يبدو أن نفوذ جاريد كوشنير، صهر الرئيس الأمريكي والمسؤول المباشر عن سياساته الشاذة في الشرق الأوسط، ذاهب باتجاه التقلص، بعد أن سحبت الاستخبارات الأمريكية تصاريحه الأمنية الرفيعة وتصاريح عدد من معاونيه، التي تخوله الوصول إلى أدق المعلومات الاستخبارية، وهي تصاريح حصل عليها كوشنر بصفة مؤقتة ولكن المخابرات تقول إنه فشل في جعلها دائمة.
ونتيجة لذلك قالت واشنطن بوست الأمريكية في تقرير صادم لترامب وكوشنر أن النقاش يشتعل الآن حول مدى تأثير هذه العملية في قدرة كوشنر على الاستمرار في سعيه لتمرير خطة ترامب في الشرق الأوسط، و"تعزيز خطلة السلام" بين الكيان الصهيوني وفلسطين.
وقال روبرت دانين المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي إنه "في حين أن فقدان الوصول إلى المخابرات السرية العليا سوف تحد من بعض المعلومات التي كان كوشنر قادرا على الوصول إليها، إلا أن ذلك لن يغير كثيرا من قدرته على التفاوض بنجاح بين الإسرائيليين والفلسطينيين".
ورغم أن كوشنر قد فقد القدرة على الحصول مباشرة على مثل هذه المعلومات الاستخبارية وقراءتها على أساس يومي، فإنه لا يزال قادرا على طلب إحاطات من أجهزة الاستخبارات والأمن ذات الصلة. وستصبح هذه الوكالات أكثر انخراطا عندما تصبح المفاوضات أكثر خطورة. وعلق دان شابيرو وهو سفير صهيوني سابق إن "التفاوض بدون معلومات استخباراتية يجعلك ضبابيا، "
كما علق آرون ديفيد ميلر، الذي عمل على المفاوضات الإسرائيلية-العربية تحت الإدارات الجمهورية والديمقراطية، أن فقدان كوشنر لتصريح الولوج إلى المعلومات المصنفة "سري للغاية" قد يؤدي إلى "فقدان المصداقية" في نظر محاوريه الدوليين.
من المعلوم أن هذا يأتي في ظل غضب عارم من وزير الخارجية تيليرسون حول نفوذ كوشنر الذي يعتبره مبالغا به واعتداء على اختصاصاته كوزير للخارجية، بل إنه يتهمه بتشغيل "سياسة خارجية ثانية" وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط وإسرائيل. ويوجد لدى كوشنر عهدة رسمية تضم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والمكسيك والصين.
وعلى سبيل المثال يقول تقرير الواشنطن بوست أن المسؤولين الأمريكيين في الأمن والخارجية قلقين من أن دولا أجنبية تلاعبت بكوشنر لتعزيز مصالحا السياسية استنادا إلى روابطه المالية معها، وهذه الدول تحديدا هي الصين والإمارات العربية المتحدة، والمكسيك والكيان الصهيوني طبعا، وذكر التقرير أن مسؤولين من إسرائيل والصين والإمارات العربية المتحدة والمكسيك قد ناقش جميعا كيف يمكن استخدام المصالح التجارية كوشنر في التأثير على عمله للسياسة الخارجية في البيت الأبيض.
ووفقا للتقرير، فإن مستشار ترامب للأمن القومي، الجنرال ماكماستر قال "إن كوشنر كان على اتصال مع مسؤولين أجانب و لم ينسق عن طريق مجلس الأمن القومي ولم يقدم تقريرا رسميا". وذكر أيضا أن "مسؤولون في البيت الأبيض يشعرون بالقلق من إن كوشنر كان 'ساذجا ويجري خداعه" في المحادثات مع المسؤولين الأجانب - بعضهم قال انهم يريدون التعامل فقط مع كوشنر مباشرة وليس المزيد من الموظفين ذوي الخبرة ".
ويرى التقرير أنه يمكن أن ينظر إلى تقرير واشنطن بوست حول محاولة الحكومات الأجنبية للتأثير على مسؤول كبير في البيت الأبيض كتفسير محتمل لصعوبات كوشنر في حصوله على تصريح أمني.
ورغم أن التقرير لم يتضمن تفاصيل عن المحاولات المزعومة من قبل الحكومات الأجنبية، بما فيها الحكومة "الإسرائيلية"، "للتلاعب" كوشنر على أساس مصالحه التجارية وفي سبيل إنقاذ إمبراطوريته الغارقة بالديون. ومن ضمن ما تم الكشف عنه اجتماعات سرية مع محمد بن زايد آل نهيان في كانون أول/ ديسمبر 2016 ضمت كوشنر وغيره في برج ترامب.
وفي حين أن السلطات المختصة قد لا تكون على علم بهذه السلسلة من الاجتماعات، فإن مايكل فلين، مستشار الأمن القومي السابق الذي أقر بالذنب ووافق على التعاون مع السيد المحققون مولر في العام الماضي، وحضر أو على الأقل يعرفون منهم. شارك ستيف بانون، الذي جلس مؤخرا لمدة 20 ساعة من المقابلات مع محامين خاصين، في اجتماع زايد ترامب تاور مع السيد بوش. فلين والسيد كوشنر. لذا، إذا كانت هذه المسائل تهم السيد مولر، حصل مؤخرا على مزيد من التفاصيل حول ما حدث في الاجتماعات.
ولكن هذا كل شيء:
أكبر مصدر قلق في تقرير آخر - وبالتأكيد أحد أسباب تجرير كوشنر من تصريحه الأمني - هو أن الدول الأجنبية من شأنها أن توفر له المزايا المالية الشخصية في نفس المحادثات التي كان يفترض فيها أنه يمثل مصالح واشنطن.
وفي سياق التعاملات المالية هذه من المعروف أن لدى زوجة ترامب ومستشاره الخاص كوشنير مجموعة من العلاقات المالية مع الدولة الصهيونية، وقد أفاد التقرير أن حكومة الكيان ناقشت استغلالها.
و ذكرت صحيفة واشنطن بوست الثلاثاء إن "إسرائيل" هي احدى الدول الأربع التي بحثت كيفية استغلال المصالح التجارية والقلق المالي وانعدام الخبرة الدبلوماسية لجاريد كوشنر. ولكن ما هي العلاقات المالية التي يقوم بها صهر الرئيس دونالد ترامب مع الكيان؟
تشكل شركات كوشنر إمبراطورية عقارية تأسست عام 1985 من قبل والده تشارلز كوشنر، وتمتلك هذه الشركات حصصا في العشرات من المباني السكنية والمكاتب، و أساسا في نيويورك ونيوجيرسي. وتفيد التقارير أن الشركة قد شاركت في عمليات استحواذ بقيمة 7 مليارات دولار على مدى العقد الماضي، مع بعض الاتصالات في الكيان الصهيوني. قضى كوشنر الأب 14 شهرا في السجن بسبب رفض دفع الضرائب والتلاعب بالشهود، وسلم السيطرة على الشركة لابنه الأكبر جاريد الذي كلن في الـ24 من عمره.
وعندما انضم كوشنر الابن إلى إدارة ترامب العام الماضي كمستشار كبير مسؤول عن - من بين أمور أخرى كثيرة - جهود السلام في الشرق الأوسط، استقال من منصبه كرئيس تنفيذي للشركة العائلية.
ولكن في كانون ثاني/يناير من العام الماضي رافق جاريد والده في زيارة خاصة إلى الكيان حيث استثمرت العائلة 30 مليون دولار. في شركة تأمين "إسرائيلية" كبرى. وكذلك في شركة مينورا التي تدير أكبر صندوق للمعاشات التقاعدية في الكيان، وفقا لموقعها على الإنترنت، وهي المزود الأول لسياسات التأمين على السيارات في البلاد.
ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن الاستثمار "الإسرائيلي" كان يستخدم لتمويل 10 مجمعات سكنية تملكها شركات كوشنر في ميريلاند. وعلى الرغم من أن صهر الرئيس باع الكثير من حيازاته في الشركة العائلية عندما تولى دوره الحكومي ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنه لا يزال مهتما بمشروع العقارات في ماريلاند. وثمة شكوك تدور حول انتهاك قانون الأخلاق الفيدرالي المتعلق بالأعمال الخاصة للموظفين الحكوميين.
وذكرت الصحيفة أيضا في نيسان/أبريل الماضي أن لكوشنر شراكة مع راز شتاينميتز، وهو عضو في واحدة من أغنى العائلات في الكيان، واشتروا معا ما قيمته 190 مليون دولار من المباني السكنية في عدة أحياء في مانهاتن السفلى - بما في ذلك ايست سايد وويست سايد وسوهو. ومن المعروف في الأوساط المعنية أن عائلة شتاينميتز حققت ثروتها في تجارة الماس.
ووفقا للتقرير، تلقى كوشنر أكثر من 50 مليون دولار كتخفيض في المشتريات من شتاينميتز، الذي يخضع عمه بيني شتاينيتز للتحقيق بتهمة الرشوة وغسل الأموال في أربعة بلدان مختلفة حاليا - الولايات المتحدة و"إسرائيل" وسويسرا وغينيا.
كما ورد أن شركات كوشنر تلقت أربعة قروض على الأقل من بنك هبوعليم، أكبر بنك في "إسرائيل"، الذي هو قيد التحقيق في الولايات المتحدة بتهمة مساعدة مواطني الولايات المتحدة في التهرب الضرائب من خلال قسمه السويسري.
وكان لدى كوشنر أيضا تعاملات تجارية مع ليف ليفيف، وهو قطب عقارات "إسرائيلي" سوفياتي المولد يعمل في الماس، وقد اشترى كوشنر في عام 2015 أربعة طوابق في مقر صحيفة نيويورك تايمز السابق في مانهاتن بتمويل من شركة (أفريقيا-إسرائيل) للاستثمار، الذي يترأسها يفايف، بمبلغ 295 مليون دولار.
وفي شهر يوليو الماضي، ذكرت صحيفة الجارديان عدة مشاريع تجارية مشتركة بين (أفريقيا-إسرائيل) للاستثمارات وبريفيزون القابضة وهي شركة روسية كان يفيف شريكا فيها. وقد قام أعضاء الكونغرس في وقت لاحق بالتحقيق في هذه المعاملات باعتبارها قضايا محتملة لغسل الأموال.
أصبح كوشنر تقريبا أحد المساهمين الرئيسيين في شركة "إسرائيلية" في يوليو 2014. وسعى لشراء حصة مسيطرة بنسبة 47% في شركة التأمين فينيكس من مجموعة ديليك بمبلغ 435 مليون دولار، ولكن الصفقة فشلت بعد ستة أشهر ويملك أصحاب ديليك حصصا في تامار و ليفياثان للغاز الطبيعي.
برزت أيضا مدفوعات صهيونية متطرفة من قبل كوشنير وعائلته حيث ذكرت صحيفة هآرتس أنهم دفعوا عشرات الآلاف من الدولارات في السنوات الأخيرة إلى المنظمات والمؤسسات في المستوطنات في الضفة الغربية من خلال تشارلز ومؤسسة سريل كوشنر.
وكان من المستفيدين أيضا مؤسسة أصدقاء بيت إيل ، وهي واحدة من أكثر المستوطنات تطرفا في الضفة الغربية وتلقت المستوطنة 000 20 دولار من أسرة كوشنر في عام 2013.
ومن المستفيدين الرئيسيين الآخرين من تبرعات كوشنرز شركة "أوهر تورا ستون"، ومقرها في منطقة غوش عتصيون في الضفة الغربية. وتدير شبكة من المدارس الثانوية والكليات وبرامج الدراسات العليا في الكيان والولايات المتحدة. تأسست المؤسسة من قبل شلومو ريسكين، الحاخام الأمريكي المولد من مستوطنة إفرات وهو شخصية بارزة في الأرثوذكسية الحديثة.
وهناك مستفيد رئيسي آخر هو الجيش الصهيوني حيث بين عامي 2011 و 2013، تبرعت مؤسسة الأسرة بمبلغ إجمالي قدره 315000 دولار "لأصدقاء الجيش الإسرائيلي" (فيدف) في الولايات المتحدة وهو ذراع لجمع التبرعات لهذا الجيش لتسليحه، وعندما انضم كوشنر لإدارة ترامب قالت هآرتس أنه تم إزالة اسمه فجأة من قائمة تبرعات فيدف.
مما يثير الشك حول كوشنير أيضا وتورطه في الاحتيال أنه لم يكشف رسميا عن كافة مصالح الشخصية المالية إضافة إلى القضية الروسية وتحقيقات التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية.
أخيرا وفي ضوء هذا، يبرز السؤال إذا كان كوشنر كما تزعم التقارير، ربما لم يكن يمثل مصالح الولايات المتحدة في مساعيه السياسية، فكيف مثلت هذه المساعي مصلحة للبلدان التي تورط معها وبالذات الإمارات العربية المتحدة والكيان الصهيوني، هل كان للطرفين دور في السياسة القذرة التي لعبها كوشنر ضد الفلسطينيين، في ظل أن هذا هو موضوعه الأساسي في ملف الشرق الأوسط الذي يتولاه؟

