صدر مؤخرا عن مطبعة جامعة ستانفورد كتاب جديد للمحامية "الإسرائيلية" يائيل بيردا بعنوان "الحياة في نظام الطوارئ: نظام تصاريح إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة" ، ونيردا هي محامية مثلت مئات الفلسطينيين بين عامي 2005 و2007 من مكتبها في القدس ، وتشكل هذه التجارب أساس هذه الدراسة لاستراتيجيات "إدارة السكان" "الإسرائيلية" التي وصفها مؤلفون آخرون أيضا باسم "الهندسة الاجتماعية" أو "مصفوفة السيطرة" "الإسرائيلية".
هذا الكتاب النحيف، بـ 152 صفحة فقط ، وعلى الرغم من أنه يركز على جانب واحد من الاحتلال الإسرائيلي - استخدام التصاريح للسيطرة على السكان الفلسطينيين - فإن الكاتبة تعمل على إلقاء الضوء على الاحتلال ككل.
كما أن تركيز "الحياة الطارئة" يحد من "فترة الإذن" الواردة في العنوان الفرعي، حيث يدرس تصاريح العمل على وجه التحديد، ولا سيما استخدام تصميم التهديدات الأمنية لحرمان الفلسطينيين من تصاريح العمل.
يعيش الفلسطينيون هذه الحالة عبر تبخير الاحتلال لفرص العمل والحد منها وتدمير سبل العيش عبر قواعد سرية وأدلة لايتم تقديمها، والوصول إلى الابتزاز والتجنيد للعمالة مقابل تصريح عمل مع العلم أن الرفض يعني اعتباره مقاومة للاحتلال وبالتالي تهديدا أمنيا في حد ذاته.
تفرض "إسرائيل" أكثر من 100 نوع مختلف من التصاريح على الفلسطينيين في الضفة الغربية. وهناك 13 نوعا من التصاريح فقط للسفر داخل "منطقة التماس" - وهي المنطقة المحيطة بجدار إسرائيل في الضفة الغربية التي تفصل الفلسطينيين عن عملهم ومستشفياتهم ومدارسهم وأيضا أراضيهم الزراعية.
ويؤثر نظام الحاكم العسكري على النشاط السياسي ومقاومة الاحتلال بسبب الخوف من تصنيفه على أنه تهديد أمني. و امتلاك السلطة لمنح أو إلغاء أو رفض التصاريح التي تمكن "إسرائيل" من السيطرة على الفلسطينيين الذين يحاولون تنظيم العمل وتحسين ظروف العمل، يمكنها من تجنيد المخبرين وفرض تكاليف كبيرة على مستويات المعيشة الفلسطينية والتنمية الاقتصادية.
تشير بيردا إلى أنه في عام 2005 مثلا كان يمكن أن تبلغ تكلفة تصريح العمل لعمال البناء الفلسطينيين ذوي الخبرة نصف راتبهم. ووجدت في دراسة حديثة أن الفلسطينيين يدفعون عادة ربع إلى ثلث أجورهم لسماسرة الوظائف أو الوسطاء الذين يساعدونهم على العثور على عمل في إسرائيل والحصول على التصاريح اللازمة.
وتلاحظ أن أن قانون الإذونات يستمد بشكل كبير من لوائح الدفاع (الطوارئ) لعام 1945. وقد وضع البريطانيون هذه الأنظمة القمعية، التي حرمت الفلسطينيين من الحقوق الديمقراطية الأساسية من أجل منع النشاط السياسي، خلال فترة الانتداب. وقد استحوذ المستوطنون الصهاينة على الآثار السلبية لهذه الأنظمة. بل إن البعض يقارنها بالقوانين التي سنها النازيون.
بعد سيطرة "إسرائيل" على الضفة الغربية بالقوة في عام 1967، وضعت سلطات الاحتلال قواعد إدارية تم نسخها حرفيا من اللائحة البريطانية، وتغيير فقط عناوين الوظائف واستبدال مصطلحات مثل "قوات صاحب الجلالة" مع " القوات الاسرائيلية ".
وبدلا من أن تفكك اتفاقات أوسلو لعام 1993نظام التصاريح، وساعدت بدلا من ذلك على تشديده. في البداية، أدت الاتفاقات إلى تعقيد قدرة "إسرائيل" على تجنيد المتعاونين الفلسطينيين بسبب انسحاب قواتها العسكرية من العديد من المدن والبلدات الفلسطينية. وبدون وجود مادي في هذه المناطق، أصبح من الصعب على القوات الإسرائيلية تحديد المخبرين المحتملين. ومع ذلك، سرعان ما أدركت الشرطة السرية في الشين بيت قدرتها على استخدام التصاريح بشكل جديد.
وتلاحظ بيردا أن هذه الممارسة تشكل انتهاكا خطيرا لاتفاقية جنيف الرابعة. وتنص المادة 31 على أنه "لا يجوز ممارسة أي إكراه بدني أو معنوي ضد الأشخاص المحميين، ولا سيما للحصول على معلومات منهم أو من أطراف ثالثة".
وترى بيردا إن الحصول على إذن للعمل في "إسرائيل" يمكن أن ينطوي في حد ذاته على تعاون، وفي الوقت نفسه، قد يلجأ الشين بيت ببساطة لاتهامات أمنية من باب الانتقام لرفض التعاون.
وتقدر بيردا أن أكثر من 200.000 فلسطيني في الضفة الغربية صنفوا بأنهم "تهديدات الأمنية". وتشير إلى أن أحد أكثر الجوانب التي تكشفت عن عملها في المحاماة هو عدد المرات التي يقوم بها الشين بيت بسحب التصاريح في تعسف كبير ، أن أن من الممكن أن ينال الفلسطيني حظرا مدى يمنعه من الحصول علی تصاریح مستقبلیة. وتنتقد بيردا بعض منظمات حقوق الإنسان في إسرائيل، مثل بتسيلم ومنظمة يش دين، لأنها تسعى فقط لإصلاح نظام التصاريح في حين لا بد من رفضها "في مجملها".
تأسست نظام التصاريح على إدراك بين القادة الصهاينة بأن "إسرائيل" موجودة في حالة طوارئ، وبالتالي تحتاج إلى السيطرة الصارمة على الفلسطينيين لمجرد كونهم فلسطينيين. وتخلص إلى أن نظام التصاريح أسفر عن "الذين يعيشون في حالات الطوارئ هم ملايين الفلسطينيين"، والذي يبنى على "العرق والتسلسل الهرمي العنصري ويغرس ممارسات وإجراءات" بيروقراطية للاستيطان الاستعماري ويجعل الحياة صعبة ومهينة لضحاياها.

