Menu

تحليلعلى هامش الأزمة الصهيونية – البولندية: اليهود كانوا في قمة الحزب النازي

بوابة الهدف/ أحمد.م.جابر

أثارت تصريحات رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي حول مشاركة يهود في جريمة "الهولوكوست" عاصفة من الانتقادات اللاذعة من الأوساط الصهيونية، خصوصا من نتنياهو ووزرائه وكذلك الرئيس الصهيوني والحاخامات ووسائل الإعلام.

وقد يكون مورافيتسكي هو أول سياسي أوروبي يتجرأ على دخول عش الدبابير هذا، ويشير إلى حقيقة المساهمة اليهودية في المحرقة، وإن لم يصل إلى الحقيقة الكاملة، حيث من الثابت أن المساهمة في المحرقة لم تقتصر على "اليهود النازيين" بل أيضًا على الحركة الصهيونية عبر اتفاقات سرية مع الحكم النازي.

وجاء الصراع الأخير المحتدم بين الجانبين بعد إقرار قانون بولندي يفرض غرامات وعقوبات تشمل السجن ضد أي شخص يزعم أن بولندا كانت متواطئة في تنفيذ "الحل النهائي" ضد اليهود الذي زعموا أن النظام النازي نفذه، وقالت وارسو إن بولندا كانت محتلة، وتقودها حكومة عميلة من عدد قليل من الأفراد وإن دولة الاحتلال أي ألمانيا هي التي تتحمل المسؤولية.

ورغم الاحتجاجات الصهيونية الصاخبة عاد مورافيتسكي للدفاع عن القانون في مؤتمر ميونخ مما أشعل الجدال من جديد، ورفض الزعيم البولندي الادعاءات بأن القانون يتجاهل المتعاونين البولنديين مع النازية ولكنه وصفهم بأنهم أفراد لا يمثلون الشعب البولندي. بينما زعم نتنياهو إن تشبيه مشاركة يهود بمشاركة البولنديين أمر خاطئ.

وقد حظي موضوع العلاقات الصهيونية النازية بكثير من البحث والتنقيب الذي حاولت الحركة الصهيونية طمسه بكل الوسائل ولكن حقائق التاريخ لا يمكن أن تغيب، وهو ما سنعرضه باختصار وتكثيف في القسم الثاني.

 لكن ربما  من المفيد وغير المخالف لمنطق التحليل، توقع أن وجود يهود في قمة الحزب النازي ساعد على التوصل إلى تلك الاتفاقيات ودفع بها، لمصلحة الجانبين: اليهود النازيون والصهاينة. ولكني أرى أن هذا ليس ضروريًا فما دفع تلك الاتفاقيات كان المصالح التي حكمت كلا الطرفين وليس التقارب الشخصي في النهاية، ووجود يهود نازيين قد يكون شكل معضلة ما للحركة الصهيونية لأنه وللغرابة، دليل وإن سلبي على إمكانية الاندماج وهو طبعًا ما حاربته الحركة بكل قوتها. ولكن لنتوقف هنا ونلاحظ: وقد يستغرب المرء من هذا "يهود نازيون"؟

نعم كانوا يهودا ونازيين أيضًا:

قد يبدو العنوان غريبًا، لكن بعيدًا عن الحركة الصهيونية، كانت حنا أرندت في كتابها (أيخمان في القدس ) قد أكدت أنه كان بين أعضاء الحزب النازي عدد كبير من اليهود ولا يمكن إنكار الأصل اليهودي لهيدريش و إرهارد ميلخ وهانز فرانك.

فبالنسبة لهيدرش، على سبيل المثال حاول الصهاينة والنازيين إنكار أصله اليهودي كل من زاويته، حيث اعتبرها اليهود إهانة لهم أن يكون مثل هذا الرجل يهوديا، بينما رفض النازيون فكرة أن يكون يهودي قد وصل إلى هذا المنصب الرفيع في الحزب النازي.

وتعتبر قصة حياته نموذجا لليهودي الإنكاري إذ قضى حياته في ملاحقة اليهود وإثبات نقاء عرقه النازي، وتشير بعض الدراسات إلى أن هتلر نفسه كان يعي تماما يهودية هيدريش وكان يراقب عمله الدؤوب لإثبات نفسه في السياق النازي.

أما ميلش فمعترف به كواحد من اليهود القلائل الذين ارتقوا إلى قمة الحزب النازي وكان مسؤولا عن تطوير سلاح الطيران، بينما كان هانز فرانك هو –للمصادفة- اليهودي المتكثلك الذي أصبح الحاكم الاحتلالي لبولندا بعد أن اجتاحتها الجيوش النازية.

من جهته عثر الباحث في جامعة كامبريدج برايان ريغ على أصول يهودية لأكثر من 1200 من جنود هتلر، واثنين من المستشارين الميدانيين وخمسة عشر جنرالا (2 فيلد ماريشال، و8 جنرالات، وخمسة قادة ميجور جنرال) وهو إضافة إلى الأسماء التي ذكرتها آرندت أضاف أسماء ويلهلم كيتل، والتر فون براوشيتسش، و ماكسيميليان فون فيتش. لم يكن ويلهلم كيتل مؤيدا لاجتياح بولندا ولكنه  كان فيلد ماريشال وصف بأنه كان دمية بيد هتلر، وهو مثل ألمانيا في مراسيم توقيع استسلام فرنسا، ومن ثم مثلها أيضا في مراسيم استسلامها وأعدم في النهاية.

النازية والصهيونية:

كتبت الكثير من المؤلفات عن استغلال الحركة الصهيونية للجرائم النازية ولكن ضمن توظيف محدد مبني على مرتكزين: إن هذه الجرائم لا نظير لها من جهة وإنها "لا نظير لها" لأنها استهدفت اليهود تحديدا. وقد تحول ذلك  الاستغلال إلى استثمار ناجح كما بين نورمان فنكلشتين بالتفصيل في كتابه عن صناعة الهولوكوست ما لا داعي لتفصيله هنا.

ولا شك أن أساس العلاقة كان المصلحة المشتركة التي سوغتها الجذور المشتركة للايدلوجية الفاشية التي يعتنقها الطرفان، وبالتأكيد كان قادة الحركة الصهيونية شديدي الإعجاب بالتجربة الألمانية، وقد نقل عن ناحوم غولدمان قوله «ثمة هوية أساسية لدى الألمان واليهود هي مواجهة المصير المشترك كمهمة إلهية».

وهكذا ارتبطت أهداف الطرفين، رغبة النازية بالتخلص من اليهود، ورغبة الصهيونية بترحيل اليهود إلى فلسطين، فعملت الحركة الصهيونية بمثابرة على تهجير اليهود الألمان وحاربت بشدة اندماجهم وقد حصل هذا النشاط على تأييد هتلر شخصياً الذي عبر عن ذلك بقوله «لقد كانوا هم الصهاينة الذين أعلنوا تنظيف ألمانيا من يهودها».

في كتاب بعنوان un juif libre صادر عام 1976 قام ميشال  راشلين بمقارنة مقتطفات من كتاب كفاحي لهتلر مع بعض مقاطع التوراة، وخلص الكاتب إلى مطابقتهما، وقام بيير غاريبالدي عام 1988 ليثبت هذه المطابقة، «شئنا أم أبينا، النصوص هنا واضحة تماما، إن قانون موسى هو قانون عرقي، بل انه –علينا ألا نتردد بالقول- القانون الكلاسيكي الأكبر من هذا النوع، النص الأقدم والأكثر عنفا، الذي يبشر بعرقية ايدلوجية، تبدأ من المقاربات الأولى وحتى أقصى حدودها، صحيح أن البشر لم ينظروا للتوراة ليقتلوا، ولكن ما من نص جعل المذابح فرضا دينيا بسبب عدم نقاء عرق آخر، فاليهودية هي حقا العنصرية ذات الحق الإلهي»

في السياق ذاته ألا يكون غريبا أن يلاحظ حاييم كوهين الذي كان قاضيا في المحكمة العليا الإسرائيلية أن سخرية القدر قد أرادت أن تكون الطروحات العرقية البيولوجية التي يتبناها النازيون، وراء قوانين نورنبرغ هي نفسها التي يبنى عليها تحديد صفة اليهودية في دولة إسرائيل ولكن الغرابة ستزول عندما نعلم أن المنظر العرقي جوليوس سترايشر عندا سئل في محكمة نورنبرغ عما إذا كان قد شارك في وضع القوانين التي وضعت في مؤتمر الحزب النازي عام 1935 أجاب «نعم، بمعنى أنني كنت أكتب منذ سنوات مطالبا بمنع اختلاط العرق اليهودي بالدم النازي، وقلت أن علينا أن نأخذ العرق اليهودي أو الشعب اليهودي نموذجاً فالقوانين اليهودية هي التي اتخذت نموذجاً لقوانين نورنبرغ، انه أصل اليهودية التي استطاعت بفضل قوانينها أن تستمر طوال قرون في حين انقرضت جميع الأعراق والحضارات الأخرى».

لقد نظرت النازية إلى اليهود المندمجين كأعداء لها، ونظرت في المقابل إلى اليهود الصهاينة كحلفاء ممكنين، ألم يكن الألمان التقدميون والشيوعيون المؤيدون للاندماج أعداء للحركة الصهيونية والنازية على حد سواء؟ ألم يكن النازيون المستعدون لإجبار اليهود على الرحيل بل وتصفية المندمجين هم أصدقاء الحركة الصهيونية؟

وقد كتب روبرت ويلتش رئيس تحرير المجلة اليهودية (جودش راندشو) في افتتاحية 4 نيسان 1933 «لقد قدمت النازية فرصة تاريخية لتكيد الهوية اليهودية واستعادة الاحترام الذي فقده اليهود بالاندماج، إنهم مدينون لهتلر والنازية» أليس هذا هو الوجه المقابل لما قاله هتلر آنفاً؟.

وبدون الخوض في تفاصيل الاجتماعات والاتفاقيات السرية وخصوصا اتفاقية "الهافارا"، نختتم هذا التكثيف الشديد بذكر ما نشرته في 26 أيلول دار شواراز كوربس وهي جريدة الأجهزة السرية إن «الاعتراف بالمجموعة اليهودية كجماعة عرقية تقوم على الدم لا على الدين تقود الحكومة الألمانية إلى ضمان الوحدة العرقية لهذه الجماعة، وتجد الحكومة نفسها على اتفاق تام مع الحركة الكبيرة لهذه الجماعة التي تسمى الصهيونية والتي تعترف بتضامن جميع يهود العالم ورفضها لأي مفهوم اندماج، وعلى هذا الأساس تتخذ ألمانيا المبادرة إلى تدابير ستلعب بكل تأكيد دوراً ذا دلالة في حل المسألة اليهودية في العالم».

ونجد ردود فعل الصهاينة الألمان أكثر حماساً فقد نشرت جريدتهم (جودش راندشو) في 17 أيلول افتتاحية حماسية «إن ألمانيا تستجيب لمطالب المؤتمر الصهيوني العالمي إذ تعلن أن اليهود المقيمين في ألمانيا حاليا هم أقلية قومية» وقد أيدت مجلة اليهود الأرثوذكس الموقف ذاته وعبرت عن تأييدها المطلق لمنع الزيجات المختلطة في 19 أيلول 1935، وبعد شهرين كتب هيريتش رئيس الأجهزة السرية بفرعيها sos  وغستابو في صحيفة داز شواراز كوربس الخاصة بالأجهزة يقول «يدعو الصهاينة إلى مفهوم عرقي تماما ويساعدون عبر الهجرة على بناء دولتهم اليهودية الخاصة، إن تمنياتنا الخاصة والرسمية معهم»، كذلك عبر ألفرد روزنبرغ المنظر العرقي عن دعمه الكامل للصهيونية في حوار مع صحيفة l'echo de paris عدد 30 أيار 1935.

هانرل ريدنثال رئيس اتحاد الصهاينة الألمان كتب «كان الغستابو يعمل كل ما في وسعه لتشجيع الهجرة وخاصة باتجاه فلسطين وغالبا ما كنا نتلقى مساعدة عندما كنا نحتاجها لدى الحكومات الأخرى بهدف تشجيع الهجرة». وبعد كل هذا يتساءل المرء أيهما كان أخطر اليهود النازيون أم الصهاينة الأشد إجراما من النازية ؟

في النهاية:

هل كان رئيس الوزراء البولندي مخطئا؟ كلا بالتأكيد ولكنه خطا خطوة متأخرة وقد تكون متهورة بالمقاييس الأوربية، ولعلها تمثل اختراقا مهما ولكن من المبكر الحكم على نتائجها في السياق الأوربي العام.