[كيف استشهد عبد القادر الحسيني، وكيف واجه هذا القائد الشريف والنبيل يومه الأخير وسط الخذلان والخيانة، وما هو الإرث الذي تركه لنا؟ لايتوقعن أحد أن يجيب كتاب لصحفي "إسرائيلي" عن هذه الأسئلة حتى لو كان متعاطفا معنا بشكل ما، وهو ما يزال يصف عبد القادربـ "الإرهابي" ..
هذا النص يأتي هلى هامش كتاب جديد للصحفي الشهير داني روبنشتاين، الذي صدر تحت عنوان "معركة على القسطل:الـ 24 ساعة التي غيرت مسار حرب 1948 بين الفلسطينيين والإسرائيليين،" وعنوانه بالعبرية كان " "إمّا نحن أوهم، القسطل و القدس ، نيسان 1948". معالجا الفترة الدرامية التي استمرت 24 ساعة من 8 إلى 9 أبريل.]
راجع نير حسون، في مقال مطول في جريدة هآرتس رواية روبنشتاين لتلك الساعات، واليوم الأخير في حياة أبرز قائد عسكري فلسطيني الذي تصفه الرواية الصهيونية بـ(الإرهابي)، وهو طالما أوجعهم وعطل مؤامراتهم قبل أن يستشهد مخذولا، بنصف كيس من الرصاص.
كان يوم الثامن من نيسان/ أبريل 1948، اليوم الأكثر كارثية ربما في تاريخ القدس العربية والشعب الفلسطيني في العصر الحديث كما يقول روبنشتاين محقا على الأرجح، وكانت الأحداث قد بدأت تمام الساعة الثانية، عندما غادر الشهيد القائد عبد القادر الحسيني منطقة محجر خارج المدينة، حيث كان يقع مقره العام للقيادة، وكان خروجه محاولة لاستعادة بلدة القسطل الاستراتيجية، بعدها بساعات استشهد عبد القادر الحسيني ، فجر يوم الخميس ودفن في الأقصى كما يليق ببطل مثله، بعد أن شيع بجنازة عظيمة لم يكن لها مثيل.
أثناء الجنازة، وصل ضحايا دير ياسين، حيث في اليوم نفسه ارتكبت منظمة أرغون الإرهابية الصهيونية تلك المجزرة المروعة، وانتشر الخبر كالنار في الهشيم، وكان المشيعون في وداع عبد القادر الذين جاؤوا من أنحاء البلاد هم أنفسهم حاملوا أخبار المذبحة. التي تلتها بساعات إعادة احتلال القسطل على يد منظمة الهاغاناة الإرهابية، بالترافق مع فشل االجيش العربي في الشمال باستعادة السيطرة على كيبوتز ميشمار هايمك، وبدأت النكبة وشرد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، طردا على يد العصابات الصهيونية.
يشبه الكتاب ملحمة عبد القادر بأنها نوع من المأساة اليونانية التي يذهب فيها البطل إلى مصيره وهو يعرفه ويواجهه مفتوح العينين، ولكن ملحمة القائد الشهيد أعمق وأعظم، نعرف جميعا قصة أخيل الميرمندي، الذاهب إلى طروادة ليحصد المجد وهو يعرف سلفا بنبوءة أنه لن يعود، ولعلنا اليوم كفلسطينيين صرنا نعرف تماما ماذا كانت (عقب أخيل) بالنسبة لقائدنا الشهيد.
ذهب عبد القادر، وتلك روايتنا، إلى القسطل وهو يعرف أنها معركة لن يكون من الممكن كسبها، ولكنه كان محمولا على جناح الأمل وعقيدة الإيمان، بأن استشهاده في تلك المعركة سيكتب في التاريخ بأحرف من نور، أن القسطل والقدس لم تذهب بدون قتال، وكان يعرف (عقبه) الضعيف، الخذلان والتخذيل العربي، وترك فلسطين لقمة سائغة وأكاذيب قيادة جيش الإنقاذ، وحقارة اللجنة لعسكرية العربية، كان عبد القادر يعرف كل ذلك ولكن القسطل والقدس بعدا لاتذهب بدون قتال.
وإن كان استشهاد عبد القادر وأحداث القسطل ومجزرة دير ياسين تقدم صورة مصغرة لنكبة الفلسطينيين كما يقول الصحفي الصهيوني، إلا أنها أيضا تقدم الدليل الحي على جريمة العصابة الصهيونية من جهة واستبسال الفلسطينيين في الدفاع عن بلدهم الضعيف المهمل من جهة أكثر أهمية، إنها مأساتنا كفلسطينيين هذا صحيح، ولكنها أيضا الدرس الذي حفر عميقا على جلودنا ولن ننساه أبدا.
ينقل الكتاب ما كان رأي عبد القادر بتلك الحرب، نقلا عن أرشيف الهاغاناة، حيث كتب القائد الشهيد "من غير المعقول أن فلسطين ستكون للعرب والصهاينة معا – إنها لنا أو لهم. هذه حرب من أجل الحياة أو الموت: إما أن نخرج من الحرب منتصرين، أو أننا جميعا نموت "، ولعل هذه الكلمات هي مفتاح فهمنا للقسطل ليس كبلدة أو معركة بل كفكرة.
يروي روبنشتاين قصة شخصية حدثت معه، إذ سأل أحد معارفه الفلسطينيين مرة في القدس " من بين كل أولئك الذين غزوكم - الصليبيين والمماليك والأتراك – من الذي كان الأفضل ومن الذي كان أسوأ؟" ورد عليه الفلسطيني: "أنا لا أعرف من كان أفضل، ولكن كنتم أنتم الأسوأ"، وهذا يعني الصهاينة، ويرد عليه روبنشتاين "كيف ذلك بعد كل شيء أنت حصلت على درجة الماجستير هنا، ويمكنك الحصول على معاش، لديك حياة جيدة." ويرد الفلسطيني "صحيح، ولكن جاء كل الآخرين لاستعبادنا، وأنت جئت لتحل محلنا."
"ويضيف روبنشتاين " قلت مرة لايهود باراك: نحن هنا وهم هنا، ولا شيء سيغير ذلك. إنهم لا يختفون، ولم يختفوا بعد إعلان بلفور، وليس في الثورة العربية [1936-1939]، وليس في عام 1948، وليس في عام 1967، وهم لا يختفون اليوم. ولذلك، فإن من واجبكم أن تكونوا أناسا شرفاء وأن تتوازنوا معهم وهذا ما أؤمن به، خلافا للرسالة الواردة في عنوان الكتاب ".
يقول المقال في هآرتس أن القليل من "الإسرائيليين" يعرفون القدس الشرقية، بما فيهم روبنشتاين، مؤلف الكتاب الذي بلغ الثمانين من عمره منذ شهور، ويتحدث العربية بطلاقة كصبي نشأ في حي "نحالات عاهام" في القدس ليس بعيدا عن سوق محنيه يهودا.
يقول روبنشتاين إن اليهود هناك كانت لغتهم الأم هي العربية، وبجانب الحي الذي نشأ فيه كان يعيش يهود من الحريديم الذين يسمون باللهحة المحلية "سكناج" وهي كما هو واضح مشتقة من الأشكيناز، ويروي عن الاشتباكات بالحجارة التي كان وأترابه يقعون فيها ضد صبيان "السكناج".
يقول حسون أن علاقة روبنشتاين الوثيقة مع الفلسطينيين أتاحت له الوصول إلى معلومات لم تكن متاحة لمعظم الباحثين "الإسرائيليين" وينقل عن الفلسطينيين وجهة نظرهم بأن العامل الأساسي المتداخل مع البحث التاريخي هو غياب المصادر العربية، لايمكنك ببساطة الذهاب إلى قسم الأرشيف في دمشق مثلا والحصول على أرشيف فوزي القاوجي قائد جيش الإنقاذ، لذلك يذهب الجميع للنبش في المصادر الأجنبية، ويقول إنه بفضل تجوله بين العرب حصل على مصادره الخاصة، كتيبات تذكارية عن الشهداء، مواقع، قصص عائلية شفهية، وثائق من المحاكم، وغيرها، كان المجتمع المحلي الفلسطيني منبعا غزيرا للمعلومات التي حصل عليها، من أبناء الأسر والعشائر الذين يستحيل ألا يعرفوا شيئا عن فرد من عائلتهم كان له دور أو فعل ما، وتمكن من استخدام شجرات العائلة للوصول إلى المصادر الشفوية، وتجميع سلسلة الروايات والتفاصيل عن عبد القادر الحسيني وذرية أبناء قرية القسطل، الذين عاشوا جميعا في بلدة العيزرية المتاخمة للقدس.
يقول روبنشتاين أنه تنقل من شخص إلى آخر ليعرف أكثر عن عبد القادر، سليل إحدى أعرق الأسر المقدسية والوطنية الفلسطينية، التي كانت نوعا ما الممثل الحقيقي للأرستقراطية الفلسطينية في تلك الأيام.
كان عبد القادر ابنا لكاظم باشا الحسيني رئيس بلدية القدس والزعيم الشعبي في العشرينيات والثلاثينيات، والذي خدم موظفا كبيرا في عدة أماكن في الإمبراطورية العثمانية من بينها استنبول العاصمة، وكان كاظم باشا أول زعيم فلسطيني يعلن رفض وعد بلفور والتمرد عليه وقاد أول مظاهرة كبرى عام 1920 وتم عزله عن بلدية القدس ثم قاد مظاهرة أخرى يوم 27/ تشرين أول تعرض فيها للضرب بالهراوات فسقط صريع الفراش ليفارق الحياة عام 1934، وكان عم عبد القادر هو الرجل الأكثر شهرة، المفتي أمين الحسيني.
ولد عبد القادر في البلدة القديمة في القدس، عام 1910، ولكن نعلم أن رواية أخرى تقول إنه ولد عام 1907، وعرف بشجاعته وتمرده حتى أنه طرد من أربع مدارس، ولعل هذا بسبب نشأته يتيم الأم، إذ عاش في كنف جدته، ولكنه حصل في النهاية على شهادة الكيمياء من الجامعة الأمريكية في القاهرة وليس من جامعة القاهرة كما يقول حسون نقلا عن روبنشتاين، ونعلم أنه قبلها طرد من الجامعة الأمريكية في بيروت حيث كان يدرس فيها في كلية الآداب والعلوم، بسبب نشاطه الوطني، ولكنه لم يسلم أيضا في القاهرة، إذ وبسبب نشاطه الوطني وتنديده بسياسات الجامعة الاستعمارية، ومطالبته بغلقها، قامت الجامعة بسحب شهادته، فتظاهر المئات من أعضاء رابطة الطلبة التي أسسها هو وكان يقودها، فاضطرت الحكومة المصرية برئاسة اسماعيل صدقي للضغط على الجامعة للتراجع ولكن مع قرار طرد عبد القادر من مصر فعاد إلى بلاده بشهادته وكرامته المصونة.
أسس عبد القادر جيش الجهاد المقدس، وللإعلان عن الجيش قصة تروى، لاأعرف إن كان روبنشتاين تطرق لها في كتابه: كان عبد القادر قد قرر في الخامس والعشرين من آذار عام 1934 دعوة قادة الجماعات الثورية الفلسطينية لاجتماع سري تداولي لتنسيق التحركات،وللتمويه على البريطانيين قام خاله الشيخ محيي الدين بالدعوة إلى وليمة احتفال في داره في عقبة جدبر قرب أريحا احتفالا بتعيين عبد القادر في وظيفته في تسوية الأراضي، وكان ذلك الاجتماع البداية الحقيقية لتأسيس منظمة الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر ورعاية المفتي أمين الحسيني.
يقول روبنشتاين إن تأسيس الجهاد المقدس كان البداية المبكرة للاستعداد لثورة 1936، وفي أيلول/سبتمبر 1938، عقد الثوار اجتماعا كبيرا في قرية دير غسانة بالقرب من رام الله. وحسب الرواية التي ينقلها روبنشتاين حضر الاجتماع أكثر من 1500 شخص يقود كل منهم مئات من الرجال، وكان هؤلاء من المطلوبين على القوائم البريطانية، ولكن رواية فلسطينية توردها ماجدة صبحي في مقالة لها عن القائد عبد السلام صبحي الذي حضر ذلك الاجتماع تقول أن عددهم ناهز الخمسمئة، ولا يوجد أي تقرير عن قصف الاجتماع بالطائرات كما يزعم روبينشتاين .
عموما كان من المقدر أن يجرح عبد القادر في معركة بني نعيم، وهي قصة أخرى جديرة بالروي، حيث أن خلافات دبت بين قادة الفصائل بسبب بعض التجاوزات، فدعا مختار بني نعيم لاجتماع للتداول وأرفقه بمأدبة كبيرة على شرف القادة، وفي رواية أخرى وصلتني أن عبد القادر هو من طلب عقد الاجتماع وطلب من مختار بني نعيم أن يرتبه، عموما، لن نعرف أبدا إن كان ذلك فخا كما تزعم الروايات التي استند عليها روبنشتاين الذي يقول إن المختار كان متحالفا مع آل النشاشيبي وجماعة كتائب السلام الموالية للاحتلال، أو أن الجواسيس تمكنوا من رصد الاجتماع، المهم أن عبد القادر كما نعلم، رفض المغادرة واختار الصمود ومواجهة البريطانيين، وجرح في تلك المعركة العنيفة حيث حاصر الإنكليز البلدة بثلاثة آلاف جندي يقودهم ويفل نفسه فانسحب عبد القادر خارج القرية خشية تدميرها ودارت معركة هائلة حاصر فيها الإنكليز عبد القادر خارج القرية وحاصرهم المجاهد عبد الحليم الجيلاني (الشلف) بدوره، وجرح الحسيني فنقله الشلف، تبعا للرواية التي لدي، على جمل إلى بيت الشيخ عبد الكريم القواسمي الذي نقله سرا إلى المشفى الإنكليزي في الخليل ثم نقله ورجاله سرا إلى سوريا ثم لبنان التي غادرها بجواز سفر مزور ليصل إلى بغداد ويشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الإنكليز، وقضى ثلاث سنوات في الأسر حيث أفرج عنه عام 1943، بتدخل حسب الروايات من الملك عبد العزيز، ذهب بعدها إلى السعودية، ثم القاهرة للتداوي من جراحه الكثيرة عام 1946 قبل عودته للبلاد. وقصص تنقله ينقلها حسون عن روبنشتاين بشكل مشوه وادعاءات باطلة، بزعم تورطه في قتل أحد زعماء عائلة النشاشيبي ولعل المصادر أعوزت روبنشتاين في هذا السياق.
بالعودة إلى كتاب روبنشتاين، يقول أن عبد القادر أعاد تشكيل الجهاد المقدس عام 1947 بعد قرار التقسيم الذي كان طعنة ماضية في قلب الفلسطينيين، ويقول روبنشتاين أن أحد الأولاد الذي كان حاضرا في منزل الحسيني في القاهرة في ذلك الاجتماع كان ياسر عرفات ، كان يلعب مع نجل عبد القادر، فيصل الحسيني .
وعاد الحسيني إلى فلسطين بعد ذلك الاجتماع بثلاثة أسابيع وتمركز في بلدة صوريف جنوب القدس، حيث وضع خططا للتصدي لما يسمى "حرب الاستقلال" التي خططت العصابات الصهيونية لشنها بدءا من يوم جلاء القوات البريطانية عن فلسطين، وقاد عبد القادر معارك عنيفة جدا لتحرير قرى ومستعمرات، والدفاع عن القدس وتدمير القوافل اليهودية التي كانت تحاول الاستيلاء عليها، ليرتسم كقائد عسكري شجاع وفذ، وطني من الطراز الرفيع، قرر المضي قدما في الحرب حتى النصر أو الاستشهاد كما حدث فعلا.
بدأت التراجيديا ربما يوم وصول الحسيني إلى دمشق مطلع آذار في رحلة مشؤومة لمقابلة اللجنة العسكرية العربية وطلب المدد بالسلاح والذخيرة، وهي رحلة وثقت بشكل ممتاز على كل حال، بما فيها من نذالة اللجنة العسكرية ونكوصها عن نصرة شعب فلسطين، وكرامة عبد القادر في مواجهتهم ويأسه منهم.
في تلك الأثناء احتلت كتائب الصاعقة في الهاغاناة قرية القسطل العربية وهي أول قرية يقرر اليهود الاستقرار والثبات فيها بعد احتلالها، وكانوا يريدون استخدامها من أجل عمليات القوافل التي كانوا يحاولون ايصالها لنجدة جماعتهم المحاصرين في القدس الغربية، يقول روبنشتاين: "كان الحسيني أول من فهم أن المعركة ليست نظامية هذه المرة"، كما هي عادة اليهود في صلي القرى العربية بالنار دون التموضع فيها ، وأدرك القائد العسكري أن استيلاء اليهود على القسطل يعني ضربة موجعة لاستراتيجيته في القدس، التي كانت تقوم على تشديد الحصار على الصهاينة في القدس الغربية حتى الاستسلام، وكان استيلاء الصهاينة على القسطل تطورا خطيرا في سير المعارك وفي ظل نقص السلاح والذخيرة في يد الثوار الفلسطينيين، ولعل روبنشتاين كان محقا في استنتاجه بأن الحسيني كان يرى في القسطل المؤشر الحقيقي على نجاة فلسطين أو هلاكها، ويستذكر كيف رفض أعضاء اللجنة العسكرية منحه مدافع كانت مطلوبة بشدة لاخضاع المحاصرين الصهيانة في القدس وإجبارهم على الاستسلام، وكيف أشعر هؤلاء الممثلين العسكريين عبد القادر بأنه ضيف غير مرغوب به في دمشق وهم يحاولون التنصل من واجباتهم ودحر مطالباته لهم بالإيفاء بالتزاماتهم، ويقول روبنشتاين أن الحسيني وشعبه كانا محاصرين بين الروح الفلسطينية والروح العربية، وهذا صحيح على ما أرى: روح فلسطينية وثابة مقاتلة لاتجد سلاحا، وروح عربية تخزن السلاح والذخيرة في مخازنها ولاتريد القتال.
لقد تم كما قلت توثيق النقاشات في اجتماع دمشق، وأظهرت كيف كان القادة العرب مهزومين سلفا لايثقون بقدرتهم ولابقدرة مجاهي فلسطين، وينقل روبنشتاين عن المجتمعين أنهم كانوا يريدون حصة من فلسطين، لايريدون تقديم مساعدة للفلسطينيين بدون ثمن، وقد أردرك عبد القادر ذلك، يريدون ارسال جيش الانقاذ ليأتوا ويحكوما في فلسطين، وينقل عن المندوب العراقي طه الهاشمي قوله "إذا أرسلنا مدفعية لعبد القادر، فإن ما سيحدث هو أن اليهود سوف يتغلبون على المجاهدين ويغتصبون المدافع. . كفى، كفى، (ماكو مدافع.. ماكو مال.. ماكو سلاح ولاذخيرة))." يعيد روبنشتاين نقل تلك الحاورة المتوترة وينقل رسالة الحسيني إلى هؤلاء المتخاذلين "التاريخ سيحكم عليكم لتخليكم عن فلسطين"، ثم يصارح رفاقه بنيته العودة إلى القسطل والقتال هناك حتى النصر أو الشهاد. ويقول "إنني ذاهب إلى القسطل وسأقتحمها وسأحتلها ولو أدى ذلك إلى موتي ، والله لقد سئمت الحياة وأصبح الموت أحب إلي من نفسي من هذه المعاملة التي تعاملنا بها الجامعة ، إنني أصبحت أتمنى الموت قبل أن أرى اليهود يحتلون فلسطين ، إن رجال الجامعة والقيادة يخونون فلسطين "
يسأل روبنشتاين السؤال الذي أجبناعليه في بداية هذا المقال، ونعرف كفلسطينيين تفاصيله ومآلاته، "كيف تجرؤ مجموعة ضعيفة من هذا القبيل أن تحاول التمرد على الإمبراطورية البريطانية ومعها –ضمن سياق الأحداث- العالم العربي؟
لن نعيد تكرار الجواب على الرسالة التي أراد عبد القادر إيصالها بألا تذهب فلسطين بدون قتال حتى لو تخلى العالم كله عنا، ولكن ينقل روبينشتاين ما كتبه الزعيم موسى العلمي "إذا كنا سنجلس بهدوء ونراقب استيلاء الصهاينة على الأرض فهذا يعني الموت البطيء، لذلك قررنا أن نموت بشرف وليس ببطء"
يسرد روبنشتاين وقائع مغادرة الحسيني لدمشق في السادس من نيسان/أبيرل 1948، قبل استشهاده بيومين، وفي تلك المرحلة لمس الحسيني حجم الغدر والخيانة من قبل الأنظمة العربية التي وافق بعضها على قرار التقسيم فيما أرادت أخرى قطعة من الكعكة الفلسطينية، قبلها بثىلاثة أيان كان فوزي القاوقجي قائد ما يسمى بجيش الإنقاذ قد التقى بضابط مخابرات صهيوني من الهاغاناة، وكان الصهاينة يريدون تأكيدا بأن هذا الجيش لن يتدخل لصالح الحسيني في معارك القدس وهو ماحدث فعلا بغض النظر عما قاله روبنشتاين في كتابه ان كان القاوقجي قد وافق أم لا. ولكن رسالة الحسيني للجامعة العربية، الأصلية وغير المشكوك في صحتها تشرح كل شيء " السيد الامين العام لجامعة الدول العربية/ القاهرة : اني احملكم المسؤولية بعد ان تركتم رجالي في اوج انتصاراتهم بدون عون او سلاح/ عبدالقادر الحسيني"
يخطئ روبنشتاين وغيره كثيرا إن ظنوا أن خذلان عبد القادر الحسيني من العرب، ويأسه منهم، قد أصابه باليأس وتمني الموت، لكنه أوقد فيه على الحقيقة شعلة من الكفاح والغضب الثوري، من خيانة العرب، وقاد قافلة رجاله قليلة العدد والعدة إلى القدس، في الوقت الذ كانت الهاغاناة قد تمكنت من الحصول على امدادات كبيرة جدا، مكنتها من رفع الحصار عن الأحياء اليهودية، فجمع الحسيني ما توفر من رجال ليشن الهجوم الأخير على القسطل لتحريرها، وابعد الهجوم الموثق جيدا جدا، والقتال البطولي للمجاهدين العرب، وكان عبد القادر عن انضم إلى رجاله ومعه حارسه الشخصي عوض الترمساوي، ونحن نعلم على وجه اليقين أن عبد القادر اغتيل ولم يستشهد في الاشتباك، وهذه هي القصة التي ينقلها روبنشتاين، وسندقق بها لاحقا، طلب من مساعده الترمساوي أن يذهب لارسال بعض المتفجرات التي كانت معه للمقاتلين الذين حاصروا بيت المختار الذي احتله بعض أفراد الهاغاناة ، وتردد الحارس من ترك القائد وحده غير أنه أصر عليه، وبقي الحسيني مع صبيين كانا برفقة المجاهدين، وفي ضوء تلك الليلة الخافتة رصد اثنين من المقاتلين يقتربان منه وقال لهم بالانكليزية التي كان يجيدها تماما: مرحبا يا أولاد، فردوا عليه التحية بالعربية "مرحبا يا جماعة" لكنهما لم يكونا من رجاله، بل مقاتلين من الهاغاناة يدعى أحدهما مير كارميول والآخر ياكوف سيلمان. وكان استخدام اللغة العربية شائعا في الهاغاناه في ذلك الوقت، ولكن السؤال الذي يطرحه روبينشتاين محق تماما: إذا صدقت هذه الرواية، لماذا خاطلبهما الحسيني بالإنكليزية، هذا يعني أنه عرف أنهما ليسا من مقاتليه، فلماذا لم يبادرهما، تبقى القصة غير واضحة، ولا إجابة عنها، هل اعتقد انهما من الفلسطينيين العرب الفارين من الجيش البريطاني وانضموا إليه، يبقى هذا غير مبرر، هل اعتقد هذا وخاطبهما بالانكليزية حذرا من أن يكون مخطئا؟ يبدو هذا مقبولا لي لو صدقت القصة، كان ياكوف سليمان أدرك أن الحسيني والصبيين من العرب فأرسل عليهم كارميول نيران رشاشه وفر الاثنان ما جعل من الصعب معرفة الذي حدث مباشرة، ونتيجة لذلك، مرت عدة ساعات أخرى قبل أن يدرك كلا الجانبين، اليهود والعرب، من هو الضابط الذي أطلق عليه الرصاص. عندما اكتشف المجاهدون غياب قائدهم، نظموا عملية " فزعة" ضخمة، تشمل منطقة القدس كلها. وهاجم الآلاف تلة القسطل واستولوا عليها، وكان هؤلاء فلاحين غير منظمين استدعوا على عجل لأجل فزعة البحث عن القائد ثم عادوا إلى قراهم على الفور.
يصبح الحديث عن أن جنازة عبد القادر تسببت في انسحاب المجاهدين من ثغورهم للمشاركة فيها نوعا من الهراء المقصود به تشويه كفاح الفلسطينيين، ورميهم بعدم المسؤولية فقد بلغ عديد قوات عبد القادر بأفضل التخمينات في تلك الأيام ما لايزيد عن ألف مقاتل سيئي التسليح أصلا، بينما كانت البالماح لوحدها تعد خمسة آلاف مقاتل، وهكذا تمت مجزة دير ياسين على يد اليهود المنتشين باغتيال عبد القادر، الفرحين بأن الفلسطينيين قد تم هزمهم ولامانع من بعض التسلية الآن.
كيف استشهد عبد القادر فعلا؟
هناك العديد من الروايات، سألخصها هنا نقلا عن مصادر متعددة، ويمكن القول بوجود ثلاث روايات، انكليزية وصهيونية وعربية. تتلخص الرواية البريطانية بسطر واحد استخلص من الأرشيف البريطاني يفيد بأن عبد القادر الحسيني لم يقتل في المعركة بل قتل عن قرب.
الرواية الصهيونية مطابقة تقريبا للرواية البريطانية مع تفصيل صغير وقد نقلها المؤرخ الصهيوني أوري ميلشتاين ويقول أن عبد القادر أغتيل فوق تلة قرب القسطل برصاصة في الرأس. أما الرواية الفلسطينية فتتفق على مبدأ الاغتيال ولكنها تتنوع كثيرا استنادا إلى الرواة والشهود الذين حضروا المعركة أو ساهموا في عمليات البحث.
وأود هنا إلى التركيز على رواية المجاهد الفلسطيني عبد الله البياع، كما نقلها ناصر دمج في كتابه "معضلات استراتيجية"، تقول الرواية أن جلوب باشا قائد الجيش العربي في حينه "جيش شرق الأردن" وهو ضابط بريطاني كما هو معروف، حاول التفاوض مع قادة االجهاد لنزع السلاح والتحول إلى حزب سياسي، وقد تم ذلك التفاوض في ظل التمهيد البريطاني لتعظيم القوة الصهيونية في فلسطين تمهيدا لتسليمها للصهاينة ولكن عبد القادر وقادة الجاد رفضووا العرض ومنهم كامل عريقات وحسن سلامة وإبراهيم أبو دية ورشيد عريقات وعبد الحليم الجيلاني وبهجت أبو غربية وخليل منون وفوزي القطب وقاسم الريماوي وآخرون، ما دفع بريطانيا لاتخاذ قرار بحل المشكلة عن طريق اغتيالهم مستخدمة أسلوب الاخترق.
وهنا في استكمال هذه الرواية، يمكن أن نربط القصص ببعضها، ونجيب عن سؤال لماذا تحدث عبد القادر الإنجليزية عندما شاهد المقاتلان الغريبان. تقول الرواية أن جنديين بريطانيين انضما مطلع 1948 للمجاهدين بحجة إيمانهما بحق اشلعب الفلسطيني وتمكنا من التقرب من عبد القادر الذي أراد استغلال معرفتهما الاستخبارية لليهود والإنجليز.
ولعل عبد القادر ظن المقاتلين الغريبين هما هذان الجنديان فخاطبهما بالإنكليزية ولكن باقي القصة لاتتفق مع احتمال الاغتيال، خصوصا أن جثمان عبد القادر وجد في بيت مبني جزئيا من الحجر على أطراف القسطل، ولم يعثر أبدا على جثماني مرافقيه الغريبين، الذين تقول الرواية أنهما على العكس مما قاله روبنشتاين لم يكونا مجرد مراهقين بل كانا ذينك الجنديين البريطانيين الذين ادعيا (على الأغلب) الانضمام للجهاد.
وجاء التصريح البريطاني من أرشيفهم بعد 64 عاما ليتحدث عن اغتيال عبد القادر فيما يبدو أنه طرف خيط المؤامرة البريطانية، فهل قتل عبد القادر برصاص الهاغاناة، التي صارت تبدو ضعيفة، أم برصاص "مستعربين" بريطانيين، كانوا جزءا من خطة الفتك بقادة الجهاد؟

