قال المؤرخ باروخ كيمرلينج مرة، ما معناه إن المستوطن الصهيوني المتدين الذي يعتمر القلنسوة والذي يرخي الرشاش على كتفه هو الذي يحدد منطق "إسرائيل" وتعاملها مع فكرتي الأرض والحدود، وفي هذا السياق فإن يؤاف غالانت، المستوطن في يافا، والداعم المهم لمستوطني الضفة الغربية، عبر وزارة البناء والإسكان التي يقودها، بل هو وزير "الاستيطان" غير المعلن أيضا، يعبر بشكل مطلق عن هذه العقلية الاحتلالية التي ترى الاستيطان من زاوية الأمن وفي نفس الوقت الأمن من زاوية الاستيطان.
لذلك تشكل الطفرة الاستيطانية الكبيرة التي يقودها في غور الأردن جزءا من رؤية جغرافية جديدة للكيان الصهيوني، أو هي قديمة في الواقع ترتبط ارتباطا جذريا بمقولتي "أرض إسرائيل الكبرى" و" لا دولة ثانية غربي النهر" ونذكر أن اللجنة التشريعية الوزارية قد صادقت منذ 29 كانون أول 2013 على قانون ضم الأغوار الذي تقدمت به ميري ريغف وزيرة الثقافة الليكودية في حكومة نتنياهو.
ضمن هذه الرؤية تعتبر الضفة الغربية المحتلة (يهودا والسامرة في المصطلح الصهيوني) هي المنطقة الأمنية للدولة الصهيونية ضد الخطر الإيراني كما يزعم ويضيف بأن على "‘إسرائيل السيطرة على المنطقة بأكملها "من أجل مواجهة التحديات الأمنية التي لا نعرف حتى ما سيحدث في المستقبل ".
يعتبر غالانت الأردن كحاجز أول ولكنه ضعيف بزعم أن إيران كما هي القصة الصهيونية المتداولة تريد فرض جدار شيعي وتبذل جهدا للتسبب في انهيار الأردن وبسبب هذا يرى أن على الكيان الحفاظ على كل ما هو في يده.
يرتبط هذا بشكل جوهري بنظرية "المجال الحيوي" الاستعمارية الكلاسيكية التي رسختها عصابات المستوطنين الأوربيين في الغرب الأمريكي ثم الاستعمار الكلاسيكي و النازية الألمانية وتبناها الكيان الصهيوني بحذافيرها سواء عبر احتلال الضفة والجولان وسيناء أو اجتياحاته المتكررة للبنان.
في مقابلة مع مكور ريشون يشيد غالانت بنتنياهو باعتبار فترته كرست الكيان كطرف متساو مع الأطراف الدولية كما يزعم، وهو يعترف أن هذا يعود إلى الدعم الأمريكي المطلق "عندما يتحدث الروس إلينا ، يرون الأمريكيين خلف كتفنا وهم حذرون"، ولكن أين عنجهية القوة هنا وأين إدعاء"طرف بين متساوين"؟
مرارا وتكرارا يعود غالانت إلى الأمن كذريعة للاستيطان، إذ "من المستحيل الحفاظ على أمن الدولة بدون وادي الأردن". "لحماية محور "تل أبيب – أسدود" حيث يعيش 4 ملايين من المستوطنين الصهاينة في فلسطين.
الحكومة الصهيونية اتخذت مؤخرا قرارا بمضاعفة عدد المستوطنين على الأقل في غور الأردن، وضخ الكثير من الأموال لهذا الغرض: البنى التحتية والمعونات ومحفزات الاستيطان، ارتباطا بسياق متصاعد للتهويد. والحديث هنا يدور عن 1.6 مليون دونم أي ما يعادل 28.8% من مساحة الضفة الغربية. وهو في هذا الادعاء يتناقض مع النقد الأساسي حول العبء الأمني الذي تضاعفه المستوطنات التي تحولت إلى إسفنجة تمتص جهود الجيش الصهيوني بشكل متصاعد.
وقد صدر في الكيان الصهيوني تقرير عن ما يسمى "مجلس الأمن والسلام" الذي يضم مجموعة واسعة من كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين، السابقين، تناول الادعاءات حول الحاجة الأمنية لمواصلة السيطرة على الأغوار، وضم مناطق نمن الضفة، وقد خلص إلى عدم وجود أي أهمية استراتيجية عسكرية للأغوار، بل من الأمور التي لفت إليها التقرير أن مناطق غور الأردن والضفة الغربية ليست ذات صلة بالواقع المرتبط بالتهديدات الحالية، بسبب تغير شكل القتال وتقنياته، وهو ما نؤكد عليه أصلا التغييرات الكثيرة في عقيدة الجيش الصهيوني، ويؤكد التقرير أنه حتى في السناريو الأقل معقولية والذي يحاكي حربا كلاسيكية يدب التذكر أن غور الأردن لا يوفر عمقا استراتيجيا فعرض الكيان الصهيوني مع الأغوار في المكان الأضيق لا يتعدى خمسين كيلو مترا، كما أشار إلى أن القوة العسكرية الصهيونية التي ستتواجد في الأغوار ستكون حتما متدنية العدد وفي منطقة متدنية طبوغرافيا وتتعرض للحصار بشكل دائم، وهذا التقرير يتلاقى مع تقرير سابق أعده خبراء لشارون أثناء توليه الحكومة وخلص إلى انعدام أي قيمة عسكرية للأغوار بل والجولان والضفة برمتها أيضا، لذات الأسباب المتعلقة بتغير طبيعة الحرب وتقنياتها وازدياد الاعتماد على الصواريخ البعيدة ومتوسطة المدى، التي تنسف نظيرة الحاجة إلى عمق الأرض الجغرافي وتقلل الحاجة إلى الجنود.
ومع انعدام أي قيمة دينية للأغوار عند اليهود بل قيمة سلبية باعتبار أريحا "مدينة ملعونة" يصبح من الواضح أن التمسك بها يرتبط أساسا بالعقل الاستعماري الاستغلالي وبالقيمة الاقتصادية ما يحول الأغوار من باب الاستراتيجية العسكرية إلى باب الاستراتيجية الاقتصادية كمشروع ناجح بوجود موارد وثروات طبيعية وإمكانات سياحية ومعالم تاريخية مهمة وذات طابع استثماري، إضافة لثروات البحر الأحمر.
يبين هذا أن موقف غالانت من الموضوع الفلسطيني، استعماري كلاسيكي ناهب ولكن بنكهة الإذلال العنصري، على الفلسطينيين أن يحكموا أنفسهم ولكن لا يحلموا بجيش ولا بالسيطرة على المعابر،، فليس الفلسطينيون هم من يقرر أن يدخل إلى الضفة الغربية ومن لا يدخل، لذلك يرى أن طرفا واحدا يسيطر ويتحكم غرب النهر "دولة إسرائيل".
لذلك فاقتلاع المستوطنات ليس على جدول الأعمال ولن يكون، والمشكلة كما يحددها عقل المستوطن العنصري أن العرب منزعجين من "التقدم والازدهار والديمقراطية التي تحققها دولة إسرائيل" لذلك كانت حرب 1967 برأيه، في قلب كلي لمنطق الوقائع التاريخية، ولذلك برأيه ومرة أخرى بالعودة إلى الأمن، كان فك الارتباط برأيه قرارا سياسيا ضرب "الردع الإسرائيلي"، لذلك لا مشكلة أبدا بالمستوطنات حتى تلك المعزولة، وإنما المشكلة "في التحريض الفلسطيني". وعلى الفلسطينيين ألا يرضوا بما يعطى لهم، لن يكون من حقهم إدارة مطار أو معبر أو أن يعيشوا خارج مناطق مخصصة لهم، لأن "نحن من يمنحهم الحياة ونوعيتها".

