Menu

عن معضلة الديمقراطية إلى معضلة المشاركة في الانتخابات المصرية

تعبيرية

القاهرة _ خاص بوابة الهدف

تشهد الفترة المقبلة مواسم انتخابية في العديد من البلدان العربية المختلفة، من بينها انتخابات رئاسية تجري في جمهورية مصر العربية، وتشريعية في لبنان والعراق، ومحلية في تونس. تأتي هذه الاستحقاقات وسط ظروف صعبة، سياسية واقتصادية وأمنية من ناحية، وعلى صعيد الارهاب ومواجهته من ناحية أخرى، فيما لا يزال سيد الموقف أمام مواجهة تلك التحديات للدولة العربية لحتى الآن؛ على صعيد معضلة التعددية السياسية والديمقراطية والظروف السياسية السليمة لإجراء انتخابات تنافسية حقيقة تضمن المشاركة الواسعة لقطاعات مختلفة من الشعب وقواه السياسية المدنية.

فالدولة المصرية تدخل مرحلة جديدة على صعيد الديمقراطية المُعدة جيداً أمام منافسة شكيلة يخوضها المرشح موسى مصطفى موسى، بمواجهة الرئيس عبد الفتاح السيسي، المرشح موسى هو رئيس "حزب الغد"، الداعم للحكومة. الذي قدم أوراقه للترشح في 29 يناير/كانون الثاني، وهو اليوم الأخير لتقديم الأوراق، بعد جهود من نواب برلمانيين موالين للحكومة لإقناعه بالترشح.

اللافت أنه حتى اليوم السابق لتسجيل ترشحه، كان موسى عضوا في حملة داعمة لترشح السيسي لفترة ثانية. سبق هذا احتجاز النيابة العسكرية المصرية، 23 يناير/ كانون الثاني، رئيس الأركان الأسبق للجيش المصري، الفريق سامي عنان، بعدما أعلن نيته الترشح للانتخابات، ووجهت له تهم مخالفة القوانين العسكرية والتحريض على الجيش، ولا يزال عنان محتجزا. فيما تراجع أحمد شفيق، رئيس الوزراء الأسبق عن منافسة الرئيس السيسي على الرئاسة بعد ما راج عن أنه تعرض لمضايقات وضغوط في منفاه الاختياري بدولة الإمارات ثم بعد عودته إلى القاهرة. والذي توج تلك المشهد بإعلان المحامي والناشط الحقوقي خالد علي ذو خلفية مدنية وحقوقية ، انسحابه من الانتخابات قائلا إنه تم القبض على كثير من مسؤولي حملته الانتخابية، واصفا ذلك بأنه "عملية مبيتة لتسميم العملية الانتخابية، وعدم إجرائها بحرية ونزاهة".

رغم ضعف المنافسة نسبياً؛ كثفت قوات الجيش المصري من استعدادات تأمين الانتخابات و مقارها في كل المحافظات بالتعاون مع وزارة الداخلية. وأنهت مصر الاستعدادات لإجراء الاقتراع الذي يتواصل لمدة 3 أيام، في مختلف المحافظات، عبر ما يقرب من 11 ألف مركز انتخابي، تضم أكثر من 13 ألفاً و700 لجنة فرعية تنضوي في 367 لجنة عامة. إضافة الى استمرار الحملة الامنية والعسكرية في شمال ووسط سيناء الذي بدأت في التاسع من فبراير للشهر الماضي بهدف القضاء على الجماعات الإرهابية هناك، والتي شكلت تهدياً وخطراً دائما على الدولة المصرية وشعبها.

وسط هذه التحديات راهنت الحكومة المصرية، برئاسة عبد الفتاح السيسي، على حشد انتخابي كبير لصالحه، في الانتخابات التي يحق لنحو 59 مليون مصري الإدلاء بأصواتهم فيها، والتي انطلقت يوم الاثنين الماضي، وانتهت يوم أمس الأربعاء. وكان السيسي يحاول ضمان حشد انتخابي ومشاركة واسعة كبيرة لصالحه، من خلال التنسيق الكامل في الدوائر والمؤسسات الحكومية والخاصة ورجال الاعمال والطوائف الدينية والمسيحية في مصر، من أجل ضمان نسبة مشاركة مرتفعة في الانتخابات الرئاسية. بهذا المشهد وهذه اللوحة والمخاطر المحيطة تقدم مصر على واقع انتخابي جديد مليء بالمتنافضات.

الشعب غير مؤهل للديمقراطية 

جاء حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في حديثه بالفيلم الدعائى «شعب ورئيس 2018»، علق على غياب المنافسة فى الانتخابات الرئاسية قائلا: "إنتم بتكلمونى فى موضوع أنا مليش ذنب فيه.. والله العظيم أنا كنت أتمنى أن يكون موجود معانا واحد واتنين وتلاتة وعشرة من أفاضل الناس وتختاروا زى ما أنتم عايزين ."قائلاً أيضا «إحنا لسه مش جاهزين.. للديمقراطية. مش عيب" ، وفي أقصى تعبير بالمقابلة قال إن "الشعب المصرى ليس جاهزا وغير مؤهل للديمقراطية"، وهي ليست المرة الأولى التى تساق تلك الحجة من كل حكام مصر السابقين ليستمروا على مقاعدهم حتى لا ينافسهم عليها أحد. كأسلافه، مرات عديدة اعتقد الرئيس الأسبق حسنى مبارك أن شعبه لا يستحق الديمقراطية، ولا يعرف كيف يمارسها، لذا أصدر مبارك تكليفا مبكرا لأجهزته بهندسة الاستحقاقات الانتخابية، فعينت تلك الأجهزة نفسها حارسا ينوب عن الشعب فى اختيار المرشحين ويصوت بدلا منه، و إمعانا فى توسيع نطاق المشاركة إلى مدى لم يصل إليه العالم، وكانت الأجهزة المكلفة بهندسة الانتخابات تستدعى الأموات للتصويت، والنتيجة، أغلبية مريحة للحزب الحاكم.

اللافت أنه قبل ثورة 25 يناير بشهور، قال أحمد نظيف رئيس وزراء مبارك وهو فى طريقه إلى أمريكا، إن «الشعب المصري غير مؤهل للديمقراطية»، قامت حينها الدنيا، فالرجل فتح على نفسه وعلى حكومته المصرية أبواب النار. لم تقف التصريحات عند هذا الحد ؛ حيث كرر الراحل عمر سليمان العبارة بعد أيام من اندلاع الثورة قائلاً إن «المصريين غير قادرين على ممارسة الديمقراطية» لصحيفة امريكية. ثم أعادها خيرت الشاطر الحاكم الفعلى لمصر فى عام حكم الجماعة، مؤكدًا فى مقابلة تلفزيونية أن: «الشعب المصري غير مؤهل لمشروع النهضة. فمشروع النهضة يحتاج إلى شعب مؤهل ومتحمس ومقتنع بالفكر». بهذه العقلية احتكم أغلب من حكم مصر على مدار أربعِ عقودٍ ماضية

معضلة المشاركة السياسية في مصر

قالت 14 منظمة حقوقية دولية وإقليمية، قبل أيام، إنّ الحكومة المصرية داست على أبسط متطلبات الانتخابات الحرة والنزيهة، في الانتخابات الرئاسية، حيث السلطات المصرية مرشحين محتملين وأوقفت مناصرين لهم، ويخيم على البلاد الظل الثقيل لقانون منع التظاهر الذي زج بموجبه بنشطاء أساسيين في ثورة 25/ يناير في السجون.

وقالت المنظمات: "على حلفاء مصر إعلان موقفهم الآن والتنديد بهذه الانتخابات الهزلية بدل الاستمرار في الدعم غير المشروط لحكومة تقود أسوأ أزمة حقوقية في البلاد منذ عقود".

بدورها طالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" السلطات المصرية بالإفراج فورًا عمن وصفتهم بأنهم "اعتقلوا بسبب انتقاد السلطة أو مشاركتهم في نشاط سلمي، وإسقاط تصنيفهم على لوائح الإرهاب". مضيفةً أنّ السلطات "شنت حملة اعتقالات تعسفية قبيل الانتخابات الرئاسية" التي وصفتها بـ "غير النزيهة".

في المقابل انتقدت الهيئة الوطنية للصحافة في مصر تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش، وقالت إنه يأتى في "سياق البيانات التحريضية التى اعتادت المنظمة نشرها وتتناول الأوضاع عن مصر على غير الحقيقة وتروج لوقائع دون أدلة أو أسانيد".

وأضافت الهيئة فى بيان أن التقرير المشار إليه جاء "مرسلا وبأسلوب غير مهني، وتغلب عليه شبهة ممارسة ضغوط سياسية على مصر، كعادة المؤسسة فى تناول الشأن المصرى واستغلالاً لظروف إجراء الانتخابات الرئاسية".

ويرى الكاتب الصحفي عبد الله السناوي أن الأجواء العامة في مصر لا تؤسس لانتخابات رئاسية تنافسية، لافتا لغياب المقومات الضرورية للتنافس.

وأوضح السناوي أن الدستور ينص على أن «نظام الحكم يقوم على التعددية السياسية والحزبية وتداول السلطة»، مضيفًا أنّ الانتخابات تجري الآن بلا منافسين جديين بل على منافسين صورين، وهو أقرب إلى استفتاء يعود بالبلد إلى ما قبل ثورة يناير، مضيفًا أنه في مثل هذه الحالة يصعب توقع أي إقبال على صناديق الاقتراع، كالتي شهدتها مصر فى جميع الانتخابات والاستفتاءات التي تلت الثورة.

اللافت أنه على مدار جولات متعددة للانتخابات المختلفة بمصر، ظلت المشاركة السياسية في الانتخابات المصرية محدودة جدًا تاريخيًا في مصر، ولم يرتفع معدلها نسبيًا إلا عندما أجريت انتخابات رئاسية تنافسية فعلا عام 2012 وبمشاركة من 7 مرشحين، أو في الانتخابات النيابية فى الأرياف بفعل العصبيات وعندما سمح القانون الانتخابي بذلك. أما اليوم هنالك اضطرابات عديدة بشأن المشاركة فى الانتخابات الرئاسية، والدعوة المحمومة إليها من خلال المظاهر المتعددة والحضور اللافت في الدعاية الانتخابية لرجال الاعمال وغيرهم من اصحاب المحلات التجارية، فيما يرافق هذا كيل الاتهامات للمقاطعين والممتنعين، المستشار محمود الشريف المتحدث باسم الهيئة الوطنية للانتخابات هاجم، خلال مؤتمر صحافي، في اليوم الثاني للانتخابات، الداعين لمقاطعة الانتخابات، قائلاً، إن «المقاطعة والعزوف عن الانتخابات لا يحوي أي مكاسب سوى لمن لا يريد خيرًا لهذا الوطن».

وحثّ المصريين على المشاركة في التصويت، قائلا: «المشاركة هي معنى الديمقراطية وجوهرها، وروح العملية الانتخابية». مضيفًا أنّ «عدم وجود أي شكاوى تتعلق بالتصويت حتى ثاني أيام الانتخابات».

وفي ذات السياق شهدت العاصمة القاهرة وعدد من المحافظات حملات مكثفة لحشد الناخبين للمشاركة في الانتخابات، حيث جابت سيارات وحافلات تحمل مكبرات الصوت شوارع عدد من المحافظات لحث المواطنين على التوجه لمراكز الاقتراع.

أحزاب المعارضة من جهتها تراهن على الطعن في شرعية العملية الانتخابية برمتها، و قد دعت إلى مقاطعة العملية الإنتخابية، ووصفتها بـ"المهزلة" و"المسرحية العبثية".

وترى الحركة المدنية الديموقراطية، التي تضم عددًا من الأحزاب والشخصيات السياسية المعارضة، أن ما وصفتها بـ"حملة القمع" التي سبقت التصويت أخلت الساحة من أي منافسين حقيقيين للرئيس الحالي، معتبرة ذلك بمثابة "مصادرة كاملة لحق الشعب المصري في اختيار رئيسه"، بينما أدلى الإرهاب بصوته في هذه الانتخابات من خلال تفجير حدث في مدينة الإسكندرية قبيل الانتخابات مستهدفا اللواء مصطفى النمر مدير أمن الاسكندرية.

ورغم مد التصويت في اليوم الثالث والأخير للعملية الانتخابية حتى الساعة العاشرة، وتتحدث الارقام الصادرة عن لجنة الانتخابات عن أن عدد المصوتين حتى اقفال صناديق الاقتراع لم يتجاوز 22 مليون، أيّ ما نسبته 33% تقريبًا من اجمالي عدد اصحاب حق الاقتراع، -وفقًا للإحصاءات الرسميّة-.

هذه الأرقام تلقي بظلال كثيفة على مستقبل الحياة السياسية المصرية، وبين سعي السلطات للتأكيد على أولوية محاربة الإرهاب وضبط الأمن، والمطالب الشعبية والحقوقية باسترجاع مكتسبات ثورة يناير، تبدو مصر أمام منعطف صعب بالفعل، وفي مقابل الاتهامات من انصار الحكومة للمنظمات الحقوقية والمعارضين بالارتهان للخارج والتورط في الإرهاب والسعي لزعزعة النظام، هناك كم كبير من الشكاوي حول قمع الحريات والاعتقال السياسي.