ما هي المتغيرات في خدمات الأونروا ؟
يُصنَّف التزام الدول المانحة بتقديم التمويل المُقرر طوعاً لصالح ميزانية الأونروا على أنه مُعبر عن مدى الالتزام الدولي" الطوعي" بقضية اللاجئين الفلسطينيين، ولا يعتبر في أية حال مسألة مالية محضة، وقد سعى الكيان الصهيوني لإنهاء الأونروا وولايتها الدولية على اللاجئين لفض ارتباط الأمم المتحدة الخاص بحقوق اللاجئين الفلسطينيين "حيث أن اللاجئين الفلسطينيين هم الوحيدون عالمياً الذين أنشئت هيئة خاصة بهم"، وتغييبها ضمن هذه الخصوصية يعني في المحصلة تغييب كونهم - دولياً- شعب لاجئ ومبعد عن وطنه وبأنهم أصحاب الأرض والبلاد والتاريخ، حيث أن هذا التميز وجد لتميز القضية الفلسطينية وخصوصية الصراع ونتائجه الاستثنائية.
وقد وصل عجز الأونروا في 2015 و 2016 إلى نحو 100 مليون دولار، بسبب عدم التزام الدول المانحة بحصصها من التمويل، ويبدو انه في 2017 أشد وطأة – على الرغم من غموضه وتضارب معلوماته في هذه الفترة- ! .
منذ بداية العام 2017، يستشعر اللاجئون الفلسطينيون في سوريا ولبنان ارتباكاً ماليا في تقدمات الأونروا لهم، حيث تم في الأشهر الأخيرة تخفيض المعونات بنسبة تفوق 50%، وذلك على الرغم من الانخفاض الطفيف والمتواتر في سعر تصريف الدولار أمام الليرة السورية في الآونة الأخيرة، أما في لبنان فتخفيضات وتعقيدات في تغطيات بدل الايجار والمساعدات والعمليات الجراحية والطبابة ...
حتى فيما يخص الأدوية، يقول اللاجئون في سوريا ولبنان بأنهم يذهبون للحصول على حصصهم المقررة من الأدوية – هذا بالنسبة للأمراض المستديمة- فيبلغون بعدم وجود غالبية الأدوية أو بعضها، وغالبا ما تكون هذه الأدوية من النوع الغالي الثمن، وهي أدوية تخص مرضى السكر وضغط الدم والقلب والسرطانات وما شابه.
زرنا مؤخرا مركزين في سوريا وآخر في لبنان، ويمكن ملاحظة ذلك، فهناك تعقيدات وقيود على تسليم الأطراف الصناعية لجرحى الحرب وهم كثر في السنوات الأخيرة، حيث كانت تُسلم بيسر للمصابين والمرضى في السابق، وكنت تجد الكراسي المتحركة بكثرة في المراكز الصحية وعلى الحائط عبارات تدعو لتقديم المحتاجين طلبات لاستلامها، اليوم لم نعد نرى ذلك، بل تعقيدات وطلبات و تقارير تقدم في المركز الرئيسي حصراً، ويبلغون الطالب بعد جهد غالبا أن الأطراف الصناعية " أيدي أرجل وما شابه" غير موجودة حالياً ويمتنعون عن تقديم بدل مالي لها أو يماطلون!
أثناء إعداد هذا التقرير، بدأت الأونروا إيقاف أو تخفيض دعم العمليات الجراحية بشكل كبير، مما شكل صدمة جديدة للاجئين الفلسطينيين خاصة في سوريا، والذين هم بغالبيتهم مشردون الآن خارج بيوتهم ومخيماتهم، علما بأن تغطية الأونروا للعمليات الجراحية تتراوح بين 30% إلى 85 % عادةً.
أم طارق عودة، سيدة مهجرة من مخيم اليرموك، تستأجر مسكناً لها ولأولادها في جرمانا، بحاجة لعملية جراحية في العين، جهزت أوراقها وتقاريرها الطبية، وحدد لها الأطباء في المشفى موعداً للعملية، وعندما حضرت في الموعد المحدد قيل لها من قبل إدارة المشفى بأن الأونروا أبلغتهم وقف دفع بدل العمليات، علماً بأن المشفى المذكور كان قد تعاقد مع الأونروا لتغطية تكاليف العمليات كما أعلنت الأونروا ذاتها، وأن السيدة المذكورة قد حصلت على تحويل للعملية من قبل مركز الأونروا !.
إيقاف دعم العمليات الجراحية أمر يحمل خطورة كبيرة، بل يمكن اقترابه من مفهوم كونه جريمة إنسانية بحق اللاجئين الذين ليس لديهم القدرة على دفع تكاليف العمليات الجراحية في المشافي الخاصة، وهي مبالغ تعتبر غالباً كبيرة وربما ضخمة أمام دخل الفرد عموماً في سوريا، وبخاصة المهجرون من مناطق سكنهم نتيجة الحرب.
وكانت الأونروا قد بدأت بتخفيض تدريجي للمعونات المالية المقررة بحجة تغطية العمليات الجراحية ومساعدات ونفقات أخرى، حيث وصلت خلال الدفعة الأخيرة في سوريا إلى 40 $ - بدلا من 63$ إلى 100$ في السابق-.
... يُمنع على موظفي الأونروا التحدث لوسائل الإعلام في هذه الشؤون، لكن بعض المعلومات التي نجمعها وهي غير رسمية تأتي عن طريق معارف وأصدقاء في الغالب أو من خلال شهادات مواطنين لاجئين عانوا بشكل ما، لكن بعض المسؤولين يردون بشكل غير رسمي بأن الأونروا تتصرف بحسب دعم المانحين، فإن دفعوا مستحقاتهم يتم تقديم الخدمات، وبالتالي فإن الأمر منوط بما يصل الأونروا لا بما تلتزم به الدول المانحة التي تربط تقديمها للالتزامات التي تعهدت بها غالباً بمسائل سياسية.
مانحو الهبات للأونروا الكبار هم أربعة، الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد الأوروبي، بريطانيا، العربية السعودية، وكمثلٍ قريب على ربط السياسي بالالتزام بمنح الحصة المُقرة، فقد قامت السعودية في حزيران يونيو 2016، وهي التي قدمت في 2015 مئة مليون دولار للوكالة- بربط إدانتها دوليا بخصوص حقوق الطفل على ضوء حربها على اليمن بالتهديد بوقف تسديد حصتها المالية التي التزمت بها سابقاً للأونروا، وقد قامت السعودية بتهديد الأمم المتحدة فعليا بذلك إن لم يرفع اسم التحالف الذي تقوده من الإدانة بخصوص انتهاك حقوق الطفل في اليمن !.
ويمكن ملاحظة تصاعد عمليات التهرب وعدم الالتزام بتسديد الحصص المقرة بعد مطالبة رئيس وزراء العدو نتنياهو في نوفمبر تشرين الثاني 2017 وحكومته بإلغاء الأونروا – وهو مطلب صهيوني دائم منذ نشوئها- فقد تلكأت الدول المانحة وبخاصة الأساسية في الدعم بالالتزام بتحويل الأموال لصالح الأونروا مما أربك الوكالة ودفعها لهذا التخبط الذي نشهده هذه الأيام، فالأونروا تقول بأنها تحمل تكاليف الرعاية الطبية على المساعدات المالية أو التربية والتعليم وهكذا.
وكان نتنياهو قد طالب " بتفكيك الأونروا ودمج مؤسساتها في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لتابعة للأمم المتحدة.
وأبلغ في مستهل الاجتماع الأسبوعي لحكومته آنذاك بأنه قال لمندوبة الولايات المتحدة نيكي هيلى خلال لقائهما مؤخراً: "آن الأوان للأمم المتحدة أن تنظر في استمرار عمل وكالة الأونروا".
وأضاف: "منذ الحرب العالمية الثانية كان ولا يزال هناك عشرات الملايين من اللاجئين، ولهم جميعاً مفوضية سامية في الأمم المتحدة، بينما للاجئين الفلسطينيين بشكل خاص, وهم الذين تم توطين الأغلبية الساحقة منهم, هناك مفوضية خاصة بهم فقط فلم الاستمرار في ذلك؟".
مندوب فلسطين والمنظمة والسلطة والفصائل رفضت ذلك بوضوح، فهناك إجماع على عدم السماح بتذويب الأونروا أو التقاعس عن تقديم خدماتها باعتبار أنها شاهد ومسؤول عن مأساة الشعب الفلسطيني اللاجئ ورعايته حتى تحقيق عودته المنشودة.
ويربط الفلسطينيون التلاعب بمستحقات الأونروا بالنوايا الصهيونية و الأميركية بإلغائها، و ربطها باعتبارات سياسية، وهو ما يقول عنه الجميع بأنه أمر مرفوض.
لكن إرباك خدمات الأونروا أولاً وأخيراً يؤثر على إمكانية الحياة بالنسبة للاجئين، فما قدمته الوكالة خلال سنوات الحرب السبعة الماضية كان سنداً للاجئين وبخاصة ممن هجروا خارج المخيمات، كما يجري الهمس الآن عن توقف المساعدات المالية وهو ما يقلق بسطاء اللاجئين الذين يدفعون إيجارات بيوت باهظة وتفوق ضعف وربما أضعاف الراتب الشهري للموظف مثلاً في سوريا، ويجري الحديث عن تقنين " الكرتونة" كما تسمى هنا أي المساعدة العينية بحسب عدد أفراد كل عائلة، فيما تبدو غالبية المسائل محاطة بغموض أو تسويف في الإجابة.

