Menu

تخفيض خدمات "الأونروا" في مخيم اليرموك.. لماذا الآن!

أرشيفية

دمشق _ خاص بوابة الهدف _ وليد عبد الرحيم

تشهد المراكز الصحية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطيني (أونروا)، في العاصمة السورية دمشق، تقليصاتٍ كبيرة، وتغيرات طرأت عليها إثر الأزمة المالية التي تعاني منها الوكالة الأممية خلال الفترة الماضية، وتقليص الدعم الخاصّ بها، ما أدى لتقليل الخدمات المُقدمة للاجئين الفلسطينيين هناك.

وفي زيارة لمراسل "بوابة الهدف" في دمشق إلى المراكز الطبية للأونروا، وبعض مراكز الإيواء والمدارس وأماكن توزيع المعونات الغذائية، لاحظ تغيراتٍ مختلفة، كانت بدايتها في مستوى الخدمات الصحية، وتقديم الأدوية، والعمليات الجراحية.

ويظهر في المراكز الصحية لـ(أونروا)، غياب العديد من الأدوية، بما فيها أدوية ضغط الدم والسكر والقلب، علمًا بأن الأدوية غالية الثمن كانت قد استثنيت منذ سنوات عدة، وأضيف إليها مؤخرًا استثناءات جديدة، أو تخفيضات بطريقة مرحلية تدريجية، حيث يجري إعطاءها شهر ومنعها شهر آخر.

وأصبح اللاجئ الفلسطيني يسمع بشكلٍ متواصل عبارات "لا دواء عندنا الآن، لم يصل!"، داخل المراكز الصحية للوكالة، ما يدفعه للشراء من الصيدليات الخاصة، حيث أصبحت حصة الأدوية خلال العام بأكمله لا تتجاوز نصف كميتها الأصلية أحيانًا.

ويقول أحد المستفيدين من الخدمات أنّ "المريض يقتنع بعد الحضور لاستلام دوائه، ناهيك عن أن هذه الأدوية التي يطالها التأخير ليس بدافع تأخر الشحن والوصول، فهذه الأدوية تنضم في قاسم مشترك هو أنها الأغلى ثمنًا، ما يدل على برنامج تخفيض معتمد غير معلن وقد لوحظ في السنوات القليلة الماضية".

وتشتكي المُهجرة من مخيم اليرموك، منال (30 عامًا)، من الربو المزمن، وتستلم عادةً حصتها من مركز جرمانا الصحي التابع لـ(أونروا)، لكنها تقول بأنها منذ عامين أصبحت حصتها متقطعة زمنيًا ثم أبلغت منذ أشهر عدة بانتهاء تقديم البخاخات الخاصة بمرضى الربو تمامًا.

أما قطاع العمليات الجراحية، فيعاني من تخفيضات واضطرابات مستمرة، وقد لوحظ في زيارة المراكز الصحية وجود تعليمات جديدة تطال العمليات الجراحية على مستويين أساسيين، الأول عدم الوضوح بل والتعتيم على المشافي المتعاقد معها من قبل الوكالة، فيسمع المواطن عبارة "نحن من يختار لك المشفى"، ما يؤدي إلى فرض التحويل مزاجيًا من قبل الطبيب في المركز.

وتفسّر الوكالة ذلك؛ بسبب عدم الاستمرار في تجديد التعاقد السنوي مع المشافي التي دأبت على التعاقد معها سنويًا. فيما يبدو أنها تسعى للتعاقد فقط مع مستشفيات زهيدة التكاليف، وهي التي تكون غير مجهّزة تمامًا، أو تلك التي تتبع للدولة وهي المكتظة بالمرضى بشكلٍ مبالغ فيه، بسبب الحرب والكم الكبير من النازحين والمرضى.

وفي الوقت ذاته، تعتبر المشافي السورية الرسميّة شبه مجانية وتتعامل مع المرضى من الفلسطينيين كما السوريين تمامًا، ما يجعل غير المستدعى من الوكالة تحويل المرضى إليها.

شح في توزيع الغذاء والمراكز التعليمية

وفي السياق ذاته، شهدت مراكز توزيع الأغذية التابعة لوكالة الغوث شحًا كبيرًا، حيث انحصر التوزيع بشكلٍ مفاجئ، في بعض المراكز، كمركز الأليانس في دمشق، حيث يتوجب على النازح الذهاب إلى مناطق بعيدة في بعض الأحيان، وهي مسافة طويلة تقدر بستين كيلو متر لاستلام الحصة الغذائية.

ويقول الرجل الستيني "أبو عمر" إن هذا يستغرق معه يومًا كاملاً مضنيًا بحيث أنه يسكن في منطقة الزبداني مهجرًا من مخيم اليرموك: "أنزل في الميكروباص نحو ضاحية قدسيا، وهذه ثلاث سفرات في الميكروباص، ليخبروني بأن التوزيع في مركز الأليانس فقط، وأنه لا كراتين هنا، ثم أعود متوجهًا للنزول من شمال دمشق إلى جنوبها الشرقي -35 كيلو متر-، عبر باصين، وأنتظر دوري، في المرة الأخيرة كان رقمي هو 1350 وكان قد وصل رقم المستلمين إلى 550 أي أنني سأنتظر ليمر قبلي 800 شخص"، ويضيف "ما يعني ساعات من الانتظار، وقد يقولون لك انتهى الدوام أو تعطلت شبكة الإنترنت أو ما شابه".

من ناحية أخرى، فقد خرج المئات من مخيم اليرموك مؤخرًا بعد اشتداد الاشتباكات بين تنظيمي النصرة وداعش الإرهابيين؛ ولم يصل النازحين من المخيم أيّ شيء من المعونات والإغاثة حتى أبسطها في الكثير من الحالات، ولم تستطع الجمعيات المحلية إغاثتهم، نظرًا لشح المعونات والإمكانات لديها، سواء على الصعيد الغذائي أو الطبي أو المالي، وكذا الأمر بالنسبة للمدارس أيضًا.

أما في الجانب التعليمي، فقد اتبعت الوكالة الأممية منذ بدء الحرب سياسة عدم إبقاء مدارسها ومدرسيها في المناطق التي تسيطر عليها المجموعات المسلحة، وهذا مفهوم بحسب سياسة الأمم المتحدة التي لا تتعاطى مع عناصر منظمات إرهابية، وهذا الأمر فتح المجال لهذه المجموعات بالسيطرة على المدارس وانتداب مدرسين مقربين منها في الغالب.

 وقد حاول "داعش" في وقتٍ سابق، بث مناهج خاصة به تحث على التطرف والإرهاب وبث أفكاره المتطرفة، ما دفع أهل اليرموك المتبقين للامتناع عن إرسال أبنائهم، وما دفع أيضًا بزيادة الانتهاكات بحق اللاجئين الفلسطينيين هناك، من جانب التنظيم الإرهابي.

أما عن النازحين من مخيم اليرموك، فإنّ الأونروا امتنعت عن تقديم خدماتها كاملة في التعليم لهم، ما يجعلهم غير قادرين على إرسال أبنائهم إلى المدارس، على الرغم من أن هذه المناطق هي مناطق تسود فيها التهدئة، وتعتبر مناطق آمنة.

يذكر أنّ وكالة الغوث تفتح مدرستين فقط في يلدا "الجرمق" البديلة فيما توجد مدرسة أخرى حكومية تابعة لوزارة التربية، وتقدم جزئيًا خدماتها، ومع ذلك فإنّها تبقى أقل من الخدمات التي تقدمها بالكامل في المدارس التي افتتحتها الأونروا بالتعاون مع وزارة التعليم السورية في مناطق النزوح التي تواجد فيها.

ويقول نبيل وهو نازح مؤخرًا من اليرموك، لـ"مراسل الهدف"، أنّ "غالبية التلاميذ في المخيم توقفوا عن التعليم، وابني واحد منهم، بلغ الآن 16 عامًا، وهو لا يعرف القراءة والكتابة، فقد امتنعنا عن إرساله لمدارس داعش وتعرضت لهذا السبب لمضايقات من قبل عناصرهم ووصفوني ذات مرة بالمنحرف".

ويضيف نبيل: "الآن خرجت من حي الزين في اليرموك إلى يلدا، هل من المنطقي أن يتعلم ابني الآن في هذا السن القراءة والكتابة؟ هل من المنطقي أن يدخل الصف الأول الابتدائي شاب بهذا السن؟! ليقول: "ضاع الولد".

جدير ذكره أن موظفي ومدرسي وكوادر الوكالة هم أيضًا يخشون على مستقبل عملهم، كما يخشى العديدون وفي كافة مناطق تواجد اللاجئين أن تكون سياسة الأونروا التخفيضية تمهيدًا لنفض اليد عن تبني "إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" الشعار التي ابتكرت من أجله من قبل الأمم المتحدة، سيما مع ارتباط ذلك بنوايا العدو الصهيوني، وتصريحات وخطوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المالية، وتقليص الدعم المستمر للوكالة الأممية، من قبل الدول المانحة، ويبدو أنّ كلّ ذلك لا يأتي مصادفةً.