يهجس المخرج الوثائقي اللبناني هادي زكّاك بالتاريخ. يعود إليه في لحظات راهنة مليئة باحتدام الأسئلة المعلّقة والملتبسة. يريده درساً أخلاقياً أولاً، ومتنوّع الحالات ثانياً. لا يحوّل سينماه الوثائقية إلى مجرّد تلقين، بل يجعلها نوافد مطلّة على الواقع والآنيّ من خلال أزمنة ماضية. «كمال جنبلاط: الشاهد والشهادة» (96 د.) آخر نتاجاته المنتمية إلى هذا النمط من العمل الفني: شخصية فاعلة ومؤثّرة في الوجدان والسياسة والمفاهيم الطائفية للتركيبة اللبنانية، تتحوّل بثقافتها وأفكارها وسلوكها العمليّ إلى زعامة داخل الطائفة الدرزية وخارجها، وتُصبح باغتيالها محطّة أساسية في لعبة الصراع الدمويّ بين أطراف عديدة، متمثّلة (المحطّة) بمعنى أجمل للاستشهاد.
اللغة المستخدمة في صناعة هذا الوثائقي بسيطة ومتماسكة. بساطتها نابعةٌ من أسلوب هادي زكّاك في الاستعانة بالمفردات التقليدية للوثائقيّ، مُضيفاً عليها رحابة الصورة الوثائقية في الخروج من تقليديتها باتّجاه البحث في معاني الصُور السينمائية وبراعتها في احتضان النصّ المكتوب. الأرشيف حاضرٌ، الفوتوغرافيّ والتلفزيوني. اللقطات المتخيّلة مصنوعة بـ «ألوان» باهتة كأنها منتقاة من أرشيف يكاد يختفي. ملاحقة تفاصيل الحكايات، الملتزمة سيرة رجل وموته، تُشبه رحلة في أعماق الخراب اللبناني، الذي يريد كمال جنبلاط (من بين آخرين قليلي العدد حينها) مواجهته لبناء لبناني مختلف وأشدّ تماسكاً. فعل الاغتيال بحدّ ذاته مشغول بحرفية بصرية تبدو كأن المُصوَّرَ ملتَقَطٌ لحظة الاغتيال. الشخصيات المختارة في لبنان والهند أشبه بعيون شاهدة تقول وتروي، كأنها تستعيد ماضياً حيوياً في راهن منهار.
نصوص
ليس الأرشيف المُصوّر فوتوغرافياً أو تلفزيونياً مستنداً وحيداً. نصوص مكتوبة بقلم كمال جنبلاط، تختزن رؤيته وأفكاره وتطلّعاته، تُشكّل هي أيضاً مستنداً أساسياً في بناء الفيلم ومساراته. اختزال النصوص ليس سهلاً. يريد هادي زكّاك الإضاءة على بعض جوانب الحكاية، خصوصاً على مستوى رؤية الشهيد وشهادته بخصوص النظام القائم في بلد معقود على طوائف ومصالح وفئات. زعيم المختارة وسيّدها الراحل يعمل على الخروج من وطأة النظام هذا وثقله السلبيّ. يواجه مشاريع تفتيت وتخريب وإلغاء. ينتبه إلى المتغيّرات. يقول فلسفةً وأدباً يُقاربان وقائع وحقائق، ولا يبقيان معلّقين في النظرية. لكن البلد لا يحتمل معرفة ووعياً كهذين المعرفة والوعي لدى كمال جنبلاط. البلد نفسه لا يحتمل، وأيضاً من يأتي إليه محمّلاً بضغائن ورغبات في احتلال يسعى إلى إحكام قبضته على البلد. الفيلم ينبش في هذا، تماماً كنبشه في موقع كمال جنبلاط وسيرته في السياسة اللبنانية بامتداداتها العربية والدولية. الشهيد يضع شهادة في معنى أن يكون المرء إنساناً، وأن يكون الإنسانُ لبنانياً. عناوين معارك كمال جنبلاط معروفة. الفيلم يختزل بعضها، ويروي بعضها الآخر. الصورة انعكاسٌ لها إما عبر صوت الشهيد، وإما عبر أصوات عارفيه ومريديه وشاهدي زمنه واغتياله وما قبل الاغتيال.
إلى جانب التوليف (الياس شاهين)، المازج توثيقاً ومقابلات ولقطات متخيّلة في سرد بصري محكم الصُنعة، تُرافق الموسيقى (إميل عوّاد)، كامتداد للسرد البصري هذا، منعطفات الحياة والموت لكمال جنبلاط. على الرغم من أهمية الاشتغال الموسيقيّ، إلاّ أن كثرة الموسيقى في فيلم وثائقي يكاد يحول دون متعة المتابعة أحياناً. مشاهد عديدة تبدو أهمّ لو أنها متحرّرة من الموسيقى، وإن تُحافِظُ هذه الأخيرة على نسق فني ـ جمالي ما للفيلم برمّته. في المقابل، يأتي المتخيّل صنيع الرغبة في تفعيل إزالة الفواصل بين الروائيّ والوثائقيّ، خصوصاً أن التصوير كلّه (موريال أبو الروس) يخترق ـ في لحظات عديدة ـ ظاهر الحكايات، إلى ما هو أبعد من الظاهر.
يُعرض الفيلم اليوم الأربعاء 3 حزيران 2015، في صالتي «سينما سيتي أسواق بيروت» (4.30 بعد الظهر، و6.30 مساء) و «أمبير دون ـ فردان» (7.30 مساء و9.30 ليلاً).
محطات
ينتمي هادي زكّاك إلى جيل سينمائي لبناني يجد إطلالاته الأولى في نهاية التسعينيات المنصرمة، بعد معايشته أهوال الحرب الأهلية اللبنانية وآثارها ونتائجها المتمثّلة في سلم أهلي هشّ ومنقوص، هو المولود في بيروت في 22 آذار 1974.
أفلامه العديدة جزءٌ من أرشفة التاريخ اللبناني، ومن بلورة المفهوم الثقافي ـ الاجتماعي ـ الإنساني للذاكرة الجماعية عبر الصورة الوثائقية تحديداً.
يدرس السينما في «معهد الدراسات المسرحية والسمعية البصرية والسينمائية» (IESAV)، التابع لـ «جامعة القديس يوسف»، وينال ديبلوماً في العام 1997، و «ماستر» في الدراسات السينمائية (في مجال الإخراج السينمائي). يُشارك في ورش عمل سينمائية خاصّة بالإخراج والمونتاج والإنتاج في FEMIS (باريس ـ 1996)، و ENSAS (بروكسل ـ 1999)، وHFF Konrad Wolf (بوتسدام ـ 2007).
منذ العام 1999، يبدأ تحقيق أفلام وثائقية تُشارك في مهرجانات عربية ودولية، وتُبثّ على شاشات تلفزة مختلفة. أستاذ في IESAV (منذ العام 1998) متخصّص بالكتابة والإخراج السينمائيين كما بتاريخ السينما وأنواع الأفلام، ومؤسّس شركة «زاك للإنتاج» (2011)، يستعين زكّاك بالتاريخ والماضي لبناء الحكايات الشفهية المتعلّقة بالناس والحالات والتفاصيل.
من أفلامه: «ألف ليلة ويا ليالي» (1999)، و «بيروت ـ وجهات نظر» (2000)، و «لبنان من خلال السينما» (2003)، و «سينما الحرب في لبنان» (2003)، و «حرب السلام» (2007)، و «أصداء شيعية من لبنان» (2007)، و «أصداء سنية من لبنان» (2008)، و «درسٌ في التاريخ» (2009)، و «مارسيدس» (2011)، و «هاني مون 58» (2013).
نقلاً عن: السفير

