صبيحة يوم 18/3/2018 أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن القوات التركية والحليفة لها من المعارضة السورية "الجيش الحر" وصلت إلى وسط مدينة عفرين، وذلك يتزامن مع مرور شهرين على بدء الحملة العسكرية "غصن الزيتون" في المنطقة التي تسيطر عليها ميليشيات كردية أبرزها حزب وحدات حماية الشعب الكردي وحزب العمال الكردستاني الذي تعتقل تركيا زعيمه عبد الله أوجلان، وإن هي إلا ساعات حتى أُعلن عن سقوط المدينة.
بدأ العدوان التركي المُباشر على عفرين وضواحيها يوم 19/1/2018 حيث بدأت الطائرات الحربية والمدفعية تمهيدها الناري باتجاه مواقع المسلحين الكرد في المنطقة، الأمر الذي تمت صياغته إعلاميًا وكأنه خطوة صراعية صدامية تجاه الولايات المتحدة التي تمول وتدعم عسكريًا المجموعات الكردية والتي لطالما اعتبرتها تركيا مجموعات إرهابية، وأبدت انزعاجها من الدعم الأميركي لها.
موقف الحكومة السورية الثابت تجاه هذه المسألة يتلخص في أن سوريا تنظر للوجود التركي والهجوم على عفرين على أنه انتهاك للسيادة السورية، وأن كافة القوات المتواجدة دون موافقة الحكومة السورية هي بمثابة قوات احتلال، ومن هنا كان الجيش السوري قد هدَّد قبل انطلاق العملية العسكرية التركية بالرد على أي عدوان تركي وبإسقاط الطائرات المنتهكة للأجواء السورية.
انسحب المراقبون العسكريون الروس من منطقة عفرين مع بدء العملية التركية، ونددت سوريا بالهجوم، أما الولايات المتحدة فبقيت على موقفها الغامض، إذ أعلن البنتاغون في أميركا وقف تزويده المسلحين الأكراد بالسلاح الثقيل، وفي نفس الوقت طالب تركيا بوقف عملياتها، كما وفي الوقت ذاته لم يتحرك جديًا لدفع تركيا إلى وقف هجومها، مما يُفسر بأحد أمرين، إما أن الولايات المتحدة قد نسقت مع أردوغان مسبقًا ووافقت على العملية وأن كل ما صرحت به كان مجرد تسويق إعلامي، أو أن أميركا ذاتها تعاملت هذه المرة كما تتعامل مع أتباعها عبر تاريخها عند ضعفهم، لا سيما وأن مصلحة أميركا مع تركيا بوصفها عضوًا في حلف الناتو تعتبر أهم من علاقتها بالأكراد الذين يشكلون عبئًا ماليًا على الإدارة بحسب عقلية ترامب!.
بعد التمهيد بالمدفعية والطائرات، سرعان ما بدأ الجيش التركي بالهجوم البري، ترافقه مجموعات وكتائب الجيش الحر، فاستنجدت الوحدات الكردية المسلحة بالجيش السوري، فيما اعتبره بعض المراقبين محاولة لتوريط الجيش والحكومة السورية بصدام مباشر مع تركيا وبخاصة مع تراجع الولايات المتحدة عن دعم الأكراد.
يتواجد في عفرين عشرات الآلاف من المدنيين، وليس هناك إحصائية حقيقية لعدد أفراد المجموعات الكردية المسلحة المختلفة الذين حوصروا لعدة أيام قبل الحسم وقطع الدعم عنهم بعد أن استكمل المهاجمون الإطباق على عفرين المدينة من كل جانب وإثر سقوط العديد من القرى التي تقع حول عفرين والتي تتبع لها إداريا، أمام هذه الوقائع فإن سقوط عفرين بدا بالمعنى العسكري مسألة وقت فقط.
بالإمكان العودة إلى العام 2016 قبل نحو عامين من الآن لفهم أعمق للهدف السياسي من هذا الهجوم حيث أعلن وقتها أردوغان عدم قناعته بمعاهدة لوزان 1923 التي ترسم حدود الدولة التركية القائمة حتى الآن، ومن المهم الانتباه أن تصريحات العديد من أفراد ومسؤولين في حزب أردوغان تروج لأن أجزاء من حلب والموصل هي "حق تاريخي و جزء من الأراضي التركية"، بل إن العديد من الصحف التركية دأبت على نشر خريطة ترجع إلى ما قبل اعتماد معاهدة لوزان المذكورة، ويبدو على الخارطة المنطقة المحاذية للحدود التركية الحالية مع تضمين المنطقة المحاذية الممتدة من حلب إلى الموصل، كما تتضمن جزر بحر إيجة اليونانية!
يرى العديدون أنه من النقطة السابقة يمكن فهم أن هناك دوافع تاريخية وسياسية أعمق من كونها ردًا على سيطرة "مجموعات كردية إرهابية" أو وأد لتقسيم سوريا كما يقول أردوغان، أو منع الأكراد من إقامة دولة قومية عنصرية بين سوريا و العراق وتركيا، مع العلم أن أردوغان يدغدغ المشاعر العربية بوعده إعادة المهجرين السوريين غير الكرد الذين كان المسلحون الكرد قد هجروهم من المنطقة على أساس قومي، وبالتالي يمكن فهم ذلك –كما تشير التقديرات- على أنه محاولة إعادة تكوين وتمكين مجموعات من الجيش الحر في المنطقة بإشراف ودعم تركي مباشر تشكل غطاءً للمطامع الاستراتيجية!.
هذا الأمر يعيد دفة الصراع المسلح في المنطقة إلى نقطة البدء التي برزت جليًا في العام 2012 - 2013 وبالتالي يمكن فتح جبهة جديدة للصراع مع الحكومة السورية.
فتركيا كانت قد بدأت في 24 أغسطس/ آب من العام 2016، حملة عسكرية ضد تنظيم "داعش" بريف حلب الشرقي، وسيطرت خلالها على جرابلس ومدينة الباب، كما احتلت عشرات القرى الممتدة على طول 90 كيلومترًا داخل الخط الحدودي السوري التركي وبعمق يصل إلى 30 كيلومترًا داخل الأراضي السورية!.
تعتبر عفرين منطقة جبلية تتخللها السهول الزراعية وتبلغ مساحتها نحو 3850 كيلومترًا مربعًا – نحو ثلث مساحة لبنان-، وهي تقع على نهر عفرين في شمال غرب الجمهورية العربية السورية وتتبع إداريًا لمحافظة حلب التي تبعد عنها نحو 60 كيلومتراً، كما تقع في الشمال الغربي من إدلب، وبالتالي فهي تحاذي الحدود التركية من جهة الغرب والشمال، وتضم المنطقة عشرات القرى حولها، وتعتبر من أهم مناطق سوريا بإنتاج الزيتون وزيته.
وبحسب الحكومة السورية فإن عدد سكان منطقة عفرين بلغ أكثر من (500.000) نسمة حسب إحصائيات العام 2012، غير أنه وبسبب الحرب في سوريا والنزوح إلى عفرين يقول الأكراد إن عدد السكان الآن يزيد عن المليون.
التقديرات أيضًا تفيد بأن عفرين كانت تحتوي عند بدء الهجوم التركي نحو (20.000) مقاتل، وقد تم رفدها بالمئات من المقاتلين الأكراد منذ بدء الهجوم الذي سمته تركيا "عملية غصن الزيتون".
أدت العمليات العسكرية إلى نزوح الآلاف من المدنيين هربًا من القصف والقتال، وقد خرج في الأيام القليلة الماضية على كتابة هذا التقرير أكثر من خمسين ألف مدني سيرًا على الأقدام وفي ظروف مناخية وأحوال طقس صعبة في مشهد اعتبر من قبل منظمات الأمم المتحدة مأساة إنسانية.
الوضع العسكري الآن على الأرض يفيد بتحقيق أهداف الحكومة التركية وتفكك الدفاعات الكردية، حيث وصلت القوات التركية والحليفة لها إلى وسط مدينة عفرين وخلال ساعات كان المقاتلون المهاجمون يرفعون الأعلام في ساحة وسط المدينة معلنين الاستيلاء عليها، بينما يتوعد المقاتلون الأكراد بأن سقوط عفرين وهزيمتهم لن تكون نزهة وأنهم سيقاتلون بوسائل أخرى، ما يؤشر إلى شراسة قادمة في العمليات الخاطفة كما أعلن بعد سقوط المدينة.
لكن حتى اللحظة، يبدو كل ذلك الصراع في المنطقة وشراسته منسجمًا مع النوايا الكردية المهتمة بخلق كيان في سوريا "كردستان سوريا" والذين لم يفقدوا الأمل بالدعم الأمريكي له بحسب تصريحاتهم الأخيرة، كما يبدو من الناحية التركية لمن يعود إلى الذاكرة مع بداية الحرب في سوريا حين طرح أردوغان وحكومته مرارًا فكرة المنطقة الآمنة على الحدود التي تنسجم مبدئيًا مع ما يجري من اجتياح جغرافي للمناطق ذاتها وبخاصة أن أردوغان يتحدث عن مرحلة تالية لاستكمال المنطقة "الآمنة" بحجة معلنة هي إبعاد المسلحين الكرد عن حدود تركيا، وهذه الحجة لا تخلو من نوايا قومية وسياسية أخرى، تطال سيادة ووحدة الأراضي السورية.
الوحدات الكردية تعهدت عقب سقوط المدينة بشن عمليات دائمة ضد المحتلين وهو ما أكدت عليه في بيان لها صدر في 18/3/2018، بينما يسعى أردوغان إلى التمدد أكثر وهو ما ستبينه الأيام القادمة.

