Menu

قانون المقاطعة الصهيوني: إما الصمت أو الانخراط في جرائم الاستيطان

بوابة الهدف/ أحمد.م.جابر

ببساطة، قامت المكارثية الأمريكية في سنوات سخونة الحرب الباردة، على مطاردة وعزل وإسكات وإلغاء كل من يتعاطف مع الشيوعية، أو يتحدث عنها أو يبدي إعجابه ببعض مظاهرها حتى لو كان هذا المظهر هو قصة شعر ناديا كومانشي. لوحق الآلاف، حوكموا، حرموا من ممارسة مهنهم، تم تدميرهم حرفيا والقليلين فقط نجوا من مجزرة الإرهابي جوزيف مكارثي.

 لكن هذا حال النظم المظلمة، التي تغرق في ممارساتها فتصبح هذه الممارسات القامعة هي التعبير الأبرز عن هويتها، فلا يختلف النظام الأمريكي عن النظام الصهيوني، الذي لا يرى إلا نفسه، ولا يريد أن يسمع صوى صوته.

مناسبة هذا هو أن "إسرائيل" كانت قد أقرت عام 2011 قانونا كان وما زال مثيرا للجدل في "المجتمع الصهيوني" يسمى "قانون المقاطعة" وبموجبه فإن "المواطنين الإسرائيليين" يصبحون مسؤولين قانونيا إذا ما اتبعوا طريق المقاطعة، دعموها أو انضموا إليها، أو شجعوا مقاطعة منتج أو شركة أو مؤسسة "إسرائيلية"، إذا كانت المقاطعة "تضر بالدولة". ومنذ ذلك الحين، تقوم الحكومة بتجميع تعديلات على القانون الأصلي، لغرض سن وتشريع إضافي يهدف إلى إسكات المعارضة الناشئة بسبب الانتهاكات المنتظمة لحقوق الإنسان للشعب الفلسطيني.

بموجب "قانون المقاطعة" يتعرض المدانون لغرامات لا تقل عن 8500 دولار أمريكي كتعويض ، إذا قاموا بإجراء علني بهدف التشجيع على عدم شراء منتج أو خدمة من شركة "إسرائيلية"، حتى لو كانت هذه الشركة متواطئة في انتهاكات "إسرائيل" للقانون الدولي و حقوق الإنسان الفلسطيني، أو القيام بذلك بشكل واضح. في مثل هذه الحالات، تعرف دولة "إسرائيل" نفسها باسم العلامة التجارية، وتمكن الشركات من رفع دعاوى انتقامية. مع العلم أنه لا يمكن العثور على شركة في الكيان الصهيوني لا تكون متواطئة مع الاحتلال بشكل أو بآخر. بل إن رأينا كفلسطينيين أن وجود هذه الشركة هو وجود استيطاني أولا وأخيرا على الأرض الفلسطينية.

كدليل على هذا التشريع المناهض للديمقراطية، حتى بشكلها الذي تزعمه دولة الاحتلال، إذا قرر مواطن "إسرائيلي" إلغاء عقد مع مزود الهاتف المحمول لخدمة سيئة ، فهو لا يتعرض للمساءلة القانونية، ولكن إذا كان يرغب في إلغاء عقد مع مزود خدمة الهاتف المحمول لتقديمه الخدمات للجيش الصهيوني، الذي يخضع بشكل منهجي الملايين من الفلسطينيين وينكل بهم في انتهاكات يومية لحقوق الإنسان مرتكبا جرائم حرب فقد يكون مسؤول قانونياً.

وكان التحفظ الوحيد الذي أبدته المحكمة العليا الصهيونية بشأن قانون المقاطعة، أثناء نظرها في الاستئناف في عام 2015 ، هو أن القانون ينص على أنه لا داعي لإثبات وجود علاقة سببية بين عمل مؤيد للمقاطعة والأضرار التي لحقت بالشركة المشتكية، وأُلغي هذا الشرط "الأضرار بدون مبرر"، لكن التشريع المتبقي يهدف إلى تهديد المدافعين عن حقوق الإنسان اقتصادياً وإجبارهم على الالتزام بالصمت.

واعتبارا من آذار/مارس 2018 ، يبدو أن "إسرائيل" مصممة على تقويض الحقوق السياسية "لمواطنيها" المعترف بهم ، ومواصلة دوس الحقوق التي لا الخاصة بالفلسطينيين في نظام احتلالها العسكري. وفي حالة إقراره، سيُدخل تعديل جديد على القانون على شرط "الأضرار - بدون - إثبات - ضرر" المعاد، مع دفع ثلاثة أضعاف مبلغ الغرامة.

هذا الإجراء هو جزء لا يتجزأ من طبيعة النظام الصهيوني ومسعاه لهندسة الرأي العام بما يتوافق مع مصالح الاحتلال والجيش، عبر إجبار الناس على الاختيار بين السكوت والتزام الصمت أو المشاركة في الاستيطان وجرائمه، فلا خيار ثالث، مع يثبت أن هذه الدولة ليست دولة طبيعية مهما حاولت.

وفي الوقت الذي تهدف حكومة الاحتلال إلى إسكات "مواطنيها" وإجبارهم على تجاهل جرائم جيشها إن أرادوا العيش بسلام، فإنها أيضا تستخدم أصحاب الشركات كبيادق ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، مما يجعل أصحاب الشركات هؤلاء متواطئين في جرائم الاحتلال، ويحدّون من قدرتهم على الالتزام بالقانون الدولي.

وهذا القانون يتسبب في إجهاض نظام العدالة الذي يزعمه الكيان الصهيوني،، ويتساءل المرء عن شكل هذا النظام الذي لا يعترف بالسكان أصحاب الأرض الأصليين الخاضعين لولايته القضائية، المعرضين للعنف الجسدي والاقتصادي والثقافي، ثم يزعمون أنها دولة ديمقراطية.

يكمن فهم الدولة الصهيونية في سياق تحديد طبيعة نظامها الفاشي، وكل نظام فاشي معني، بالتجانس وعدم الخروج على النظام العام، عبر هندسة الوعي مركزيا، فتصبح المؤسسات الحاكمة من جيش وأمن وسياسيين، هم من يحدد الصواب والخطأ وهم من يحدد ما يصلح للمواطن الخوض فيه وما لا يصلح.

وهذا الدمج وتذويب الفرد في الدولة، من ناحية الوعي والمصلحة، هو ركيزة أساسية لل نظام فاشي ليحافظ على بقائه ومنع أي شرخ في وحدته، فكا خروج عن النسق هو فعل عدواني موجه ضد النظام بالذات ولا يجوز السكوت عنه أو التهاون معه.

وبالتالي فإن هذا النظام معاد بطبيعته للديمقراطية والتعددية، وإذا كان مضطرا لقبولها فإنها مفلترة تماما لكي لاتصل إلى مجالات معينة، وهكذا بإمكانك كمواطن أن تغير شريحة خطك الخلوي لأنها لا تخدم جيدا، وبإمكانك أن تكتب عن هذا وتعلنه، ولكن ليس من حقك أن تكتب أنك تتخلى عن هذه الشريحة لآن الشركة تخدم الجيش المحتل وتساهم في قتل شعب آخر.

ختاما، وعبر ثنائية الإسكات أو الاندماج، مواطن مهمش أو مستوطن مسلح،  فمواطنو الدولة الفاشية يقذفون بالعراء (المنفى والتهديد والإبادة) ثم يؤخذون في مسار الطبيعة أو التاريخ كما تحلل أرندت بما يعني تسريع الحركة فيهما، فلا قبل لهم سوى أن يكونوا منفذي القانون الذي يلازمها (الحركة) أو يكونوا ضحاياه. وما يحتاج إليه الحكم في سبيل إرشاد ضحاياه هو الهيمنة التي تجعل كلا منهم جديرا بأن يؤدي دور الجلاد بمثل تأديته دور الضحية على أتم وجه.