Menu

بالصور: "هنية".. من العز إلى الفقر حَكَمَ الانقسام !

الهدف_غزة_رمزي المغاري:

تصوير/ خالد أبو الجديان

غرفتان مستأجرتان بمخيم الشاطئ، مطبخ ٌ لا لقمة فيه تؤمن من جوعٍ قادم، وآمال بالعيش الكريم تحطمت.. بهذه أشبع "مصطفى درويش هنية" نهم المنقسمين الذي أحالوا جزءًا من وطن إلى وطنين.

بدأت الحكاية حين اختير هنية العسكري السابق بجهاز الأمن الوطني عام 1998 ليكون من إحدى المتدربين، في الاردن، على قيادة المدرعات.

بعد العودة من الأردن، ونتيجة تفوقه، اختير هنية (40 عامًا) مرة أخرى مدربًا لعساكر الأمن الوطني لقيادة المدرعات في عام 2006، ثم أعيد كعنصر إلى جهاز الأمن الوطني.

يقول هنية: كنت موظفًا مثابرًا، قطع الانقسام الطريق علي، استنكف الموظفون، وعُدت أو أجبرت على البقاء في العمل للاستفادة من خبرتي في قيادة المدرعات، رُفعت التقارير ممن لا يعرفون الله وليس عندهم ضمير، فقطع راتبي.

ويواصل: مع سيطرة حركة حماس على القطاع، لم يكن أمامي مفر إلا الاستمرار على ما أنا عليه، هكذا يضعوننا على المحك، وعليك أن تختار، لا يهم أي قيم أو مبادئ، عندما تصبح أبًا لن تفكر إلا في لقمة عيش أبنائك.

يوما ما، بعد استمرار هنية في العمل حتى عام 2010، جاءت الضربة القاضية، إذ تلقى أوامر من أحد مسئوليه بإعطاء أحد المسجونين الذي يعاني من آلام شديدة جراء إصابته بمرض ما، حبتين من الترامادول. وهنا وجهت له وحده الاتهامات، وفصل من العمل "ظلما وبهتانا" حسبما يقول.

هنية الذي لا يستطيع حتى أن يشعر بالندم لأنه لم يستطع أن يستنكف من البداية يلتقط دمعتين من عينيه فيما يقول بصوت مخنوق: كنت احلم بأن اعيل والدي ووالدتي فأنا ابنهما الوحيد، كنت أحلم بأن يعيش أبنائي بسلام وان يكملوا تعليمهم إلى أن يصلوا الجامعات ويتخرجوا منها بمعدلات عالية، لقد كانوا من المتميزين، ولكن !

ولكن؛ اضطر هنية لتزويج بناته ميسرة ومي وميسّر في الخامسة عشر والسادسة عشر من عمرهن، لأنه لم يستطع في يوم ما أن يوفر لهن المأكل والمشرب.

ولكن؛ ترك ابنه الكبير محمد (18 عامًا) المدرسة، والبيت وذهب إلى حاصل يعيش فيه جديه؛ ليعيش معهما، وينفق عليهما من عمل غير ثابت.

ولكن؛ تمر الأيام به فيطلب منه ابنه الأصغر محمود كراس الرسم البياني الذي يباع بخمسة شواقل فلا يستطيع توفيره.

ولكن؛ يضطر لبيع الترمس والفول النابت في الشوارع للناس، دون أن يلبي حاجة أولاده.

ولكن؛ تتقصد زوجته بيوت الجيران لطلب ما يسد جوع طفلها محمد، ويرسم البسمة على وجهه.

هذا ما حدث لهنية، بل وأكثر، فقد اضطر لبيع بيته وسداد ديونه المتراكمة، واستئجار هاتين الغرفتين في المخيم، اللتين لا تقيانه وأسرته حرا ولا بردا، ومع ذلك فإنه غير قادر على سداد أجرة المنزل، بل ويطلب منه صاحب المنزل مغادرته !!

يقول هنية: إن طردني صاحب البيت فلا اعلم وقتها ما العمل ولكن لي رب كبير لن ينساني، قسما لو أن أحداً مكاني يصارع هذه المشكلة لانتحر، ولكن ايماني بالله كبير ومن المستحيل أن أفعلها، أنا مستعد أن أعمل في أي شئ حتى لو كان عملي داخل مياه المجاري حفاظا على أسرتي من التشرد والضياع.

ويردف: لو كنت أخطأت، وحوسبت، فلمَ لم يحاسب من أعطاني الأوامر، هل لأنه ابن حماس، وأنا ابن فتح؟!، ألم يقدّروا لي أنني عملت معهم وضحيت براتبي ولقمة عيش أولادي؟! لماذا ألقوني في قاع البئر وكأنها النهاية، ألا يخطئ البشر؟! اتقوا الله في الناس!

زوجة هنية هي الأخرى التي تحملت الحياة بحلوها ومرها، قالت والدمع بعينيها: لقد توجهت لمؤسسات عديدة، لم أترك بابًا إلا طرقته، المؤسسات والجمعيات لم تقدم لنا شيئًا، أنا أريد أن أفترض أن زوجي ارتكب خطئًا، هل يعني هذا أن نموت جوعا وقهرا، هذا المجتمع ظالم، لم يعد بإمكاننا تحمل المزيد.

وعن طفلها محمود الجميل بأخلاقه وروعة قلبه، الحزين بكلماته الراقية، ففقد مصروفه وأصدقاءه أيضًا: "كان لي أصدقاء كثر، والآن لا يوجد إلا القليل، دائمًا ما يتحدثوا عن منزلنا وأننا فقراء، أنا أريد أن أكون صحفيًا حتى أكتب عن هموم الناس" هكذا يقول.

وهكذا يُسدل الستار على هنية وزوجته وعائلته التي كسرها انقسام ربط لقمة العيش بالانتماء، ولو كان انتماءً ل فلسطين وحدها لكان أنبل، لكنه انتماء للمصالح والأموال التي أغرقت كثيرين في قاع البئر وطفت بآخرين إلى السطح !