Menu

جذور وأفعال: عن معنى النزوع اليميني لنتنياهو

بوابة الهدف/ أحمد.م.جابر

نتنياهو شخصية يمينية طبعا، يقود تحالفا متطرفا من أحزاب يمينية صهيونية ودينية رجعية، وهذه السياسة هي دليل حقيقي على طبيعة إسرائيل الفاشية، والاتجاه إلى ديكتاتورية معمقة وجذرية ليس فقط ضد الفلسطينيين الضحايا الدائمين ولكن ضد اليهود أيضا، ما يشعل انقساما حقيقيا، إن لم يظهر في النخب السياسية بشكل واضح حتى الآن بسبب طبيعة الائتلاف الحاكم، فإنه يحفر عميقا في مجتمع المستوطنة الكبيرة المسماة "إسرائيل".

لكن تاريخ هذا لايرتبط بنتنياهو وإن كان ممثله الأبرز حاليا فمعسكر اليمين بدوره وخصوصا الاتجاه التنقيحي الذي تصدر عنه أفعال نتنياهو والليكود،  يعتقد أن الأفضلية ممنوحة لقيم القومية والدولة، وهذا المعسكر قدس وما يزال قيما معادية جوهريا للديمقراطية: النظام والقوة، الانضباط والتراتبية، والعسكرية والوحدة مقابل التسامح والتعددية. وحزب حيروت (الحرية) رفع لواء حرية الشعب مقابل حرية المواطن، أما المعسكر الديني فهو يعتبر أن الشريعة ويهودية الدولة أهم من حريات الإنسان والمواطن. . هذا النص يرصد أفعال نتنياهو وائتلافه ارتباطا بهذا التوصيف، لكي لا يبدو غريبا التساؤل عن المعنى الذي يقف وراء هذه السياسات.

مؤخرا، قرر رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو صرف مبلغ 800 مليون شيكل (226 مليون دولار) على التدابير الأمنية على طول الطرق الالتفافية الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة، وهي طرق تم انشاؤها لغرضين، حصار وعزل القرى العربية، وتأمين شبكة مواصلات مستقلة للمستوطنات الصهيونية، ونتج عنها طبعا مصادرة وعزل آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية.

جاء قرار نتنياهو بعد مطالبات كبيرة وحثيثة من مجالس الاستيطان، الذين يزعمون أن حياة المستوطنين تتعرض للخطر أثناء السفر على الطرق، بعد عدد من الهجمات الفدائية التي استهدفت سيارات المستوطنين العابرة لهذه الطرق التي من الواضح أنها فشلت في تأمين أحد أهدافها وهو أمن الطرق وفصلها.

ولكن السؤال الذي يطرحه حتى "الإسرائيلي" وبالذات الذي يجد نفسه بعيدا عن الاستيطان، ما الغرض من انفاق ما يقارب المليار دولار على أراض تقع خارج "الإطار السيادي" لـ "دولة إسرائيل" في مناطق تعتبر محتلة حسب القانون الدولي، وليست جزءا من الكيان حسب القانون الصهيوني بغض النظر عن نباح اليمين الصهيوني والديني؟

لكم الجواب على وجه الدقة في النظرة العامة التي تحكم الكيان تجاه هذه الأراضي والاستهدافات في الضفة تحت ناظم أساسي، أنه لا انسحاب من المستوطنات ولا من الضفة وهو ما أصبح يشكل "إجماعا قوميا" صهيونيا، بعد تصريحات آفي غاباي زعيم حزب العمل الأخيرة.

وبالأرقام، قتل عام 2016  سبعة عشر صهيونيا في 142 هجوما مقارنة مع 171 في العام الذي سبقه، بالمقابل يقتل 40 صهيونيا تقريبا كل عام في حوادث الطرق على الطرق الأكثر خطورة والتي يتم إهمالها في المناطق النائية ويتم التركيز على نفقات غير ضرورية في أراضي الغير.

ولكن لماذا إذا هذا الانفاق الفاحش؟ مما لاشك فيه أن الموضوع مرتبط بديمغرافيا استيطانية حزبية، ونعني تزايد عدد المستوطنين في الأحزاب اليمينية وتمكنهم من السيطرة على أجندات هذه الأحزاب كما هو الوضع في الليكود، حيث يشكل الكيان الاستيطاني للعضوية حزبا داخل الحزب، مع أن الليكود برمته يميني فاشي ولكن لنتصور ماذا يمكن وصف الكيان المضمن فيه. لذلك لا يبدو غريبا أن يلتحق 13 وزيرا من الحكومة الصهيونية وعشرات أعضاء الكنيست بخيمة الاعتصام التي كان أقامها المستوطنون من أجل خطة "أمن الطرق".

يبدو سكوت نتنياهو على مشاركة وزرائه في احتجاج ضده انقلابا على سياسته السابقة، وسكوته يعني أنه هو نفسه موجود في الحقيقة في خيمة الاعتصام الاستيطانية، ولماذا يعتصم نتنياهو ضد نفسه، بعد أن كان قرر منذ عام 2015 "لن أوافق على وجود وزراء في الحكومة يهاجمون الحكومة".

عطل نتنياهو كل فرامله في منحدر اليمين كما لا ينبغي لسياسي محنك أن يفعل، وهو يخوض مقامرة كبرى في سعيه  لتثبيت حكم وسيطرة اليمين على مختلف مناحي الحياة العامة، حتى ضمن المعايير الصهيونية الداخلية يعتبر نتنياهو متآمرا على القضاء والشرطة والإعلام، والحريات العامة، ويريد فرض هيمنة تياره المتطرف على "كل أرض إسرائيل" كما يعرفها هذا التيار أيديولوجيا.

وقد سرد الصحفي الصهيوني عكيفا ألدار نماذج من المساعي التي يقودها نتنياهو لإحكام سيطرة اليمين، مثلا مشروع قانون "الولاء في الثقافة"، وهو قانون قدمته الوزيرة ميري ريغف ودعمه الائتلاف الصهيوني الحاكم يهدف إلى السماح  لوزارة الثقافة بحجب التمويل من المؤسسات الثقافية لأسباب غير مهنية، أي سياسية وأيديولوجية وقد تكون أيضا مزاعم أمنية، وهذا ما سمح لريغف بشن "حملة صليبية" بتعبير ألدار، ضد كل المؤسسات التي تعتبرها غير مخلصة للدولة وتقليص ميزانياتها، هذه المؤسسات بالأغلب عربية أو يهودية عربية مشتركة، يسارية ومؤيدة لحقوق الفلسطينيين أو تعارض الاحتلال، أو على الأقل تناهض فساد نتنياهو وسياساته اليمينية.

مثال آخر، يرتبط بوزير المالية موشيه كحلون (كولانو) حيث يسعى لسحب الإعفاء الضريبي لمنظمة العفو الدولية، وهو بهذا يفعل بالضبط ما تزعمه الاتهامات الصهيونية لدول مثل تركيا وروسيا وتايلند وإيران. وزير آخر، جلعاد إردان (ليكود) يسعى لفرض عقوبات على المنظمات التي تنشط في مقاطعة كيانه، ووزير التريبة والتعليم نفتالي بينت  بدوره يقوم بما عليه في هذا السياق ويسعى لإصدار قائمة سوداء يحضر حضورها وحديثها أمام الطلبة وسبق لبينيت أن منع مسرحية باللغة العربية وحظر روايات، حتى بلغة أخرى،  ودعم إصدار "وثيقة أخلاقية" تشكل انتهاكا صارخا للحريات الأكاديمية، قبل هذا دعم نتنياهو قانون طرد أعضاء الكنيست الذي يمنح الكنيست سلطة إقصاء أي عضو غير مرغوب فيه من المؤسسة الصهيونية، ما كرس ديكتاتورية الأغلبية في النظام السياسي الصهيوني، ولا ننسى قوانين غريبة وعنصرية مثل قانون الآذان مثلا، والحملة التي تقودها إيليت شاكيد ضد المحكمة العليا في محاولة للسيطرة على القضاء، لمصلحة الائتلاف اليميني الحاكم،  وتكريس بينيت للنظام الدراسي لغسل أدمغة الطلبة دينيا، ومحاربة العلمانية،  وأكثر المقترحات غرابة مشروع القانون "الفرنسي" الذي يمنع التحقيق مع رئيس الوزراء وتم افشاله بسبب وقاحته كما أجمع المعترضون.

قوانين أخرى سنتها الحكومة مثل قانون "تسوية الأراضي" والذي يسهل انتزاع الأراضي الفلسطينية وتسليمها للمستوطنين اليهود، ليس في الضفة فقط بل في النقب والجليل أيضا،  ناهيك عن قانون الجنسية، وقانون محاربة المنظمات غير الحكومية التي تصدى لها الاتحاد الأوربي. وغيرها كثير.

يتبين السقوط في هاوية اليمين بالخلاصة بتضييق الخناق على الصحافة حول حرية التعبير والتفكير لصالح «صوت الإجماع» في التحكم بالإعلام وتوجيه مساراته لخدمة أغراض الحكم الخالصة، وزج الجماهير في إطار معرفي قاصر لا منهجي وعديم النفع، وقد بين على سبيل المثال تقرير لمركز كيشف (مركز حماية الديمقراطية في إسرائيل) بعنوان (بيع بالتصفية) صدر مبكرا نسبيا عام 2007 أن الإعلام ينطق بلسان الجيش الإسرائيلي ويقول المركز «إن الإعلام يعطي اهتماماً قليلا للأحداث التي يتم خلالها قتل فلسطينيين بنيران قوات الأمن الإسرائيلية، غالبيتها لا يتم نشرها بتاتا» و «تصريحات الناطق بلسان الجيش هي القاعدة الأساسية لغالبية التقارير ولا يتم انتقاد التصفيات إلا نادرا» وفي 75% من التقارير الصحفية عن أحداث يقتل فيها فلسطينيون، فإن المصدر الوحيد الذي ينقل ما يحدث هو مصدر عسكري أمني والذي يتم أخذه وكأنه حقيقة واقعة دون مواجهة هذه البيانات مع بيانات لمصادر فلسطينية أو إسرائيلية أخرى أو مستقلة.

كيف نحلل هذا نظريا؟

في الحالة الإسرائيلية نجد التوتاليتارية – رغم أن البعض قد يعترض على هذا التحليل وقد يعتبر استخدام المصطلح صادما هنا - وجدت مكانها في التجربة على مستويين: الشعب الذي تم احتلاله وإبعاده وإبادته. أي الشعب الفلسطيني. حيث سلكت الصهيونية مسلكا يماثل مسلك الطاغية، وهذا ما يسمى الحكم التوتاليتاري حسب حنة آرندت التي تؤكد أنه في مراحله الأولى يسلك مسلك الطاغية ويعمد إلى الإرهاب الكلي.

أما على المستوى الثاني مستوى الجماعة اليهودية نفسه، حيث عبر سلوكها وجرائمها حولت الصهيونية اليهود إلى أعضاء في الجماعة الصهيونية، ينظرون إلى أنفسهم والى غيرهم على هذا الأساس مما يجعلهم يدمرون المسافة القائمة بينهم كبشر طبيعيين، وعبر السياسات المركزية وبوتقة الصهر والعسكرة، عملت الصهيونية تماما كالتوتاليتارية كمحرك للتغيير المعالج مركزياً تبعا لحنة أرندت، حيث تؤيد الفاشية هندسة الوعي القومي وصياغته وفق المصالح القومية.

وفي السلوك تجاه الرعايا فإن ما يحتاجه الحكم التوتاليتاري لتوجيه سلوك رعاياه هو التهيئة التي تناسب كلا منهم ليلعب دور الجلاد بمثل الجدارة التي يلعب بها دور الضحية كما يحلل إريك فروم، وتضيف آرندت أنه في نظرتها للقوانين لا تستبدل السياسة التوتاليتارية مجموعة من القوانين بأخرى بل تستغني عن أي توافق تشريعي، معتمدة التلفيق والانتقاء .