وجّه الأسير الفلسطيني وليد دقة، المحكوم بالمُؤبّد في سجون الاحتلال، رسالةً إلى أبناء الشعب الفلسطيني، تناول فيها شكل ومضمون التعاطي الشعبي والرسمي مع قضايا الثوابت الفلسطينية، في مقدّمتها قضيتا القدس والأسرى، خاصة الأطفال منهم، داعيًا في ختام رسالته إلى عدّة خطوات عمليّة لتفعيل هذه القضايا وإبرازها.
والأسير دقّة هو من بلدة باقة الغربية بالداخل الفلسطيني المحتل، وحكم عليه الاحتلال بالسجن المؤبد مدى الحياة بعد إدانته ورفاقه: إبراهيم ورشدي أبو مخ وإبراهيم بيادسة، بالعضوية في الخلية التي نفّذت عملية خطف وقتل جندي صهيوني بالعام 1984.
وفيما يلي نص الرسالة:
اسمحوا لي في البداية وقبل أن أتحدث عن الأسرى، أن أتحدث بضع جُمل عن قضية القضايا، عن القضية التي ناضل من أجلها الأسرى، عن القدس، سيّما في هذه الأيام، بعد الاعتراف الأمريكي المشؤوم، فإذا كان الوطن مسجوناً و غزة محاصرة، فإن القدس تُمثل في هذا السياق "الأسير قسم العزل"، وهو المعزول في لغة السجون، ففي السجون المعزول هو الأكثر استهدافاً، حيث تستهدف حالته المعنوية وتوازنه العقلي والنفسي بهدف إخراجه من معادلة النضال.
القدس كما هم أهلها ليست بحاجة إلى خطابات وشعارات، وليست بحاجة إلى أن نُطلق على صمود أهلها تسميات وأوصاف كما أطلقنا على الأسرى عندما غاب الفعل، وتضخمت اللغة وأسميناهم "جنرالات الصبر، وعمداء وعقداء الأسر" وغيرها من التسميات التي جاءت لغة متورمة على حساب الفعل، فلم يقربهم ذلك من حريتهم شيئاً، تماماً كما لم تقرب اللغة المتورمة القدس من التحرير، والسؤال: ما الذي يمكن أن تفعله القيادة والحكومة الفلسطينية بشكل عيني حسي مباشر من أجل تعزيز صمود أهل القدس؟ وما هو الرد العملي لا اللفظي على الاعتراف الأمريكي المشؤوم؟.
نحن ندعو الحكومة الفلسطينية لزيادة بنود الميزانية المخصصة للتربية والتعليم، والشباب والتجارة في القدس، وندعو الجامعات الفلسطينية لأن تخصص منح دراسية أو زيادتها إن وُجدت حتى يكون الردّ عمليًا وواضحًا يُعزّز صمود المقدسيين.
قد يقول قائلٌ "الوطن كله مستهدف فلماذا القدس؟" وأنا هنا سآخذ مقاربة الأسرى مرة أخرى، فعندما يُعزَلُ أسيرٌ يَترك الأسرى كل معاناتهم جانباً، ويُركّزون في نضالهم على هذا الجزء لإنهاء عزله. لذا علينا ألّا نترك القدس معزولة دون أن نأخذ خطوات عملية لفك عزلها.
أما الموضوع الثاني الذي أرغب في تناوله هو موضوع الأسرى الأشبال والزهرات، فهذا الموضوع يحتاج منا اهتماماً أكثر، فالاعتقال يُشكّل لهم حالة صدمة نفسية وعاطفية، لا يكفي أن نفضح ممارسات الاحتلال، بل هناك حاجة لمتابعتهم نفسياً واجتماعياً بعد الاعتقال بشكل مكثف، فهناك عودة إلى السجن بفعل الصدمة مرة ومرتين وثلاثة، بعضهم أصبح بالغاً ومعتقل للمرة الخامسة بل السابعة في بعض الحالات.
هنا أريد أن أطرح بعض القضايا على شكل تساؤلات:
1- هل حاولنا أن نوفر لهم داخل السجن مرشدين اجتماعيين ونفسيين متخصصين؟ وعلى فرض أن سلطات الاحتلال ترفض ذلك، هل توجّهنا بهذا الطلب للمجتمعات وللمؤسسات الدولية أو حتى قدمنا التماسات في المحاكم بما فيها محاكم الاحتلال؟
2- كم بحث أُجريَ في كليات الحقوق وعلم الاجتماع وعلم النفس يتناول الأسرى الأشبال والزهرات أو أبناء الأسرى؟ هل خصصت الجامعات منح لرسائل الماجستير أو وجهت الطلاب لأجواء أبحاث متقدمة في هذا المجال؟
لا يمكننا أن نواجه هذه القضية دون أبحاث أو دراسات علمية ومعطيات دقيقة، فهؤلاء الأطفال ومستقبل الشعب الفلسطيني، وإسرائيل تحاول قتل هذا المستقبل.
3- هل يهتمّ كتابنا لاسيما المتخصصين بأدب الأطفال بهذه الفئة؟ التي أصبحت شريحة واسعة، إذا ما أخذنا بالحسبان أبناء الأسرى المتضررين نفسياً واجتماعياً من الاعتقال بشكل غير مباشر، وكم مسؤول فلسطيني اصطحب هؤلاء الأطفال معه إلى المؤتمرات ليتحدثوا عن تجربتهم الاعتقالية؟ وكم من دعوةٍ وُجّهت من الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات لسماع شهادات الأسرى الأطفال مباشرةً دون رتوش؟.

