يوم الثالث من تموز/يوليو عام 1982 في الأسابيع الأولى لحصار بيروت، التقى الصحفي الصهيوني أوري أفنيري المحرر الرئيسي حينها في مجلة هاعولام هازي (هذا العالم) بزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في قلب بيروت الغربية، في ما قيل أنه المقابلة الأولى من نوعها.
المهم في هذا اللقاء، الذي لم يشكل أي نوع من اختراق سياسي أو دبلوماسي، أن الصحفي الصهيوني، مراسل العمليات السرية رونين بيرغمان قد أصدر كتابا مؤخرا، يتحدث فيه عن المطاردة الكبيرة من قبل الموساد وغيرها من الأجهزة لعرفات وأوامر قتله التي صدرت في أكثرها جدية وخطورة عن وزير الحرب آنذاك أريل شارون الذي كان يكن كراهية شخصية لعرفات، وفي ذلك الكتاب يزعم رونين أن الموساد وضع أفنيري تحت المراقبة ليصل إلى عرفات ويقصف المكان بغض النظر عن مقتل أفنيري. في مقال نشره في هآرتس، يتحدث أوري أفنيري عن هذا اللقاء ومادار فيه وظروفه، ملقيا ظلالا من الشك على الرواية التي يدرجها بيرغمان في كتابه.
في مقالته يقول ل أفنيري أن سبب نجاته هو احتياطات عرفات وأنه ممتن لحذر الزعيم الفلسطيني آنذاك وهو ما أبقاه حيا. ويروي أفنيري رحلته إلى لقاء عرفات، حيث أثناء حصار بيروت الغربية، وحسب بيرغمان فإن الموساد علمت بالاجتماع المزمع بين أفنيري وعرفات وتم تجنيد أفنيري بدون أن يعمل كدليل تتبع للوصل إلى عرفات، واعتبر شارون حينها مقتل أفنيري المحتمل ثمنا صغيرا يمكن دفعه مقابل الصيد الكبير. ويروي أفنيري القصة من وجهة نظره كما عاشها، حيث يقول أنه عند اندلاع الحرب أراد رؤية الجبهة بنفسه كما فعل في حرب أكتوبر، وتمكن من الوصل إلى صيدا بسيارته الخاصة رغم إغلاق الحدود.
ويقول أنه تلقى دعوة رسمية، بعد اختلال الجيش الصهيوني لبيروت الشرقية، حيث أن وحدة المتحدث العسكري مركزا في جنوب بيروت، ودعت الصحافيين لزيارات منظمة، وتم دعوته كمحرر من مجلة هاعولام هازي، وانضم إليه المصور أنات ساراغوستي والمراسل ساريت يشاي. يقول أفنيري أن فكرة اللقاء مع عرفات جاءت من مراسل ألماني طلب منه أفنيري أرقام سياسيين لبنانيين للتواصل معهم فسأله الصحفي الألماني: لماذا لا تلتقون مع ياسر عرفات؟
وتم إبلاغ أفنيري أنه مازال ممكنا إجراء مكالمات هاتفية بين قسمي بيروت لأن فرع شركة الهاتف الرئيسي كان في الجزء الغربي من المدينة تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية. وحصل أفنيري على عدة أرقام هواتف لمكاتب ياسر عرفات، فسارع إلى الفندق واتصل ليرد عليه صوت عربي، "إنني أوري أفنيري من تل أبيب، وأود أن ألتقي مع الرئيس" فرد عليه "سأتصل بك في المساء".
ليلا رن الهاتف، يقول أفنيري، وسأله الصوت المألوف " "هل تريد التحدث باللغة العبرية أو الإنجليزية؟" وذلك كان صوت عماد شقور من بلدة سخنين العربية المحتلة، وكان عماد قد عمل ذات مرة في هاعولام هازي، ثم اختفى فجأة، و كانت الشائعات تقول إنه انتقل إلى لبنان. تبين انه أصبح مستشار عرفات في الشؤون "الإسرائيلية". وقال "كن عند نقطة تفتيش المتحف الساعة العاشرة، غدا بالضبط". و أضاف "رجل يدعى أحمد ينتظرك هناك".
وقال انه تم مرافقته من قبل زميليه في المجلة وطاقم صحفي ألماني تلفزيوني، وكان يوم هدوء في القتال مع ازدحام مروري، مرورا بحواجز الجيش الصهيوني والجيش اللبناني و قوات الكتائب ثم ساترا كبيرا من الرمال يتحصن فوقه مقاتلون من منظمة التحرير الفلسطيني، أما "أحمد" الذي كان بانتظار أفنيري فلم يكن سوى أحد معارفه القدامى: عصام السرطاوي بنفسه حيث ثلاثة من الفريق فقط ركبوا سيارة المرسيدس التي أرسلها عرفات والتي ذهبت بهم في طرق متعرجة غريبة، ويقول أن استخلاصات بيرغمان غريبة بعض الشيء، لأنه هو نفسه، أفنيري لم يكن يعرف شيئا عن موعد الاجتماع قبل 24 ساعة، وكذلك لم يعقد الاجتماع في أي مقر رسمي لمنظمة التحرير، ولكن في منزل عائلة شقور، حيث استمر الاجتماع ساعتين، ودار حول إمكانية السلام وتلك حسب أفنيري أول مرة يلتقي فيها عرفات برجل إسرائيلي، وكان تاريخ 3 تموز/ يوليو، 1982. وقال أفنيري أنه سجل اللقاء كاملا وسمح للطاقم الألماني بتصوير آخر عشر دقائق، وبعد الاجتماع، تجولوا في بيروت الغربية. وبناء على طلب ساريت يشاي، وبإذن من عرفات، التقى الفريق بالأسرى الصهاينة ، وعندما وصلوا إلى الحدود أذاع راديو "إسرائيل" أن مكتب عرفات اصدر إعلانا رسميا عن الاجتماع. وبناء على قانون سابق كان يتوقع اعتقاله بسبب الاجتماع "بالعدو" ولم يحدث ذلك (على الرغم من أن الحكومة قررت في وقت لاحق توجيه تعليمات إلى النائب العام لبحث ما إذا كان يمكن توجيه اتهام لأفنيري). لكن المدعي العام آنذاك يتسحاق زمير خلص إلى أنه لم يخل بأي قانون. في ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يمنع الصهاينة من لقاء مع أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية، كما أن القانون الذي يمنع الدخول إلى دولة معادية لا ينطبق عليهم.
يشكك أيضا أفنيري في رواية بيرغمان حول تمكن الصهاينة من تصوير عرفات، ووضعه في مهداف القنص، ويقول أفنيري أنه حاول جاهدا إلقاء نظرة على عرفات وهو يصعد السفينة ولكنه كان محاطا برجاله الذين منعوا تماما رؤيته من الغير، ويضيف " لا أعتقد أن الموساد تمكن من تصويره".

