راجع جدعون ليفي في مقال له في هآرتس ما وصفه بأنه "سيرة ذاتية رائعة لمؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" والتي وردت في كتاب هو الأول من نوعه باللغة العبرية عن الدكتور جورج حبش ، القائد المؤسس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقبلها لحركة القوميين العرب. النص التالي يستند إلى مقال ليفي.
"هذا الكتاب ليس متغطرسًا ولا مستشرقًا ، إنه يحترم الأيديولوجية القومية الفلسطينية ومبدعيها ، حتى لو لم يتفق كاتبها بالضرورة أو يتطابق معها ، وهو أمر نادر جدًا في المشهد الإسرائيلي عندما يتعلق الأمر بالعرب عمومًا وبالفلسطينيين بشكل خاص. يمثل غاليا صراعا مريرا قاسيا لا يلين ، وفشل كثيرا ، وأحيانا قاسيا جدا ، من أجل الحرية ، واحترام الذات ، والتحرر "، بهذه الكلمات يصف ليفي كتاب غاليا غير المسبوق فعلا في إطار النشر الصهيوني في الكيان، وقد تبدو السيرة التي كتبها إيلي غاليا بعنوان "جورج حبش: سيرة ذاتية سياسية" غير مفاجئة لنا نحن الذين نعرف من يكون جورج حبش على وجه الحقيقة، نعرف نضال الرجل ونزاهته الشخصية ومصداقيته الفكرية، والأهم نعرف تماما ما يستخلصه جدعون ليفي وغالي بأن الحكيم كان على حق.
ولكن المفاجئ حقا هو موضوعية المؤلف ونزاهته في تناول هذه الشخصية العظيمة لدرجة انعدام التحيز والمواقف المسبقة والتيمة التي يصبغ بها الصهاينة كل مناضلي شعبنا كمتطرفين أشرار، يحسب لغاليا على ذمة ليفي، أنه وضع نفسه على مسافة من هذه الافتراءات ليقدم للقارئ الصهيوني نظرة عادلة بالحد الأدنى لمن هو حقا جورج حبش.
يقول ليفي في مراجعته أنه "بالنسبة لمعظم الإسرائيليين ، كان جورج حبش يعتبر عدوًا مطلقًا ، وهو خاطف طائرات قاسي رفض أي حل وسط" . ولا يقصر الكتاب في شرح وجهة نظر الحكيم عن خطف الطائرات كأسلوب نضالي كان لابد منه لوضع فلسطين وقضية شعبها على جدول أعمال العالم في ذلك الوقت وهو ما نجح فعلا.
ويزعم جدعون ليفي أن غاليا يقدم بدون حكم وتعالي صهيوني متوقع ومعروف ما وصفه "الطابع المتناقص للطبيب الذي قاد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ونضاله المرير والفاشل من أجل تحرير فلسطين" وهذا طبعا حكم متعال أيضا من ليفي، لانعرف كيف قدر التناقض في شخصية رجل وهب حياته لشعبه، هل لأنه كان طبيبا يستطيع العيش برفاهية بدون وجع رأس السياسة مثلا، أم لأنه مسيحي، لم يدرك ليفي البديهي بقومية الرجل وتقديمه انتماءه الوطني والقومي على كل شيء آخر، ولماذا يفترض ليفي أيضا أن المسيحية تتناقض مع مسيرة حياة الحكيم، هل يرتبط هذا بالنظرة المختزلة للفكرة القومية في عقل الصهيوني بارتباطها تحديدا بالدين اليهودي؟
يكتب ليفي في مراجعته، أن جورج حبش كان لعقود طويلة "العدو المطلق لإسرائيل، وجه الشر، والشيطان في تجسده، حتى لقبه العلمي ربطوه بالإرهاب" فكيف يمكن للصهاينة أن يقبلوا أن جورج حبش طبيب أطفال؟ فهم لا يعرفون الفلسطينيين إلا كـ "عصابات إرهابية"، وأكثر من ذلك طبيب يقود النضال ضدهم بشراسة وإيمان وتصميم.
يقول ليفي أن الكتاب يقدم جورج حبش بعيدا عن ضوضاء الدعاية والجهل وغسيل المخ التي يتعرض لها القارئ "الإسرائيلي" عندما يقرأ "سيرة العدو" ويرى أن من الأرجح أن عددا قليلا من اليهود سيقرؤون الكتاب وهو يقصد الصهاينة طبعا، لذلك يرى ليفي أن السيرة التي كتبها غاليا بعيدا عن المعضلات الصهيونية المتوقعة النفسية والعاطفية ضد حبش، وبعيدا عن القيل والقال تشكل قراءة رائعة للخبراء.
وغاليا يكتب سيرة غير قضائية أي أنها بعيدة عن أن تكون محاكمة، وليست تحريضية أيضا وقد جمع لكتابه الكثير من المعلومات والمراجع بلغ عدد حواشي الكتاب ما يقارب الألف، التي تتناول الحياة السياسية لجورج حبش، الرجل الذي يصفه بأنه "متحجر فكريا" وبعيد "إلى حد كبير عن أي اضطراب عقائدي" ، رغم أنه خضع في حياته لتغيرات ايدلوجية أكثر من "الإسرائيلي" العادي الذي يقارب الرواية الصهيونية ولكنه لا يتحرك من داخلها وهو بالطبع ليس عقائديا.
ما هي التناقضات التي يقول ليفي أن غاليا كشف عنها في كتابه؟ "مسيحي عاش حياته على الأغلب كمسلم، والزعيم الماركسي الصلب الذي يبكي وهو يكتب مقالا عن جرائم إسرائيل ضد شعبه، الملاحق من الأنظمة العربية، والذي سجن في سوريا و الأردن وكرس حياته للثورة" ويخلص ليفي إلى أنه "من المستحيل أن لا نقدر الرجل الذي كرس حياته لأفكاره،" .
يكتب ليفي أنه في هذا الكتاب يظهر الاستنتاج المحزن بأن "حبش كان على حق" طوال حياته ونضاله المرير ضد التسوية، دون أن يفقد هو وعرفات احترامهما لبعضهما ودون كسر الجسور بينهما، ورغم أن عرفات فاز لكن فوزه كان باهظ الثمن، "فما الذي استفاد به أبو عمار من التنازلات للشعب الفلسطيني؟ ما الذي خرج به من الاعتراف بـ"إسرائيل" ، دولة فلسطينية بـ 22٪ من الأراضي ، من المفاوضات مع الصهيونية ومع أمريكا؟ فقط تعميق الاحتلال الإسرائيلي وتعزيز وتوطيد المشروع الاستيطاني، يستنتج ليفي.
يسجل الكتاب أن حبش لم يوافق أبدا على أي مفاوضات مع "إسرائيل" طبعا طوال حياته وليس معظم حياته كما يقول ليفي، ويسجل الكتاب أن الحكيم كان يعتقد أنه يمكن التفاوض فقط من خلال القوة، حيث إذا كانت "إسرائيل " توافق على دفع الثمن عندها يغير مواقفه، وكان يحلم بدولة ديمقراطية علمانية واحدة ، ويقول ليفي " لسوء الحظ ، كان حبش على حق. من الصعب معرفة ما كان سيحدث لو أن الفلسطينيين قد سلكوا طريقه، لكن من المستحيل عدم الاعتراف بأن البديل كان فشلا مدويا".
يرد في الكتاب أن الحكيم كتب عن طفولته " "أعداؤنا ليسوا اليهود، لكنهم بريطانيون... كانت العلاقات بين اليهود والفلسطينيين طبيعية وأحيانًا جيدة". ويروي قصة دراسته في الجامعة الأمريكية وعودته أثناء الهجوم على اللد ليساعد في إسعاف الجرحى، و في 14 يوليو تم طرده من منزله مع عائلته. لم يعد إلى مدينته المحبوبة. لم ينس مشاهد اللد في عام 1948 ، ولا حتى فكرة المقاومة العنيفة. "هل يمكن للقارئ الإسرائيلي أن يفهم ألم قلبه؟".
يروي الكتاب "كان أول من حمل راية العودة وفي هذه الأثناء فتح عيادة لللاجئين الفلسطينيين في عمان ومر طريق عودته إلى اللد من عمان وبيروت ودمشق و"صاحبته فكرة العروبة لسنوات عديدة ، حتى تخلى عنها" هنا نلاحظ قصور الفهم عند ليفي والكاتب، بافتراض أن اعتناق الحكيم للماركسية قد فصله عن فكرة العروبة، حيث تبقى هذه قراءة قاصرة وشكلية كما هو معروف فالحكيم كان ماركسيا ولكن ليس ماركسيا كلاسيكيا بل ضمن تلك الصيغة التي حددها غسان كنفاني لليساري كما يجب أن يكون، ملتزما تمام الالتزام بقضيته القومية ويفهمها بشكل علمي صحيح، لذلك يبدو أأن هذه المزاوجة الخلاقة لم تكن مفهومة تماما عند مؤلف الكتاب كما غيرها ما أوقعه في خطأ افتراض وجود تناقضات في شخصية الحكيم.
يقول ليفي أن قراءة الكتاب كانت مهمة ممتعة ومفيدة له، في رحلته عبر المطارات التي فرض عليها جورج حبش ووديع حداد المظلة الأمنية في ويقول "في قلبي أغفر له حيث أي طريقة أخرى كانت مفتوحة له " .
ويضيف " بعد مرور خمسين سنة على تأسيس الجبهة الشعبية وبعد مرور عشر سنوات على وفاة مؤسسها وماذا تبقى؟ خليفته ، أبو علي مصطفى ، تم اغتياله من قبل إسرائيل في عام 2001 ؛ خلفه أحمد سعدات ، في السجون الإسرائيلية منذ عام 2006 ؛ ويقول إن أكثر الشخصيات إثارة للإعجاب اجتمعت في الجبهة الشعبية ولكن الآن "لم يتبق الكثير باستثناء شظايا الأمل" حيث " الجبهة في أقلية ضئيلة في السياسة الفلسطينية الداخلية"، والاحتلال؟ إنه أقوى وأكثر ازدهارًا من أي وقت مضى، يضيف ليفي، ويبدو أن نهايته أبعد من أي وقت مضى. ويضيف أن حبش كان قادرا تماما على استخلاص العبر من الإخفاقات.
ويلاحظ أن استنتاج الحكيم بعد النكسة ، الهزيمة عام 1967 "التي حطمت روحه" ، أن "العدو الحقيقي للفلسطينيين هو الاستعمار والرأسمالية والاحتكارات العالمية ... هذا هو العدو الذي أقامت الحركة الصهيونية ، تحالفًا معه ، ورعاها ، وشجعها ، نجحت في تحقيق إقامة دولة إسرائيل العدوانية والفاشية " كما يرد في الكتاب لكن الحقيقة أن الحكيم حدد في الاستراتيجية السياسية والتنظيمية للجبهة الشعبية التي كتبها غسان كنفاني بإشراف الحكيم أن أعداءنا هم "إسرائيل" كتجسيد مادي للعدو الرئيسي وهو الحركة الصهيونية إضافة لما ذكر وكذلك الرجعية العربية، ويلاحظ ليفي محقا أنه من المنظور الفلسطيني ، لم يتغير الكثير منذ ذلك الحين. وما ادعت "إسرائيل " أنه شعارات دعاية معادية ودنيئة. لم يحدث عليه أي تغيير اليوم.
يظهر بشكل جلي ما أقول أنه سوء قراءة لفكر جورج حبش والجبهة الشعبية، على الأقل في مقالة ليفي إن لم يكن في الكتاب، حيث في الحديث عن الهزيمة وفوز نهج التسوية، فلا الحكيم ولا الجبهة الشعبية اعترفا بنتائج التسوية، ولا ظن الحكيم يوما أن الانتصار على العدو سهل، وكان بعلميته الفذة يدرك تماما شروط الانتصار ويعرف أنها ليست متحققة حاليا، ولكن هذا لم يقده إلى اليأس والاعتراف بالفشل، بل كان إعلانه المدوي بأننا هزمنا وعلينا أن نعرف لماذا هزمنا، الرد الصريح على هذه الادعاءات، فحبش كان يؤمن بأنه نضال طويل وصعب وقاس ، ونحتاج زمنا وتضحيات لإنجازه، بغض النظر عن حقائق الأمر الواقع، بل وهي في جوهر التفكير، فهذا الواقع المرير يثبت نظرية جورج حبش حول العدو وطبيعته وطريقة التغلب عليه، وصحيح أن الجبهة الشعبية ضعيفة الآن، ولكن لم ينتبه ليفي أنها ضعفت في خضم النضال وأن هذا مؤقت وإن استشهاد أمينها العام الذي اغتيل بقرار من أعلى سلطة صهيونية ثم اختطاف أمينها العام التالي ليس دليلا على الضعف بفدر ما هو دليل على الصمود والمثابرة.
بغض النظر عن أن الكتاب سيكون قليل الأهمية في المجتمع الصهيوني اليميني الذي تتفاقم عداوته للشعب الفلسطيني بشكل كبير، إلا أنه على ما يبدو، محاولة شجاعة من كاتبه لإلقاء نظرة موضوعية عن كفاح الشعب الفلسطيني، وفيه الكثير طبعا مما يجب مراجعته عند قراءته كاملا إن توفرت الفرصة، ولكن لابد من ملاحظة ختامية:
يقول ليفي أن صديقا له من الجبهة الشعبية عرض عليه مقابلة الحكيم في أيامه الأخيرة في عمان، ويعبر ليفي عن ندمه لأنه لم يفعل، في الحقيقة لا أستطيع أن أجزم على صحة ادعاء ليفي أنه لم يحاول الاتصال بالحكيم، فالرجل قد مات وفرص ادعاء مواقف تعزيزية للذات على حسابه واردة، ليس طبعا عند من يرون بليفي حليفا أهم من جورج حبش وهؤلاء كثر في الساحة الفلسطينية، بالنسبة لي أشعر بالفرح لأن هذا لم يحدث، ولكن علي أن أقول أن معرفتي بالحكيم وهي معرفة عميقة كما أظن تجعلني أجزم أن الحكيم كان ليرفض هذا اللقاء قطعيا، ولم يكن بحاجة له على كل حال.

