قبل خمسين عاماً، في 16 مارس 1968، هاجم الجنود الأمريكيون قرية ماي لاي الفيتنامية، على الرغم من أن الجنود لم يواجهوا أي مقاومة، إلا أنهم ذبحوا أكثر من 500 امرأة فيتنامية وطفل ورجل مسن على مدى أربع ساعات، في جريمة مروعة حاول الأمريكيون إخفاءها بكل جهد ممكن، ثم لم يحاكم جديا أي من المجرمين الذين ارتكبوها، لتصبح فيما بعد ما عرفت باسم مذبحة (ماي لاي) وصمة على ضمير العالم، وعلامة لا تزول على وحشية النظام والجيش الأمريكي وحقيقة العدوان الإمبريالي على فيتنام. ورغم أن الأمريكان قتلوا فعليا مئات آلاف الفيتناميين وأحرقوا مئات القرى بالنابالم والقنابل والصواريخ وكل ترسانة السلاح حينها، غير أن "ماي لاي" هي التكثيف العنيف والصارخ للمجزرة الأكبر والأكثر تعبيرا ربما.
قد تستفز البعض هذه الأيام كلمة "العدوان الإمبريالي" ولكن للأسف (بما يخصهم) لا يوجد تعبير آخر من الممكن استخدامه للتعبير عن حقيقة ما فعله الأمريكان مع عملائهم من دمى سايغون في تلك الأوقات التي وإن سجلت هذا المقدار من الوحشية والبربرية التي مارسها الجندي الأبيض بخلفية عنصرية عرقية، إلا أنها سجلت أيضا ملحمة الصمود والمقاومة التي اجترحها الشعب الفيتنامي "من تحت ميت ألف غارة" كما قال شيخنا إمام.
أثناء بحثي عن المادة المرجعية لهذا النص، كنت أتوه أحيانا وأكتب في محركات البحث، بلغتين "كفر قاسم" بدلا من "ماي لاي" مرتين أخطأت وكتبت "العامرية"، ولكن ماي لاي، التي يمر عليها في هذه الأثناء خمسون عاما ولم تنطوي جراحها تبدو كافية للتعبير عن حقارة الإنسان المجبول بالعرقية والطمع الاستعماري البغيض وأكثر عن حقارة العميل الذي يرتضي أن يكون لعبة "ماريونيت" في يد جلاد شعبه، ثم لا يكون نصيبه إلا لكمة على وجهه تمنعه من ركوب آخر طائرة للهرب، كما حدث مع أحد دمى سايغون في لحظة الهروب الأخيرة.
وقد كتب الصحفي الأمريكي غاريت بورت ريف مقال له في الذكرى الخمسين للمذبحة: "كانت سياسة البنتاغون، من خلال الاستدلال الواضح، إن لم يكن توجيهًا صريحًا، هي معاملة المدنيين الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها الشيوعيون كمقاتلين أعداء".
الشهادات عن المذبحة لا تعد ولا تحصى، وكذلك المقالات والأفلام وغيرها، ولا يهدف هذا النص إلى استعراض توثيقي لما حدث ونتائجه ولكن الغاية منه التذكير بهذه الفجيعة التي ارتكب الجيش الأمريكي العشرات مثلها بلا شك في كمبوديا ولاوس وأفغانستان والعراق، وحتى في فرنسا عند تحريرها من الفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية ارتكب الجنود الأمريكيين جرائم قتل واغتصاب جدير بالولايات المتحدة أن يندى لها جبينها لو كانت هذا الدولة القاتلة تمتلك حدا أدنى من الضمير.
ماي لاي
لم يكن من الممكن أن يتم الكشف للعالم عن تلك المذبحة الرهيبة فيما أصبح يعرف باسم مذبحة ماي لاي، لولا مراسل شاب يدعى سيمور هيرش كشف عن طريق الصدفة/ بسبب شخص قرر كسر الصمت، معلومات عن أن جنديا يدعى ويليام كالي يبلغ من العمر 26 عاماً قيد التحقيق لقيامه بقتل 109 مدنيين فيتناميين .
كان اسم العملية للجيش الأمريكي في القرى والملاجئ الفرعية في تلك المنطقة هو بينكفيل، وكانت المذبحة يشار إليها في البداية باسم مذبحة بينكفيل، وفي وقت لاحق، عندما بدأ الجيش الأمريكي تحقيقه، غيرته وسائل الإعلام إلى مذبحة سونغمي. وفي الوقت الحالي، يشار إلى الحدث باسم مذبحة ماي لاي في الولايات المتحدة ويطلق عليها اسم "مذبحة سان موي" في فيتنام. مع العلم أن القرية تقع في فيتنام الجنوبية أي في المنطقة التي يفترض أنها تستضيف القوات الأمريكية، ولكن هذا يثبت أن الولايات المتحدة لم تكن ترى في الجنوب أو الشمال سوى مجموعة العملاء في سايغون الذين لم تتردد بتركهم وراءها حين حانت ساعة الحقيقية.
فما الذي حدث؟
في 16 آذار/مارس وصل الجنود الأمريكيون إلى قرية ماي لاي الفيتنامية، الساعة 7.30 صباحا بالتوقيت المحلي، وقال جندي أمريكي إنه أمر "بقتل أي شيء يتنفس". كانوا بقيادة النقيب أرنست ميديا الذي كلف بمهمة ملاحقة وحدة من المقاومة الفيتنامية في تلك الأنحاء، وكان قد سبقهم إلى المكان جنود من وحدة القتال المسماة "تشارلي"، من الكتيبة الأولى التابعة لفوج المشاة العشرين في اللواء الحادي عشر، بقيادة الكولونيل ك. هندرسون، الذي حث ضباطه على "الذهاب إلى هناك بقوة، والإطباق على العدو وإزالته". وفي المقابل، أمر قائد الكتيبة الأولى "باركر" بإحراق المنازل وقتل الماشية وتدمير الإمدادات الغذائية وتسميم الآبار.
كانت وحدة "تشارلي" قد فقدت عددا من القتلى في قتالها مع المقاومة الفيتنامية، وكانت تتحرك بدافع الانتقام والثأر، وعندما لم يجدوا "العدو" قتلوا المدنيين لإرواء التعطش للدم.
اقتحمت القرية ثلاثة فصائل، إحداها جمعت الناس ووضعهم جنودها في خندق، الفصيلين الآخرين انتقل جنودهما من بيت إلى بيت، قتلوا، اغتصبوا، شوهوا، في الساعة الواحد ظهرا، كان هناك رجل شريف مع اثنين من مساعديه، نقول هنا شريف بمعنى عسكري ملتزم بقواعد القتال، كان قائد مروحية يدعى هيو طومسون أمر مساعديه بتوجيه رشاشاتهم إلى الجنود المنغمسين في المذبحة، وأوقف المجزرة لكن بعد سقوط مئات من الضحايا.
عشية الهجوم، في إحاطة عسكرية قال النقيب إرنست ميدينا لرجاله أن جميع السكان المدنيين تقريباً في القرى الصغيرة في قرية سين مو قد غادروا إلى السوق بحلول الساعة 7:00 صباحاً، وأن كل من سيظل سيكون من المتعاطفين مع "فيتكونغ" وسئل عما إذا كان الأمر يشمل قتل النساء والأطفال. وفي الإجابة عن السؤال جاءت الشهادات اللاحقة مختلفة فقد شهد بعض الجنود بما في ذلك قادة الفصائل، أن الأوامر، كما فهموها، هي قتل جميع المقاتلين الفيتناميين الشماليين و "المشتبه بهم" (بما في ذلك النساء والأطفال، وكذلك جميع الحيوانات)، وحرق القرية، وتلويث الآبار. ونقل عنه البعض قوله إن جميع السكان من "الفيتكونغ" .
وكتب وليام توماس أليسون، أستاذ التاريخ العسكري في جامعة جورجيا الجنوبية، "بحلول منتصف الصباح، قتل أعضاء سرية تشارلي مئات المدنيين واغتصبوا أو اعتدوا على عدد لا حصر له من النساء والفتيات. لم يواجه الجنود أي عدو ولم يعثروا على أي سلاح".
في شهادة طومسون يذكر إنه شاهد القتلى والجرحى من المدنيين أثناء تحليقه فوق سون ماي وكان يظن أنها معركة ويريد تقديم دعم جوي، وشاهد الجثث من المذبحة التي كانت مستمرة وسأل رقيبا وجده هناك يدعى ديفيد ميتشل إذا كان يمكن أن يساعد في إخراج الناس من الخندق، فأجابه الرقيب بأنه "سيساعدهم على الخروج من بؤسهم"، ثم عندما انطلقت المروحية بدأ ميتشل بإطلاق النار على المحتجزين.
كان هاجس القيادة العسكرية الأمريكية هو إخفاء الحقائق والتستر على الجريمة بأي ثمن، لدرجة أنه بعد تقرير طومسون أصدر الكولونيل هندرسون رسالة تشريف إلى النقيب ميدينا في 27 آذار/ مارس 1968. وفي اليوم التالي ( آذار/28 مارس)، قدم قائد فرقة العمل باركر تقريرًا عن العمل القتالي لعملية 16 آذار/مارس والذي ذكر فيه أن العملية في ماي لاي كانت نجاحا زاعما قتل 128 من أعضاء "فيتكونغ" وأرسل قائد الفرقة الميجور جنرال إس دبليو كوستر رسالة تهنئة إلى الوحدة، وكذلك الجنرال وليم سي ويستمورلاند، رئيس قيادة المساعدة العسكرية، الذي قال في رسالة التهنئة أنهم" عالجوا [العدو] بضربة قوية ".
لاحقا كتب طومسون في مذكراته: بأن "الذبح الواعي للأطفال العزل، والأمهات، والرجال المسنين هو نوع من الكابوس الشيطاني، بطيء الحركة الذي استمر في الجزء الأفضل من اليوم، مع استراحة للمنفذين بدم بارد لتناول طعام الغداء " وأضاف في مذكراته أن الرقيب كالي، كان يحمل قنبلتين عند وصول طومسون، فما كان منه إلا أن ألقاهما في الخندق ليقتل المزيد قبل اعتقاله.
جندي آخر زعم أنه لم يستطع المشاركة في المجزرة، كان جنديا أسود يدعى هربرت كارتر أطلق النار على قدميه لكي لا يشارك، يقول "رأيت رجلاً مسنًا يقف في وسط حقل الأرز يلوح لنا بطريقة ودية، لكنهم أطلقوا النار عليه، لم أكن أرى فيتكونغ في القرية، ولم يهرب سوى المزارعين الفقراء من أكواخهم المحترقة، ثم أطلقوا النار عليهم"، ولكن التحقيقات بينت أن هذا المدعي ربما أصاب رجليه بالخطأ وليس بسبب ضميره، حيث أنه أطلق قذائف مضادة ضد المدنيين الهاربين ولم تتبين نتائج هذا القصف. عند هذه النقطة يجب القول أن سرية شارلي لم تكن وحيدة العرق بل مختلطة، ما يعكس طبيعة النظام الذي حول الرجال إلى آلات قتل وحشي بغض النظر عن لونهم.
الإعلام
ظهر أول ذكر لمذبحة ماي لاي في الإعلام الأمريكي بعد صدور البيان الصحفي الغامض لـ قيادة المنطقة الجنوبية بشأن التهم الموجهة ضد الملازم كالي، والتي تم توزيعها في 5 سبتمبر 1969.
ونتيجة لذلك، بثت شبكة أن بي سي في 10 أيلول / سبتمبر 1969 جزءا في تقرير هنتلي - برينكلي الذي ذكر مقتل عدد من المدنيين في جنوب فيتنام، بعد ذلك، قرر رونالد ريدنهور الذي كلف سابقا باستطلاع الوضع وأهملت كل تقاريره، بجرأة عصيان أمر الجيش بحجب المعلومات من وسائل الإعلام، واتصل بالمراسل بن كول من فينيكس، الذي اختار عدم التعامل مع السبق الصحفي، في حين كشف تشارلز بلاك من شركة كولومبوس إنكويرر عن القصة بنفسه، لكنه قرر أيضًا تعليقها. وتلقت اثنتان من أهم وسائل الإعلام الوطنية، وهما صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست، بعض المعلومات الجزئية ولكنهما لم تتصرفا بشأنها.
لقد كانت وسائل الإعلام الوطنية الأمريكية تتصرف كما تربت في النظام الإمبريالي كخادم مطيع لسياسات الإدارة الأمريكية، وتعلمت هذه الصحافة والنخب السياسية كيف أن المذبحة لا تعتبر مأساة تعكس سياسة الولايات المتحدة، الرسمية، ومنذ صدور تقرير لجنة التحقيق عن ماي لاي إلى الجمهور في تشرين ثاني/ نوفمبر 1974 (تم نقل التقرير المكتمل إلى رئيس أركان الجيش في آذار/ مارس 1970)، اعتقدت الصحافة والجمهور أن اللجنة، بقيادة الجنرال وليام بيرز، لم تكشف فقط عن حجم المجزرة بل كشفت عن التستر عليها، مما أدى إلى تورط الضباط على طول الطريق وصولا إلى قائد الفرقة الأمريكية، الجنرال صامويل كوستر.
لكن ما لم تفهمه الصحافة والعامة أبداً، هو أن اللجنة كانت متورطة في تغطية أكبر: فقد بُرأ قائد القوات الأمريكية في فيتنام، الجنرال وليام ويستمورلاند، من أي مسؤولية عن ماي لاي، على الرغم من حقيقة أن سياساته، التي تم نقلها إلى مرؤوسيه تتمثل في معاملة المدنيين الذين بقوا في فيتنام الشمالية كمقاتلين أعداء.
في 22 تشرين الأول / أكتوبر 1969، تلقى الصحفي المستقل، سيمور هيرش، مكالمة هاتفية كسرت جدار الصمت الذي كان يحيط بمذبحة ماي لاي. حاول هيرش في البداية بيع القصة إلى مجلات لايف ولوك، ورفضتاها على حد سواء، بعد ذلك ذهب هيرش إلى خدمة أخبار ديسباتش الصغيرة التي مقرها واشنطن، والتي أرسلتها إلى خمسين صحيفة أمريكية كبرى، ثلاثون منها قبلوا بنشرها، وقد قام مراسل صحيفة نيويورك تايمز، هنري كام بمزيد من التحقيقات، وعثر على العديد من الناجين من مذبحة موي لاي في جنوب فيتنام.
بعد ذلك، نشر بن كول مقالاً عن رونالد ريدنهور، وهو المدفعي الذي كان من بين أوائل الذين بدأوا في الكشف عن الحقيقة حول مذبحة ماي لاي وكان هناك دليل للصور حول المجزرة ما جلب المجزرة إلى قلب النقاش العام الأمريكي حول الحرب، بعد ذلك، بدأت المقابلات والقصص المرتبطة بالمذبحة تظهر في الصحافة الأمريكية والدولية.
التحقيق
جهود التستر والتغطية كان الهدف منها منع إدانة أي ضابط أو جندي أمريكي بارتكاب جرائم حرب وهكذا تم إسقاط التهم أو تبرئة 25 ضابطا وجنديا من أصل 26 تم التحقيق معهم ماعدا شخص واحد كانت الوقائع التي ارتبطت به أكبر من قدرة الجهاز على إخفائها وهو الملازم وليام كالي سابق الذكر، الذي اتُهم بقتل 102 من المدنيين ووجد مذنبا وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ولكن لاحقا أفرج عنه في أيلول / سبتمبر 1973 بعفو من وزير الدفاع هوارد كالوي بعد أن قضى ثلاث سنوات ونصف في لإقامة الجبرية وليس في السجن، وهكذا ببساطة تكرر المشهد في جريمة أبو غريب العامرية وسجلت ضد مجهول.
ماي لاي لاتقف وحيدة
يستحيل على أي نص كهذا الإحاطة بتاريخ الجرائم الأمريكية من قبيل ماي لاي، أو ما هو أضخم منها وأفظع دون الكلام عن جرائم لا يمكن وصفها مثل قصف هيروشيما وناغازاكي.
ولكن التاريخ يبين لنا أن هذه سلسلة طويلة من الجرائم وسمت التاريخ الإمبراطوري لهذه لدولة، قافزين عن المجزرة الأصلية التي جلبتها إلى الحياة بإبادة الملايين من السكان الأصليين في القارة الجديدة. لنتذكر مثلا كيف تم تصنيف اليابانيين ضمن قائمة الشعوب المتوحشة الخاصة بالسياسة الأمريكية والجيش الأمريكي، في أربعينيات القرن الماضي، ويرد في رسالة وزعتها القيادة الأمريكية على المستويات العليا فيها "إن جمجمة الياباني متخلفة عن جمجمتنا –الأنجلوساكسون- بأكثر من ألفي سنة". ويروي مراسل عسكري في الأتلانتيك مونثلي "لقد قتلنا الأبرياء ومحونا المستشفيات من الوجود وأغرقنا مراكب الإنقاذ وقتلنا المدنيين وعذبناهم، وأجهزنا على الجرحى، وقدناهم إلى حفر جماعية".
في الثالث من تموز عام 1996 عرضت قناة هستوري الأمريكية فيلما وثائقيا تضمن مشاهد حية أصلية لجنود أمريكيين وهم يقطعون رؤوس الفيتناميين ويعرضونها في مهمة أشرفت عليها وكالة المخابرات المركزية عام 1967، وأطلق عليها اسم "العنقاء" وكان اسم الفيلم "قيام العنقاء". وقد اعترفت وزارة الدفاع الأمريكية ان ضحايا عملية "العنقاء" وصل إلى 26369 قتيل، و33358 معتقل، ويؤكد روي بروسترمن أستاذ القانون في جامعة واشنطن أن عملية العنقاء شملت فيتنام والفلبين والسلفادور، وزاد عدد ضحاياها في فيتنام وحدها عن أربعين ألف قتيل في الفترة ما بين 1968-1971، معظمهم من المدنيين، دون أن نتطرق للشهادات المرعبة التي أدلى بها الجنود منفذي المجازر. وكانت مجلة كنتري سباي قد وصفت في عددها ربيع/صيف 1975 عملية العنقاء بأنها أكبر برنامج للقتل الجماعي المنظم يشهده العالم منذ معسكرات الموت النازية. أما مجزرة قندهار فهي علامات أخرى للعار الأمريكي، وقد وقعت صباح 11 آذار/ مارس عام 2012، عندما قتل الجنود الأمريكيون 16 مدنيا وأصابوا ستة آخرين في بانجواي في قندهار بدون أي سبب، وكان تسعة من الضحايا من الأطفال و11 عشر ضحية من عائلة واحدة، وقام الجنود بإحراق جزئي لبعض الجثث، وحكم على أحد مرتكبيها الرقيب روبرت بيلز في 23 آب/أغسطس 2013 بالسجن مدى الحياة. أما مجزرة بلالانجيجا، فهي ما لا يمكن مقارنته ما ذكرنا سابقا، حيث قامت عناصر أمريكية بقتل الآلاف من الفلبينيين المدنيين ابتداء من أواخر أيلول /سبتمبر 1901 ولغاية آذار/ مارس عام 1902، في بلدة بلالانجيجا بإيعاز نمن الجنرال جاكوب أتش سميث، الذي أمر قواته بقتل كل فلبيني يبلغ من العمر أكثر من عشر سنوات كرد انتقامي على إحدى عمليات المقاومة. هذا غيض من فيض دون أن ننسى المليوني عراقي الذين قتلهم الغزو الأمريكي، ودون أن نزيل من العناوين المجزرة الدائمة التي يرتكبها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني بتمويل وتسليح وتغطية دبلوماسية وسياسية ودعم شامل من الولايات المتحدة الأمريكية.
أخيرا
استمرت الحرب 7 سنوات قبل فرار الأمريكان مدحورين وتحرير سايغون والقضاء على الحكومة الدمية في الجنوب، ويقدر الخبراء أن ما يصل إلى 2.8 مليون فيتنامي قد قضوا خلال الحرب، إضافة إلى 800 ألف في كمبوديا، ومليون في لاوس، بينما خسرت الولايات المتحدة 58000 جندي.
كما قلنا أعلاه تاريخ القتل لا ينتهي، ويبدو أن دم الشعوب هي ثمن بقاء الإمبراطورية، وأولئك الجنود ليسوا تفاحات فاسدة على الإطلاق بل هم نتاج النظام المبني على العنصرية البغيضة، التي تصنع القتلة والمطهرين العرقيين والمغتصبين وتوزعهم حول العالم، ليظهروا حضارة الرجل الأبيض الغاشمة.
ثمن الاستمرار الإمبراطوري مدفوع من "روح الإنسانية"، ومن حسن الحظ وجود ذاكرة أخلاقية لا تنسى ولا تتعامى عن الحقائق، ولا تزيف ولا تدعي براءة كاذبة مرتكزة إلى فجوة في ذاكرة الرأي العام. إن هذه البراءة الكاذبة كما يقول الكاتب التشيلي الأمريكي أريك دورفمان هي صفة كلية للإمبراطورية التي صارتها الولايات المتحدة، ما يحدث هناك داخل حدود الإمبراطورية أن الإعلام لا يقدم تحليلاً كاملاً للمعلومات للسماح للناس بالحكم بأنفسهم على ما يحدث، ولكن ما هو حقيقي أيضاً أن العديد من الناس يخضعون لنمط من الحياة يجعلهم يعمون أنفسهم طوعاً عن الحقائق التي يرونها بأنفسهم.
إن نبذ هذه الوسائل والجرائم لن يكون طوعياً، والوسيلة الوحيدة هي الانخراط في نضال عالمي لمواجهة العنجهية الأمريكية، وهو نضال شاق وطويل، لكنه ضروري حتماً من أجل إنقاذ البشرية من البربرية التي تمد أذرعها لتمزق كل ما هو خيّر في هذا العالم، معممة الجريمة والرعب، مقدمة المصالح العنصرية القومية الضيقة، على الاحتياجات الحقيقية لمستقبل آمن ومثمر وحرية حقيقية قائمة على خيارات الناس والشعوب في عالم أصبح مهدداً بسيطرة الفاشية التي يبدو أنها لم تهزم تماماً مع انتهاء الحرب العالمية الثانية.

