارات الأخرى فحسب، وهذا يُنذر بأن القطاع مُقبلٌ على مرحلة خطيرة جدًا".

وقال "يجب أن تُفلح الأجهزة الأمنية بقطاع غزة والفصائل الفلسطينية بكبح جماح هذه الجماعات المتطرفة".

وحول العوامل التي أفضت إلى بروز هذه الجماعات، بيّن الباحث سلامة أنّ "الحالة الاقتصادية والسياسية والأمنية التي يعيشها القطاع، إضافة للسلطة التي تحكمه، وتحمل الفكر الأصولي، من الطبيعي أن تفُرز مجموعات مُتطرفة، مع العلم أنّ عدداً من أفراد تلك الجماعات كان ينتمي لحركة حماس قبل أن ينصرف عنها، بحجّة انغماس الأخيرة بشؤون الحكم وابتعادها عن هدفها الأساسي وهو إقامة الدولة الإسلامية، الأمر الذي أوجد خلافًا أيديولوجيًا بين الطرفين".

وأضاف أنّ "قوى خارجية ممّن تسعى لضرب الوضع الأمني في غزّة أو سيناء، تُسيّر بعض الفئات المُضلَّلة في كلّ من المنطقتيْن". مُوضّحًا أنّ ما نشهده "يجمع بين مدرستين تُفسّر دوافع الإرهاب، أحدهما تُرجع أسبابه إلى الأيديولوجيا العنيفة التي تمتد جذورها إلى سنوات طويلة في عمق التاريخ، فيما ترى المدرسة الأخرى أن ما يُولّد العنف والإرهاب هو الظروف الدولية المُحيطة. وفي القطاع تتوفر البيئة الحاضنة والمُنغلقة والحكم المُستبد وانغلاق الأفق السياسي، الفقر والعشوائيات وانهيار الأوضاع المعيشية، في ظلّ توفر العامل الخارجي بوجود الأطراف الخارجية التي تلعب في المنطقة، من أجل ضرب أمنها واستقرارها".

واستشهد سلامة على أنّ "أجهزة المخابرات الغربية هي من تُحرّك وتُسيّر هذه الجماعات، بأنّ هذا الفرد الذي لغّم جسده بالمُتفجرات، بنيّه مسبقة لتفجير نفسه، لماذا لم يتوجّه إلى إسرائيل، وهي العدو الواضح والجليّ للفلسطينيين، كما أنّ كل هذه الجماعات المتشددة لم تُطلق رصاصة واحدة على الاحتلال الصهيوني، وهو أمرٌ يُوضّح أهدافها ومساعيها".

وحول الخيارات أمام حركة حماس لاحتواء الأوضاع، قال إنّه "تبيّن في أكثر من منطقة حول العالم، وبعد أكثر من تجربة محليّة، أنه من الصعب السيطرة على هذه الجماعات المتطرفة، إضافة إلى محاولات حركة حماس المُوازنة بين مُواجهة هذه الجماعات وعدم الانزلاق لما يُسمّيه البعض (قمعٌ للشعب أو محاربة لتيارات إسلامية)، لكنّ لن يكون بمقدورها بعد الآن تجنّب المعركة الحاسمة".

المحلل السياسي والكاتب هاني حبيب رأى أنّه يجب إيلاء الحدث الذي شهدته غزّة اليوم اهتمامًا كبيرًا، والتوقف عنده لدراسة الوضع الراهن بالقطاع، في ظلّ عدّة محاولات من أكثر من جهّة خلط الأوراق فيما يتعلق بالأوضاع الداخلية، كإطلاق الصواريخ تجاه الاحتلال انطلاقًا من مصلحة فئوية".

وقال حبيب أنّ الحادث الأخير يُدلّل على أنّ "هذه القوى لم تُلجم حتى اللحظة، وقد تكون مُبعثرة وضعيفة، لكنّها قادرة على التأثير على مجمل الأحداث، لذا يجب أن تتوفر معلومات دقيقة حولها".

وحول العوامل التي أوصلت شباب القطاع إلى هذا القدر من التطرف، رأى "أنّ مثل هذه الجماعات، حول العالم، نمت وترعرعت في مناطق عدّة، نتيجة تساهل الأجهزة الأمنية والحكومات في التعامل معها ومواجهتها، ولهذا يلوم البعضُ حركة حماس على مثل هذا الأمر"، وأضاف "لا أعتقد أن حركة حماس مارست إجراءات مُشددة إزاء هذه الفئات حتى تُقابلها الأخيرة بممارسات إرهابية وعنيفة" إلى حدّ التفجير الانتحاري.

وحول التفاهمات المصرية-الحمساوية الأخيرة، والحديث عنها باعتبارها ضغطًا وعبئًا على حركة حماس التي تتولّى الحكم بالقطاع، إذا إنّه مُطالبة بحماية وتأمين حدوده مع مصر، في ظلّ أوضاع أمنية غايّة في التعقيد، إذا ما أُخذ بعين الاعتبار ما تُشكّله هذه الجماعات المُتشددة من خطرٍ، قد يجرّ غزة لحربّ مع كيان الاحتلال، إذا ما أمعنت حماس في تصدّيها وردعها لها، رأى الكاتب هاني حبيب أنّ في التفاهمات الأخيرة مع القاهرة "مصلحة للجانبين، ولا تشكل قيدًا على حركة حماس" مُضيفًا أن المطلوب الآن من الكّل الوطني مواجهة تلك التيارات بكلّ حزم".

جدير بالذّكر أن عائلة الانتحاري الذي فجّر نفسه اليوم في القوة الأمنية قرب الحدود مع مصر، أعلنت في بيانٍ لها أعقب التفجير "براءتها التامة منه"، وقالت "نرفض إقامة أيّة مراسم دفن أو عزاء بمنفذ الجريمة". مُتقدّمةً بعزائها لعائلة الشهيد، ودعت "كل الأطراف لمواجهة التطرف بيدٍ من حديد".

القوى الوطنية والإسلامية وفي مؤتمرٍ لها عقدته عقب حادث التفجير برفح، طالبت "بتضافر كافة الجهود وتمتين الجبهة الداخلية في القطاع، من أجل مُحاصرة الفكر المتطرف ومواجهته، والذي يوفر الاحتلال الإسرائيلي والحصار بيئة خصبة له".

وأكدت القوى، في تصريحٍ مشترك، أن "الشعب الفلسطيني لن يقبل بحرف البوصلة عن عدونا، وأن أي انحراف عن ذلك يُعتبر تصرفًا مشبوهًا ومُدانًا". مُشددةً على أن "مُعالجة الفكر المُتطرف يتطلب تضافر جهود الجميع لتعزيز الثقافة الوطنية الوحدوية، لحماية النسيج الاجتماعي في إطار خطة وطنية، بجانب المُعالجة الأمنية لمُحاصرة هذا الفكر والقضاء عليه".

وجددت تأكيدها على أن "حماية الحدود والحفاظ على أمنها، واستقرار الجارة الكُبرى جمهورية مصر العربية هو مطلبُ الجميع؛ مشيدةً بجُهد الأجهزة الأمنية في الحفاظ على سلامة واستقرار أراضيها، وحفظ دماء أبنائها الأطهار".

ووصفت الفصائل الحادثة بـ"الخطيرة والدّخيلة على ثقافة شعبنا"، وشددت على أن "جماهير الشعب وقواه الحية وفعالياته الوطنية الرسمية والشعبية، ستقف سدًا منيعًا في وجه الفكر المُتطرف وأدواته والجهات التي تقف خلفه"؛ مُطالبةً الأجهزة الأمنية بالضرب بيد من حديد على أصحاب الفكر المُتشدد".

الحدث وقع كالمطرقة الساخنة على رؤوس كلّ من سمعه، وكذلك من تابعه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأدلى بعض النُشطاء بآرائهم وتوقّعاتهم حول دوافع التفجير وتداعياته، مُجمعين على إدانته واستهجانه.

الصحفيّة ميرفت صادق، من رام الله كتبت عبر "فيسبوك": بيان عائلة الشخص الذي فجر نفسه في مجموعة عسكرية برفح الليلة الماضية، والذي تبرأ منه ومن جريمته، مهم جداً في نزع الغطاء العائلي والوطني عن أي مجرم يستهدف أبناء شعبه، شأنه شأن العملاء والخون. هذا ليس تطرفاً، هذا إجرام واجتثاثه واجب.

ونشر الناشط محمود الترامسي تحليلًا عبر "فيسبوك"، ارتبط بالتفاهمات الأخيرة بين حركة حماس ومصر، إذ رأى "أنّ ما حدث أمس في رفح وحوّل مطاردة اعتيادية لعناصر السلفية الجهادية على الحدود الجنوبية إلى فجيعة دامية يشير إلى خطورة المشهد وحساسيته، خصوصًا، بعد رزم التفاهمات الأمنية الأخيرة بين القاهرة ووفد حركة حماس، والتي تجاوزت طبيعة التعقيدات الأمنية في غزة، وأهملت سليل التفاهمات الضمنية بين حماس والسلفية الجهادية والتي خُطّت بحبر الدم والتهديد لأكثر من عشر سنوات. ودفع حماس لتقديم تنازلاتٍ لقاء هذه التفاهمات وعلى رأسها كسر مبادرات المهادنة وخفض مستوى المواجهة مع هذه المجموعات. ورأى أن هذا قد يجر غزة لحرب مفتوحة مع إسرائيل ردًا على استهداف وملاحقة حماس لعناصر الجماعات المتشددة. وأكّد أنّ "كل دم يسيل ولا يؤلم إسرائيل يؤلمنا بالضرورة".