قالت صحيفة نيويورك تايمز في تحقيق مطول نشر اليوم أن الكيان الصهيوني شن عشرات الغارات الجوية داخل الأراضي المصرية باتفاق غير معلن بين الطرفين بحجة قصف أهداف لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
وقالت الصحيفة نقلا عن تأكيدات سبعة مسؤولين أمريكيين وبريطانيين هوياتهم سرية، أن الغارات بدأت منذ 2015 بعد سقوط الطائرة الروسية بفعل انفجار بعد إقلاعها بقليل من مطار شرم الشيخ المصري في شبه جزيرة سيناء. فيما رفض المتحدثان العسكريان الصهيوني والمصري التعليق على تقرير الصحيفة.
وزعمت الصحيفة في تقرير كتبه الصحفي ديفيد كيرك باتريك، ويعتمد في أجزاء منه على مقتطفات من كتابه الجديد عن الشرق الأوسط "في أيدي الجنود: الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط" أن التدخل الصهيوني جاء بسبب كون مصر غير قادرة على وقف هجمات التنظيم الإرهابي، ولأن الكيان الصهيوني أصيب بالهلع لخشيته من تسرب عناصر ذلك التنظيم إلى فلسطين المحتلة.
وعلى عكس الشائع سابقاـ، لم تكن الطائرات المسيرة وحدها من قام بشن الغارات الصهيونية، بل أيضا إضافة إليها كان هناك غارات نفذت بواسطة المقاتلات النفاثة والمروحيات، التي نفذت أكثر من 100 غارة خلال العامين الأخيرين ، وبموافقة مباشرة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وتقول الصحيفة أن هذه الغارات تعكس تطورا ملحوظا في العلاقات بين الجانبين المصري والصهيوني، حيث تحولا إلى حليفين مقربين.
وتزعم الصحيفة الأمريكية أن التدخل الصهيوني ساعد القاهرة في "استعادة موطئ قدمها" في الحرب الدائرة في شبه الجزيرة، بينما استفاد الكيان الصهيوني في تعزيز أمنه واستقرار جارته.
وقالت الصحيفة إن وجود أعداء مشتركين مثل داعش و إيران والإسلام السياسي على حد قولها، قد جلب القادة العرب إلى مواءمة مصالحهم مع المصالح الصهيونية، بشكل متزايد، رغم الحرب الإعلامية المزيفة التي يشنها هؤلاء علنا.
وقالت الصحيفة نقلا عن مسؤولين أمريكيين أن الحملة الجوية الصهيونية لعبت دورا حاسما في تمكين القوات المسلحة المصرية من الحصول على اليد العليا ضد المسلحين. لكن الدور الصهيوني يتسبب في بعض العواقب غير المتوقعة بالنسبة للمنطقة، بما في ذلك مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، وذلك جزئيا من خلال إقناع كبار المسؤولين الإسرائيليين بأن مصر الآن تعتمد عليهم حتى للسيطرة على أراضيها. وجاء الحديث عن هذه الغارات "السرية" عبر سبعة مسؤولين بريطانيين وأمريكيين سابقين وأمريكيين متورطين في سياسة الشرق الأوسط الهجمات الإسرائيلية داخل مصر، وكلهم يتحدثون بشرط عدم الكشف عن الهوية بسبب سرية المعلومات.
وقالت الصحيفة إن الجانبين سعيا إلى إبقاء الغارات سرية خوفا من رد الفعل الشعبي المصري، ولكن الصحيفة الأمريكية جانبها الصواب تماما حين زعمت أن المسؤولون الحكوميين ووسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة تصف إسرائيل بالعدو وتواصل التعهد بالإخلاص للقضية الفلسطينية.
ولمحت الصحيفة الأمريكية إلى أن التعتيم الصهيوني على الغارات يجعل من الصعب التأكد أن التدخل اقتصر عليها أم أن هناك قوات خاصة صهيونية على الأراضي المصرية وأكثر من ذلك قوات أمريكية خاصة في البر المصري الرئيسي.
وتقول الصحيفة إن القادة العسكريين المصريين مقربين من زملائهم المصريين منذ اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، وحاليا ساعدت قوات الأمن المصرية الكيان الصهيوني في فرض الحصار على قطاع غزة، والذي تستخدم له الصحيفة الأمريكية وصفا مخففا (الحد من تدفق البضائع) .
وتقول الصحيفة أن الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، وترحيب الكيان الصهيوني وحثه الولايات المتحدة على الترحيب بالنظام الجديد ساهم في العلاقة الدافئة بين الجانبين، .
وتلمح الصحيفة أن موجة الغارات الصهيونية بدأت بعد أسابيع من تولي الرئيس السيسي للحكم، حيث أن الانفجارات الغامضة شمال سيناء، في آب /أغسطس 2013، كان مصدرها الطائرات المسيرة الصهيونية وقتل فيها ما زعم حينها بأنه خمسة مسلحين، قبل عامين من تفجير الطائرة الروسية، بعد تحذير مصري بأن هجوما وشيكا سيقع على مطار إيلات، بينما نفى المتحدث العسكري المصير صحة المعلومات.
وقال حينها "إن مزاعم التنسيق بين الجانبين المصري والإسرائيلي في هذه المسألة تفتقر تماما إلى الحقيقة وتتناقض مع المنطق والمنطق". وعلى الرغم من أن الرقابة العسكرية الصهيونية منعت وسائل الإعلام الإخبارية هناك من الإبلاغ عن الغارات، إلا أن بعض وسائل الإعلام قد تحايلت على الرقابة مستشهدة بتقرير بلومبرج نيوز لعام 2016، حيث قال مسؤول صهيوني سابق لم يذكر اسمه إن هناك ضربات جوية من دون طيار داخل مصر. بعد أن بدأت الغارات الجوية الصهيونية ، تزعم الصحيفة أن المسلحين تراجعوا وبدأوا بضرب أهداف تعتبر لينة، كالمساجد، وتتحدث المصادر الصهيونية عن هذه الغارات بنفس لغة الحديث عن السلاح النووي مستخدمة عبارة "وفقا لمصادر أجنبية"، وهي عبارة الإنكار الرمادي، أما داخل الحكومة الأمريكية، فإن الضربات معروفة على نطاق واسع بما فيه الكفاية أن الدبلوماسيين ومسؤولي الاستخبارات ناقشوها في جلسات إحاطة مغلقة مع المشرعين في الكونغرس، وفي مقابلة هاتفية، رفض السناتور بنيامين كاردين من ميريلاند، وهو من الحزب الديمقراطي ومسؤول رفيع المستوى في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، مناقشة تفاصيل وقال إن "إسرائيل لا تريد أن تدخل الأشياء السيئة التي تحدث في سيناء المصرية إلى إسرائيل" مضيفا إن الجهود المصرية الرامية إلى " إخفاء دور إسرائيل عن مواطنيها "ليست ظاهرة جديدة".
وقالت الصحيفة أن بعض أنصار إسرائيل يشكون من أنه نظرا لاعتماد مصر على الجيش الصهيوني، فإن المسؤولين المصريين والدبلوماسيين ووسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة يجب أن تتوقف علنا عن إدانة الدولة اليهودية، وخاصة في المنتديات الدولية مثل الأمم المتحدة. وأضافت أنه في القمة السرية التي عقدها جون كيري مع بنيامين نتنياهو والملك عبد الله، و الرئيس السيسي، في شباط 2016، عرض الملك الأردني والرئيس المصري أن يضمن بلداهما أمن "إسرائيل" مقابل صفقة سلام مع الفلسطينيين، غير أن نتنياهو علق بأن جيشه يدعم فعليا الجيش المصري ولكن إذا لم تتمكن مصر من السيطرة على الأرض داخل حدودها، فهي ليست في وضع يسمح لها بضمان أمن "إسرائيل".

