كَسرَ العنف والإلحاح الشديد الأشبه بالابتزاز العاطفي الذي يمارسه بعض المتسولين في قطاع غزة الصورة النمطية المعروفة عن "السائل المُحتاج"، فبإمكانك ملاحظة السلوكيّات العنيفة التي تصدر عنهم، بجولةٍ واحدةٍ مشياً على الأقدام في شوارع القطاع، خاصةً الرئيسيّة منها.
على طول الطريق، بين المجلس التشريعي غرب مدينة غزة ومُفترق السرايا باتّجاه الشمال، تصادفُكَ عدّة نساءٍ يرتدين الأسودَ ويجلسنَ بجوار الحائط، ما إن تقترب بخطواتك منهنّ حتى يبدأنّ بالدعاء لكَ ولأهلك، فإن استجبتَ ووضعتَ في أيديهنّ المال زادت دعاويهنَ رقةً وتخصيصاً.
مُقابل هذا المشهد، يُداهمك فتًى لم يتجاوز الثانيةَ عشرة من عمره ويقول، بصوتٍ خافت "اشتري منّي، بشيكل، الله يخلّيك"، وما إن تُقرّر الرفض والالتفات عنه، حتى يبدأ بملاحقتكَ مُستجديًا منك المال بنبرةٍ أكثر حدّة، فإنْ رفضتَّ مُجدّدًا، قوبلتَ بالعُنف، لفظًا أو سُلوكًا!
احتواءٌ "غير مُجدٍ"
مدير عام الحماية الاجتماعية في وزارة التنمية الاجتماعية رياض البيطار قال إنّ وزارته تقدم خدمات خاصة للعوائل الفقيرة التي تضطرُّها الحاجةُ للتسول، ضمنَ نهجٍ عام لمكافحة التسول اتخذته الوزارة سبيلاً منذ انشائها.
واستعرضَ، في لقاءٍ خاصٍ مُطوّل مع "بوابة الهدف" انجازات وزارته في رعاية وخدمة المتسولين، قائلاً "نقدّم العديد من أشكال الدعم في إطار البرنامج الوطني للحماية الاجتماعية، وهو برنامج يساعد الفقراء والمعوزين عن طريق العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة التي تتعاون معًا"، مؤكداً أن المتسولين الذين يثبت أنهم بحاجة إلى مال، يتم إدراجُهم ضمنَ قوائم البرنامج ليحصلوا على المساعدة اللازمة.
ولفت إلى أنّ جهاز الشرطة يُرسل للوزارة بعض المستولين ممّن يُلقي القبض عليهم ويتبين بعدَ البحث سوء حالتهم المالية، فيما يحضر البعض الآخر من تلقاء أنفسهم وإن ثبتت حاجتهم يحصلون على المساعدة اللازمة.
مُقابل هذه "الإنجازات" للوزارة، لا تزال المُفترقات الرئيسية في مُدن القطاع تعجّ بالمتسوّلين من مختلف الفئات العمريّة، بينهم من يستخدم في تسوّله الاستجداء والعنف، وفي كثيرٍ من الأحيان على مرأى ومقرُبة من رجال الشرطة. على هذا اكتفى البيطار بالقول "للأسف، هناك تسولٌ مُقنّع يمارسه الأطفال، لا يمكن اعتباره تسولًا صريحًا"، مُكررًا الإشارة لإنجازات وزارته.
تلكَ المساعدات التي تُقدمها الوزارة، وذاك الضبطُ الذي تمارسه أجهزة الشرطة لم يُوقفا ظاهرة "التسول بالعُنف" في قطاع غزة، الأمر الذي قد يُبرَّر بعدم حزم الجهات الرسمية في التعامل مع القضية، وضعف المتابعة.
اعتداءٌ بالحجارة
"الابتزاز" النفسي ومُلاحقة بعض المتسولين للمارّة ليسا المشهد كاملاً؛ فقد تجرّأ فتيةٌ منهم على إلقاء الحجارة على بعض المحال، والسيارات التي تقف أمامها، بعد أن طردهم العاملون فيها، ورفضوا إعطاءهم المال.
أبو بهاء الجِدي، بائع ملابس في أحد المحال التجارية بحيّ الرمال غرب مدينة غزّة، واجه الكثير من المشكلات مع المتسولين من الأطفال والفتية، فهم يرفضون الرحيل، ويظلّون يُلاحقون المُشترين، خاصة النساء منهم، كأنّهم ظِلّهم، وفق قوله.
تابع البائع في حديثه لـ"بوابة الهدف": نضطرّ أحيانًا إلى الصّراخ فيهم وإخراجهم بالقوة من المحل، غير أن ردود أفعالهم لا تكون مُسالمة أبداً، فذات مرةٍ رجموا المحل بالحجارة، وقفزوا فوق إحدى السيارات التي كانت تقف بالجوار، ما اضطرَّنا حينها إلى حمل العِصيّ واللّحاق بهم".
وأضاف "قبلَ نحو شهرٍ تقريباً طردتُ 3 أطفال كانوا يلاحقون فتاةً، لجأتْ إلينا لنبعدهم عنها بعدما قالت إنّهم يُلاحقونها منذ ربع ساعة، أحدهم يبيع حافظات للبطاقات الشخصية. صرختُ فيهم ولحقتهم فهربوا، وتوقّعت أن الأمر انتهى، إلّا أنّهم عادوا وأمطروني بالحجارة على باب المحل".
في أحدث دراسة قانونية لمؤسسة "الضمير" بغزّة، حول ظاهرة التسوّل، جاء أن 65.3% من الأطفال المتسوّلين تراوحت سنوات ممارستهم للتسول من سنة إلى خمسة، وأنَ الظاهرة تزداد في الأسر التي ينخفض فيها المستوى التعليمي للآباء، ويكون فيها ربُ العائلة عاطلاً عن العمل، وبينت الدارسة أن الأطفال المتسولين لديهم سلوك سيئ بنسبة 38.6% ويتمثل بالنظرة العدوانية وزيادة القلق والاكتئاب والخوف من الانفصال عن الآخرين.
المختص النفسي د.فضل أبو هين أشار إلى أن "الحشد الفكري الذي يتلقّاه المستولون خاصةً الأطفال منهم، بأن ما في جيوب الناس ملكاً لهم، يدفعهم إلى طلبه بوسائل عديدة، منها الاستجداء والعنف"، محذراً من ظاهرة العنف التي يُمكنها أن تُصبحَ أقرب إلى "البلطجة" باستخدام السلاح الأبيض.
وتابع في حوارٍ مع "بوابة الهدف": تغيّر أسلوب بعض المتسولين من الاستعطاف إلى الابتزاز والعنف يُنذر بمرحلةٍ خطرة يجب أن تتم السيطرة عليها بالقانون، فالتأهيل النفسي لن يُجدي إن ظلَّ المستولون في الشوارع ولم تحتويهم مؤسساتٌ خاصّة أو مراكز إصلاح.
عقوبات "غير رادعة"
قدّمَ أصحاب المحلات التي اعتدى عليها المستولون بالحجارة شكوى جماعيّة إلى الشرطة لمتابعة الأمر، عن هذا قال البائع الجدي "قلّت حركة المتسولين المُهاجمين، إن صحّ التعبير، في الفترة الماضية، غير أنّهم يُواصلون التردّد على المحل بين الحين والآخر لطلب المال، ويزداد عددهم في المواسم كالأعياد".
على الإشارة الحمراء بمفترق السرايا وسطَ مدينة غزة توقّفت السيارات، فاندفعَ ثلاثة أطفال تجاهها يعرضون على الركّاب وخاصةً النساء منهم شراء "العلكة" أو البسكويت، مرفقين عروضهم بسيلٍ من الدعوات، مثال "الله يخليلك ولادك، الله ينجحك، الله يعوض عليك".
أشارت فاطمة خليل بيدها لأحد الأطفال بأن "ابتعِد، لن أشتري منك"، فما كان منه إلّا مدَّ ذراعه أكثر داخل المركبة مُواصلًا الاستجداء "الله يخليكِ اشتري، أمانة عليكي اشتري"، ولمّا لاحظ السائق ذلك صرخَ بالطفل حتى ابتعد.
قالت خليل "هذا ابتزازٌ للمشاعر، أكرهه أكثر من التسول الصامت، خاصةً حين يكون المُتسولون من الأطفال، هذا يضطّرك أحيانًا للتجاوب معهم رغمَ معرفتكَ بأنك بهذه الطريقة تدفعهم للاستمرار لا التوقف".
المُتحدث باسم الشرطة في غزة المُقدَّم أيمن البطنيجي في لقاءٍ سريع لـ"بوابة الهدف" ألقى بالمسئولية كاملةً على عاتق مكتب النائب العام بالقطاع، فقال "نحن جهة تنفيذيّة، تأتينا أوامر عليا من مكتب النائب العام لإلقاء القبض على المتسولين"، مشيراً إلى أن الإجراءات الرسمية التي تأخذها الشرطة في حال إلقاء القبض على المتسولين تنقسم إلى شقين: قانونية وإغاثية.
المادة 193 من قانون العقوبات الفلسطيني رقم (74) لسنة 1936، تُجرّم من يمتهنون التسوّل بدون حاجة حقيقيّة، بارتكابهم جنحة ويعاقَبون بالحبس، إذ تنصّ المادّة على أنّ "كُلّ من وُجد متنقلاً من مكانٍ إلى آخر لجمع الصدقات والإحسان أو ساعياً لجمع التبرعات الخيرية مهما كان نوعها بالاستناد إلى ادّعاءٍ باطلٍ أو كاذبٍ يُعتبر أنه ارتكب جنحةً ويعاقب في المرة الأولى بالحبس مدة شهر واحد، وفي المرة الثانية أو ما يليها بالحبس مدة سنة واحدة).
أثناء بحثنا في الأخبار عن الحملات التي سبق ونفّذتها الشرطة بغزّة للحدّ من ظاهرة التسول، كانَت الشرطة تتصدر بالحديث عن الظاهرة لا مكتب النائب العام، إذ نقلت عدد من وسائل الإعلام المحلية عن البطنيجي "أنّ جهازَه أخدَ تعهدات على بعض المتسولين بعدم الرجوع للتسول، غير أنهم خالفوا الأمر وعادوا".
لم تردع إجراءات الجهات الرسميّة مُمتهني التسوّل، بل تنامت نزعة العنف لدى بعضِهم لجهة الاعتداء على المواطنين، فهل سنشهد تحول التسوّل إلى "بلطجة" بالفعل؟، أم أنّ القانون "بقبضةٍ حازمة" يُمكنه منعَ ذلك؟!

