كان لديه أربع عشيقات، واقترح تحويل العرب إلى اليهودية، واعتبر أن اليهود العرب "بدائيين" وكان على استعداد للتخلي عن المشروع النووي الإسرائيلي والتشاور مع عراف ومد ولاية الانتداب 15 سنة أخرى، تلك ملامح السيرة الجديدة لديفيد بن غوريون زعيم الحركة الصهيونية وأول رئيس وزراء في تاريخ الكيان الصهيوني كما تظهر في كتاب جديد للمؤرخ توم سيغف بعنوان "دولة بأي ثمن – سيرة حياة ديفيد بن غوريون" الذي أنهاه للتو ويصدر قريبا بالإنكليزية وقد استقينا المعلومات المأخوذة من الكتاب من مراجعات صدرت عنه.
مما لاشك فيه أن ديفيد بن غوريون كان أحد أبرز الشخصيات في تاريخ الحركة الصهيونية، وهو وصل إلى منصبه التنفيذي الأول وسط اضطراب شديد ونزاعات كبيرة داخل حركته، أو مع القوى الأخرى.
وقد كتبت الكثير من الكتب عنه، بعضها، كتبها بنفسه كيوميات الحرب، أو "إسرائيل: تاريخ شخصي" وبعضها الآخر نشر مؤخرا بالإنكليزية ولم يتم ترجمته إلى العربية وهي ربما أهم ما كتبه بنفسه، أعني مذكراته.
على العموم، ديفيد بن غوريون أحد أشد أعداء الشعب الفلسطيني، ولعبت سياساته دورا أساسيا في نكبة هذا الشعب ومصائره والاحتلال وتأسيس الكيان الصهيوني على أنقاض المجتمع الفلسطيني، بل إنه يعتبر مسؤولا مسؤولية مباشرة عن عمليات الطرد والتطهير العرقي التي حدثت سواء عام 1948 أو السنوات التي تلتها والقمع الوحشي الذي تعرض له الفلسطينيون الصامدون في بلدهم في سنوات الحكم العسكري.
لذلك ربما، ونظرا لهذه الأدوار المركزية، تعتبر دراسته وإلقاء نظرة أخرى عليه أمرا مهما على الدوام، لإضاءة أكبر وفهم أعمق للحركة الصهيونية وسياساتها ونوعية الأشخاص الذين قادوها. وهي مقاربة جديدة يقدمها توم سيغف أحد أبرز مؤرخي تاريخ الصهيونية والكيان الصهيوني.
خائن زوجته
يقول توم سيغف أنه قد توصل إلى 750 وثيقة محفوظة باللغة العبرية تمثل الأرشيف الشخصي الأول لديفيد بن غوريون وتكشف فيما تكشف عن أدلة مهمة عن العلاقات الحميمة للزعيم الصهيوني خارج نطاق الزواج.
ويقول توم سيغف إن سلوك بن غوريون اتسم بالتناقض، وهو في بحثه يهتم بالمعيار الخاص بالثقة، فإذا كان بن غوريون غير مخلص لزوجته فهو ربما لن يكون مخلصا لناخبيه، وإذا غشها فإنه قد يكون غش ناخبيه أيضا.
يسجل سيغف أن العلاقة غير المشروعة الأولى التي يركز عليها بالذات، بدأت كما يظهر في الأرشيف عام 1926، عندما كان بن غوريون في الأربعين، واستمرت العلاقة بشكل متقطع على مدى أربعين عاما أخرى، حتى نهاية عمله كرئيس للوزراء، وتلك المرأة كانت ريفكا كاتزنيلسون، وهي محررة شهيرة في المجلة النسائية الأولى التي صدرت في الكيان الصهيوني DVAR Hapoele، وكشف الأرشيف أن بن غوريون التقى مع كاتزنيلسون بينما كانت في التاسعة عشرة، في تجمع انتخابي، وليلاحظ سيغف أن هذه العلاقة تدفع للفضول بسبب وجود ملف لدى تحت اسم "ريفكا كازتنيلسون" في وزارة الحرب ولدى الجيش، وقد رفض الجانبان فتح هذا الأرشيف، غير أن توم سيغف وصل إلى الوثائق بإذن خاص من شقيقة ريفكا.
وقد تم سابقا الكشف عن علاقته بامرأة أخرى هي رجينا كلف هولتز التي بقي علاقة معها في نفس الوقت، وكتب لها في إحدى رسائله " في الثلاثينيات " "حُبِك في قلبي الآن لا نهاية له. كم كنتُ أرغب في معانقتك وتقبيلك الآن"
ولكن هناك، أكثر من ذلك فالكتاب يناقش باستفاضة باستفاضة أربع نساء ارتبطن ببن غوريون، وقال سيجيف "أنا لا أعتقد أنه من غير المعقول أن معرفة نقاط ضعفه والضيق، وحول النساء اللواتي كان يتمتع بها عند اتخاذ القرارات الهامة للحكومة."
كتب سيغف أن بن غوريون وعشيقته الشابة كانا يلتقيان عادة في منزله في غياب زوجته بولا، وكذلك في الفنادق وأيضا في مكتبه، وقد كتب بن غوريون الرسائل لعشيقته السرية على الورق الرسمي لمكتب رئيس الوزراء، وتكشف مذكرات كاتزنيلسون عن تفاصيل غريبة عن السلوك العاطفي لبن غوريون. وتقول أنه كان يعاني كبتا جنسيا عميقا لدرجة أنه على سبيل المجاز "مات بعذريته". يقول سيغف إن مرد الاهتمام ببن غوريون وتفاصيل حياته هو الشعبية الكبيرة التي وصل إليها في المجتمع الصهيوني، حتى لا يكاد يمر يوم دون ذكر اسمه في الصحافة.
ويزعم سيغف أن السبب في هذه الشعبية هو اشتياق الجمهور لزعيم نقيض لنتنياهو من حيث القوة والنزاهة، طبعا يبقى سؤال النزاهة موضع شك في ضوء حقيقة أن بن غوريون كان يخون زوجته كل هذا الوقت.
سارق الكتب
أيضا يشير سيغف إلى أنه رغم المظهر المتواضع لبن غوريون، ورفضه تدخين السيجار أو شرب الشمبانيا (كما نتنياهو) غير أن هناك شكوك حول دفعه كامل القروض لثمن منزله في تل أبيب وهي أموال حصل عليها من البنك ومن الهستدروت، كما أن آلاف الكتب التي تركها في مكتبته الخاصة لم يكن قد دفع ثمنها.
تناقض السيرة الذاتية
وبحفره عميقا في بحثه لاحظ سيغف أن بن غوريون ترك وراءه عدة نسخ من السيرة الذاتية وهذا هو السبب في اختلاف الكتب التي صدرت عنه في السنوات الأخرة حيث كتبت من زوايا مختلفة، ويقول سيغف "ترك وراءه سلسلة من المشاكل والأسئلة السياسية والاجتماعية والأخلاقية، التي لا تزال إسرائيل تقوم بنسخها".
كتبت السيرتين الكلاسيكيتين لديفيد بن غوريون، من قبل شبتاي تيفث ومايكل بار-زوهار، وقد مر عليهما 40 عاما، خلال هذه الفترة فتحت محفوظات كانت مغلقة بما في ذلك محاضر دقيقة لاجتماعات مجلس الوزراء، لم تكن متاحة للباحثين سابقا، لذلك يلاحظ أنه يمكن اليوم "الاقتراب من بن غوريون الحقيقي، كقائد وسياسي، وكإنسان"، ولا تتعامل مع بن غوريون "الملصق والرمز والأسطورة . "
في غضون ست سنوات من البحث، يقول سيجيف، إنه زعيم محفوفا بالتناقضات الدرامية. فهذا " الذي لا يتزعزع ومحفور في الصخر، كان قبل سنوات من ذلك صاحب صوت صبياني حاد أجبر على الكلام باليديشية، ويفتقد للجاذبية كخطيب (على العكس من خصمه جابوتنسكي) وفشل تقريبا في كل ما فعله واقترب من اليأس الانتحاري.
ولكن إلى جانب هذا يكشف سيغف أنه كان رومانسيا بطريقة ما يكتب الشعر عن بحيرة طبريا وجبال الألب وشلالات نياغارا ويعاني من تحولات عنيفة اقتربت أحيانا من الفناء الذاتي.
يرصد سيغف مجموعة من الملاحظات التي تعكس الطبيعة الغرائبية لبن غوريون، الذي كان يعاني أصلا من نوبات يأس وشعور بالوحدة وجفاف عاطفي، ومزاعم أنه غير مفهوم، من هذه القرارات قراره ترك كل شيء والانتقال إلى النقب، ومقترحا أكثر غرابة بتحويل العرب إلى اليهودية، واقتراح إعلان الحرب على بريطانيا وبعدها ألمانيا، ثم ادعاؤه قبل العدوان الثلاثي عام 1956 أنه يمكن بناء شرق أوسط جديد بدون عبد الناصر، ورحلته العجيبة إلى بورما لدراسة البوذية، والإدمان على اليهودية الباطنية، (القبالاه والزوهار) وطرح نقاش إمكانية سيطرة "إسرائيل" على غويانا الفرنسية، شمال البرازيل، وأخذ استشارة من عراف، وزعمه أنه رأى صحنا طائرا .
يذكر سيغف أن كتابه هذا يأتي بعد 50 عاما من لقائه شخصيا مع بن غوريون (كان سيجف حينها في 22) وحدث اللقاء في أبريل 1968، " في الجامعة العبرية، التي كان سيغف رئيس تحريرها. ويذكر كيف أن بن غوريون انتقدهم لأنهم "لا يعرفون معنى الصهيونية".
ويلاحظ سيغف أن التمازج التام بين بن غوريون والصهيونية هو ما أدى إلى ترجمة عنوان السيرة الذاتية الجديد "الدولة بأي ثمن". وكانت هذه التكاليف، - ولا تزال - شديدة الارتفاع.
الطرد: لا سلام مع العرب
على سبيل المثال، كشف سيجيف بأن بن غوريون، في مرحلة مبكرة جدا من حياته المهنية، في عام 1919، عندما أسس حزب أهدوت هافودا ("وحدة العمل")، أعرب عن فكرة أنه سيعيد التأكيد في العديد من الطرق حتى يومه الأخير: أنه لم تكن هناك فرصة للسلام مع العرب.
"كل شخص يرى صعوبة فيما يتعلق بمسألة العلاقات بين اليهود والعرب. ولكن لا يرى الجميع أنه لا يوجد حل لهذه المسألة. لا يوجد حل. وقال بن غوريون في كلمة ألقاها في ذلك الوقت قبل ثلاثين عاما من إنشاء الكيان الصهيوني "نريد ارض إسرائيل كدولة". العرب يريدون أن تكون الأرض - كدولة. لا اعرف كيف سيوافق العرب على ارض إسرائيل لليهود ".
وفي وقت لاحق، اعتبر بن غوريون أنه من البديهي أن "إسرائيل" ستتعرض دائما لتهديدات الدمار، وأن العرب لن يقبلوا بوجودها حتى عندما يدركون أنه لا توجد إمكانية لتدميرها "طوال حياته كلها، كان نهجه هو عدم تخلي أي شعب عن أرضه عن طيب خاطر، وكان من الممكن في أفضل الأحوال إدارة الصراع ولكن ليس حله. وهذا هو الثمن الباهض للحياة بدون سلام ".
ربما كان هذا هو السبب في إيمان بن غوريون بالترانسفير رغم أنه لم ذلك صراحة ولكنه استبدل ذلك بفكرة "العمل اليهودي" ولكنه فيما بعد طرح الفكرة بصراحة وأضاف "أؤيد عملية نقل قسرية. أنا لا أرى أي شيء غير أخلاقي حيال ذلك "، كما ذكر خطاب له أمام الوكالة اليهودية عام 1937. وقد كتب منذ عام 1917 إنه على الصعيد "المعنوي فلسطين هي بلد بلا سكون"، كلمة (معنوي ) هنا لها دلالة مهمة تعكس العنصرية الفجة لدى بن غوريون والحركة الصهيونية، فعدم إنكار الوجود المادي للفلسطينيين، يترافق مع اعتبارهم غير جديرين بهذه البلاد. وقد كتب في مذكراته عن الترانسفير "« إن أي تشكيك من جانبنا في ضرورة ترحيل كهذا وأي شك عندنا في إمكانية تحقيقه وأي تردد من قبلنا في صوابها قد يجعلنا نخسر فرصة تاريخية »، وفي السياق العملي ثمة قصة شهيرة متداولة (300) حيث قام بن غوريون بجولة في الجليل وصرح بلهجة عنصرية غاضبة «كل من يتجول في الجليل ينتابه إحساس بأنها ليست جزءا من أرض إسرائيل» وفي رواية أخرى للمحادثة أن بن غوريون قام بجولة في الجليل بينما كان يعبر الطريق بين عكا وصفد فمر بقرى عربية وسأل عن أسمائها وعندما قيل له أنها مجد الكروم ودير الأسد وراما ذكر أنه أجاب «أأسافر داخل سورية» وأصدر على الفور أوامره ببناء مستوطنة الكرمل في المنطقة.
في الحقيقة هذا ليس الكشف الأول لموقف بن غوريون من التخلص من الفلسطينيين، ففي سيرة أخرى لبن غوريون كتبها شبتاي تيفت، فإن بن غوريون ظل مقتنعا منذ صدور قرار التقسيم وحتى نيسان /أبريل 1948، باحتمال قيام دولة يهودية قومية مع أقلية عربية لا يمكن أن تتعدى 54 في المائة.
نعلم عموما أن فكرة الترانسفير عميقة الجذور في الفكر الصهيوني، ولم يخترعها بن غوريون ولكنه أعطاها الزخم التنفيذي من منصبه كأعلى سلطة صهيونية، وقد ظهرت الفكرة في كتابات لا حصر لها في الأدبيات الصهيونية.
بالعودة إلى بن غوريون يربط سيجيف بين بين "النضال" من أجل "العمل العبري"، ودعم فكرة الترحيل والطرد (النكبة) عام 1948، وهكذا يصل سيجيف إلى "التكاليف" الأخرى التي حددتها الدولة حتى يومنا هذا. وقال إن تأسيسها ينطوي على كارثة بالنسبة للآخرين الذين يعيشون هنا (الفلسطينيين)، مئات الآلاف منهم فروا أو طردوا.
مد الانتداب: الصهيونية لم تكن جاهزة للدولة
وإضافة إلى هذا الكشف الهام، يكتشف سيجف أن بن غوريون، رغم أن إنشاء دولة يهودية هو مشروع حياته، طلب من البريطانيين - عشية تأسيس الكيان - إطالة أمد الولاية ووافق على تأجيل تحقيق حلمه، إعلان الاستقلال، لعدة سنوات.
ويضيف أنه في بداية عام 1947، قبل بضعة أشهر من التصويت على التقسيم في 29 نوفمبر مهد الطريق لإقامة الكيان، حيث عقد بن غوريون اجتماعا ليلا مع وزير العدل البريطاني (ويليام جويت). وفي منتصف الليل، اتفقوا على وثيقة مصيرية، كانت النتيجة النهائية هي أن الانتداب البريطاني في فلسطين سيظل ساري المفعول لمدة خمس أو عشر سنوات أخرى. يقول سيجيف: "إنه لأمر مدهش ومن الغريب أيضا أنه في حين يقاتل" يشوف " فإن بن غوريون يذهب إليهم ويطلب منهم البقاء".
ووفقا للوثيقة التي وضعها بن غوريون مع اللورد جويت، سيتم السماح لحوالي 100000 يهودي بدخول البلاد في العام أو العامين المقبلين، وبعد ذلك سيتم منح الهجرة اليهودية وفقا لقدرة البلاد على استيعاب القادمين الجدد، والقيود المفروضة في الكتاب الأبيض البريطاني. وفي المقابل، تعهد بن غوريون بمنع الإعلان عن الاستقلال في السنوات المقبلة. وكانت الخطة مرفوضة إلى حد كبير ونقلت إلى الوثائق في المحفوظات. يعتقد سيجيف أن بن غوريون كان يريد كسب الوقت، لأنه كان يقدر أن القوات اليهودية لم تكن مستعدة بعد للحرب التي تلوح في الأفق.
وتقدم السيرة الذاتية الجديدة أمثلة إضافية تقوض صورة نهج بن غوريون الأمني قبل كل شيء. اتضح أنه لم يكن مستعدا، ولم يفاجئ عندما اندلعت الثورة الفلسطينية عام 1929 (يصفها سيجف بأعمال الشغب) على الرغم من أنه كان يمكن استخلاص نتائج من اضطرابات مماثلة قبل ثماني سنوات. وتكرر هذا النمط نفسه في عام 1936، عندما وجدت الثورة العربية بن غوريون غير مستعدا لأن "بالكاد تعلمت دروس الإرهاب عام 1929"، كما يلاحظ سيجيف. وقال "لقد فوجئت تماما بسلسلة من الإخفاقات الأمنية التي كان بن غوريون مسؤولا عنها".
الخط الأخضر لم يكن صدفة
تكشف وثيقة حصل عليها سيجف أن بن غوريون اقترح في أبريل 1947 خريطته الخاصة للتقسيم قبل قرار الأمم المتحدة، خريطته كانت مخالفة تماما لخريطة التقسيم الدولية، وهذا يكشف أن العمليات التي أمر بها بن غوريون أثناء حرب 1948 كانت تعتمد على خريطته الخاصة التي لم يكن صدفة أنها مشابهة تماما تقريبا للخريطة التي تحددت نهاية الحرب ورسمت الخط الأخضر، هذه الوثيقة كانت مهملة في المحفوظات أما الخريطة فوجدها سيجف في المحفوظات الوطنية البريطانية.
من الوثائق التي حصل عليها سيجف، يبدو أن بن غوريون في نهاية فترة ولايته رئيسا للوزراء، أعرب عن استعداد من حيث المبدأ للتخلي عن المشروع النووي في مقابل تحالف عسكري مع الولايات المتحدة. يجادل سيجف في كتابه بأن من المحتمل أن النقاش الشرس الذي اندلع حول هذا الموضوع بين بن غوريون وموشيه ديان (الذي جادل بأن "ليس هناك بديل ") ساهم في قرار بن غوريون للتقاعد من أجل الصالح العام.
يهود جيدون وآخرون مضطرون لقبولهم
يكشف سيغف عن موقف بن غوريون تجاه المحرقة وموقفه تجاه اليهود المزراحيين من الدول العربية والإسلامية. ويربط سيجيف الموضوعين ، حيث ينظر إلى المحرقة جريمة كضد الصهيونية والدولة التي تلوح في الأفق أكثر من ربطها بكونها "جريمة ضد اليهود" ففي النهاية يهم الحركة الصهيونية الحصول على "المادة البشرية" الأفضل لبناء مشروع دولتها، وطبعا كانت الحركة أشكنازية الطابع ترى في اليهود الأوربيين هذه المادة، وليس غيرهم من اليهود الملونين، وبالتالي فإنقاذ هؤلاء وبالأخص الشباب والأصحاء منهم، هو جوهر السياسة الصهيونية ، ليس بغرض الحرص على حياتهم، بل بغرض استجلابهم لاحقا إلى فلسطين، واستخدامهم في المشروع، وهكذا اعتبر بن غوريون جريمة النازية جريمة ضد الحركة الصهيونية بالذات وضربا لهدفها، لأن النازيين "قتلوا الناس الذين كان من الممكن أن تقوم بهم الدولة" ضمن تصوره "كبلد أوربي حديث" وهكذا بتعبير سيجف واضطرار الحركة لاستجلاب "يهود آخرين" لتعويض النقص الديمغرافي فإن "الدولة لم تجد الأمة التي توقعتها".
بن غوريون لم يتردد بوصف اليهود من الدول العربية بأنهم "بدائيين" ، ولكن بن غوريون العملي المنسجم تماما مع مصالحه الصهيونية وفي ضوء وصوله لاستنتاج استحالة وقف "المحرقة" فضل وضعها وراء ظهره حتى وهي في ذروتها، متطلعا إلى المستقبل.
من المعروف أن ردة الفعل الصهيونية تجاه فكرة استجلاب يهود عرب في البداية تلخصت بمقولة "هل هناك يهود سمر [أو سود]، كتعبير عن الجنوح العرقي العنصري لدى هذه الحركة وقادتها، وقد ظهر رأي بن غوريون جليا في اجتماعٍ له مع الكتاب والمثقفين سنة 1949 حين قال: "حتى المهاجرين من شمال أفريقيا الذين يبدون كالمتوحشين، الذين لم يقرؤوا كتاباً في حياتهم، ولا حتى كتاباً دينياً، ولا يعرفون كيف يتلون صلواتهم يملكون – كيهود – سواء عن دراية أو عدم دراية، إرثاً روحياً يعود لآلافٍ من السنين " وقال ردا على أحداث وادي الصليب في تعليق على تعاطف المزراحيم مع الثائرين على النظام حينها " بعد أعمال شغب في مدينة حيفا ارتكبها يهود مغاربة احتجوا على إطلاق النار على صديقهم من قبل شرطي، قال بن غوريون: "لن ينجح أي بلطجي، سارق، قوّاد أو قاتل من أصول أوروبية في إثارة تعاطف الطائفة الأشكنازية، وكذلك لن يخطر بباله أمرا كهذا. ولكن هذا الأمر قابل للحدوث لدى طائفة بدائية"وهذا ليس سوى غيض من فيض.

