يروي المؤرخ أوري ميلشتاين، في صحيفة معاريف، بعض الواقع من سجلات أوري لوبراني [اشتهر كمنسق أعمال الاحتلال الصهيوني السابق في لبنان ما بين 1983 و2000]، وفي هذا النص، ترجمة معالجة لمقابلة طويلة أجراها ميلشتاين مع لوبراني قبل وفاته في 5 آذار/ مارس 2018، يشرح فيها أشياء تبدو مفاجئة، مثل رفض رابين عقد صفقة لاسترجاع الطيار رون آراد، وموقف شامير من احتمال قيام الثورة الإيرانية، واعتقاد المخابرات المركزية أن الشاه سيبقى 15 سنة أخرى. يتحدث لوبراني عن أسباب بقاء الجيش الصهيوني في لبنان فترة طويلة، وعن ضرورة تغيير النظام الإيراني وليس مجرد القضاء على البرنامج النووي.
الشاه سيبقى 15 سنة أخرى.
كان لوبراني مستشارا لوزير الحرب الصهيوني عند اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، حيث أن المعلومات الاستخبارية المبكرة، وصفت الحدث المتوقع بأنه سيشكل "خطرا كبيرا على إسرائيل" فإضافة إلى أن 95% من واردات الكيان الصهيوني من النفط كانت من إيران، فإن تحول الدعم الإيراني إلى الفلسطينيين، كان يعني مشكلة كبيرة، "فإيران ليست قطر (كإمارة صغيرة مهما بلغت ثروتها)".
يقول ميلشتاين أن لوبراني الذي عمل سفيرا للكيان لدى طهران في ذلك الوقت (حتى 1978) سافر إلى الكيان ليضع توقعاته أمام القيادة السياسية والأمنية، واجتمع حينها مع وزير الخارجية موشيه دايان، وقال له "سيدي، سيكون هناك تغيير ثوري في إيران، علينا التفكير في كيفية ترك إيران ، لأنهم لن يسمحوا لنا بالبقاء هناك ، ويجب علينا البحث عن مصادر أخرى للنفط". بدى من الاستجابة، توصل دايان إلى قناعة بضرورة استبدال لوبراني وإرسال سفير آخر حيث أنه اعتبر أن بقاءه وقتا طويلا في إيران قد أضر بقدرته على الحكم.
بعد عدة أيام، مرر لوبراني وثيقة لدايان حول الموضوع نفسه، وقال له أنه أعاد الصياغة وأرسله إلى المخابرات المركزية الأمريكية، مع التعليق أن هذا هو "آراء مصدر يعتمد عليه عادة". ردت CIA أنه وفقا لمصادر ها لن يحدث شيء في إيران خلال 15 سنة المقبلة. يكتب لوبراني " دايان كان يعتمد بشكل كبير على وكالة المخابرات المركزية وبدأ فورا البحث عن بديل".
عثر دايان على ضالته في يوسي هيرميلين رئيس الشين بيت، وكانت الاحتجاجات قد بدأت في إيران، وطلب لوبراني "يقول أنه توسل" من دايان ألا يرسل هيرميلين إلى طهران لأنه لن يبقي هناك على أية حال ، ولأنه كان جديدًا في الوظيفة ، سيجد صعوبة في العمل في ظل الظروف التي سيتم إنشاؤها. قال دايان بفارغ الصبر: "ستفعل ما قيل لك!"
وبعد مرور عام ، عندما اندلعت ثورة الخميني ، في اللحظة الأخيرة ، هرب هيرميلين في طائرة أمريكية بطاقم صغير ، و"كانت تلك نهاية صداقتنا مع إيران " يقول لوبراني.
كيف استحوذت إيران على لبنان طبقا للوبراني؟
يربط لوبراني النهوض الشيعي في لبنان بإيران مباشرة حتى ما قبل سقوط الشاه، ويسجل أنه في آذار/مارس 1978 عندما اجتاح الجيش الصهيوني الجنوب اللبناني ضمن عملية الليطاني، اشتكى الشاه لـ"إسرائيل" بأنهم كانوا يؤذون الشيعة، ويرى أن هذه إحدى العلامات المبكرة على المفهوم الإيراني الأساسي للمنطقة، و"قيادتها ومسؤوليتها للشيعة في جميع أنحاء العالم " بغض النظر عن شكل النظام الذي يحكم في طهران.
في عام 1983، تحديدا في 22 تشرين أول/ أكتوبر، تم الهجوم على مركز قيادة مشاة البحرية الأمريكية وقتل 341 من المارينز إضافة إلى 58 من القوات الخاصة الفرنسية ويزعم لوبراني أنه بدأ يلحظ حينها مدى التورط الإيراني في لبنان رغم أوحال الحرب مع العراق في ذلك الوقت.
الجدير بالذكر أن منظمة تطلق على نفسها "حركة الجهاد الإسلامي" أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم الذي تم تنفيذه بواسطتين شاحنتين قادهما استشهاديان، وهذه الحركة هي غير الحركة الفلسطينية، ويعتقد على نطاق واسع أنها كانت اسما بديلا ومؤقتا لحزب الله.
منذ 1983، ولغاية طرد آخر جندي صهيوني من لبنان عام 2000، بقي أوري لوبراني منسقا للعمليات لجيش الاحتلال، وقد تم تعيينه بعد إبعاد أريل شارون من وزارة الحرب بعد تقرير لجنة كوهين حول أحداث مذبحة صبرا وشاتيلا، وتعيين موشيه أرنز مكانه في الوزارة.
المنسق:
يقول لوبراني أنه عندما عرض عليه منصب المنسق من قبل أرينز اشترط أن يكون دوره ممثلا عن الحكومة ووزارة الحرب معا، وليس فقط كمندوب لوزارة الحرب، واشترط أن يرفق تعيينه بخطة خروج سريع من لبنان، وأن يوقع عليها كل من وزير الحرب أرينز ووزير الخارجية إسحاق شامير و رئيس الوزراء مناحيم بيغن، وأن هذا ما حدث غير أن شامير رفض التوقيع.
تبين أن شامير اعتقد أن لوبراني عضو في حزب العمل وأنه لا يجوز أن يمثل الدولة في هذه المهمة عضو في العمل، رغم أن لوبراني ينكر أن يكون عضوا في أي حزب. ولكن فيما بعد اقتنع شامير وحصل لوبراني على توقيعاته الثلاث.
لم يرغب آرنز في المغادرة
يقول لوبراني أنه رغم ذلك التعهد الذي حصل عليه بالمغادرة السريعة، لم يرغب آرنز بمغادرة لبنان، وكان يعتقد أن مشكلة "الإرهاب" في لبنان، يجب حلها أولا، مشيرا إلى حزب الله، لقد "أدرك الخميني أن الولايات المتحدة بشكل خاص والغرب لن يكون لهم أبدا مركز دائم في لبنان على الإطلاق ، وقد نجح في هذا".
وينقل أنه بعد الانسحاب الأولي جنوبا، اعتقد قادة الجيش أنه لا يجب الانسحاب دفعة واحدة، واعتقد قادة الجيش والسياسيون أنه يجب التعامل مع " المنظمة (حزب الله) بحيث لا تصبح عظمة في حنجرتنا ".
ويضيف، أن الجيش الصهيوني، قادته، أرادوا البقاء في لبنان لأنهم ظنوا أنهم يستطيعون منع المفاجآت وأن الوجود المادي للجيش سيسمح له بالسيطرة على المنطقة، ولكن هذا لم ينجح، وتحول الوجود هناك إلى أمر سياسي، ويزعم لوبراني أن من طرد "إسرائيل" من لبنان لم يكن حزب الله، بل "حركة النساء الأربع" الاحتجاجية.
مسموح في رفح ممنوع في لبنان:
في تصريح لافت يقول لوبراني أن أحد أخطاء الجيش الصهيوني في الجنوب أن الضباط والجنود كانوا يتصرفون حتى مع جنود جيش الجنوب (عصابة لحد) كما فعلوا مع الفلسطينيين في رفح: إذلالهم وركلهم ، ويقول "قلت للقادة: يا شباب هذه ليست رفح، أنتم ضيوف هنا وعليكم التصرف مثل الضيوف". ويعلق أوري ميلشتاين موجها كلامه للوبراني " حسنا، في رفح أيضا يجب أن نتصرف مثل البشر"!
يقول لوبراني أن معضلة الجيش الصهيوني في جنوب لبنان كانت أنه كان يجب أن يجمع السلاح من القرى الشيعية، وهذا أنشأ غضبا كبيرا لأن معظم عناصر جيش عصابة لحد كان من الشيعة وكانوا يخشون تحولهم إلى الضد، بينما الضباط كانوا من المسيحيين.
رون آراد
"يزعم لوبراني أن رون آراد، الطيار الصهيوني الذي أسر ثم فقدت آثاره في لبنان، كان محتجزا في بيروت الغربية في الطابق السفلي لمنزل زعيم حركة أمل نبيه بري "رئيس البرلمان اللبناني حاليا" وكان يقوم على حراسته رئيس أمن أمل مصطفى الديراني، يزعم لوبراني أن الديراني قرر الانشقاق عن أمل واتضح له أن احتفاظه بآراد يتطلب الكثير من الرجال والمال، لذلك باعه لحزب الله وعمليا البيع تم للإيرانيين
يزعم لوبراني أنه استقبل مبعوثين من نبيه بري للتفاوض على إطلاق آراد، وكان المطلوب مبلغا كبيرا من المال إضافة إلى الإفراج عن السجناء اللبنانيين، وهذا كان يمكن تمريره غير أن بري طلب أيضا سجناء فلسطينيين، وكان الرأي العام الصهيوني ما زال مصدوما من صفقة عملية "الجليل" التي اضطر الاحتلال خلالها للإفراج عن 1155 أسير، مقابل ثلاثة جنود أسرى لدى الجبهة الشعبية 0-القيادة العامة، ورفض رابين الصفقة، وأضاع فرصة استعادة آراد حسب لوبراني.
يقول لوبراني أنها ستكون معجزة إذا كان آراد ما زال حيا، فالأرجح أنه مات عندما حاول الهرب وجرح ، أو مرض ، ولم يكن يعرف كيف يتعامل معه ، أو أن الإيرانيين قد قتلوه.
استبدال النظام الإيراني
ويعتقد لوبراني أن هناك عدم فهم "إسرائيلي" لمسألة السلاح النووي الإيراني، لأن المشكلة ليست الأسلحة النووية ولكن من يضع إصبعه على زر الطاقة لذلك يرى أن الحل ليس في اتفاقية أو اتفاقية أخرى أو تدمير المفاعلات النووية ، ولكن استبدال النظام الإيراني "بنظام عاقل".
يضيف لوبراني، أن "إسرائيل" ليست العدو الرئيسي لإيران ولكنها كذلك كونها ممثلة الغرب في المنطقة وإن العداء الإيراني "لإسرائيل" لإرضاء العرب لكي يصطفوا معها لأنها تريد تدمير الغرب ويقدمون أنفسهم كرأس حربة الإسلام. ولكننا لا نعثر على جواب عند لوبراني على حقيقة أن معظم الدول العربية تعادي فعليا إيران ولا مانع لديها من التحالف مع كيانه ضد طهران.

