أجرت قيادات كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، خلال الساعات الماضية، مشاورات موسعة حول إمكانية توجيه عدوان عسكري ضد سوريا قبل نهاية الأسبوع الجاري، ونقلت وكالات الأنباء عن مصادر أمريكية لم تذكر هويتها، أنه لم يتم بعد اتخاذ قرار مؤكد بتوجيه عدوان عسكري ضد سوريا، وأشارت المصادر إلى أن المشاورات تناولت إمكانية القيام بعمل عسكري يكون موسعاً أكثر من العدوان الذي وجهته الولايات المتحدة في أبريل العام الماضي إلى مطار الشعيرات في حمص.
تأتي هذه التحضيرات بعد اتهامات من الدول الغربية للحكومة السورية باستخدام السلاح الكيميائي، في مدينة دوما بالغوطة الشرقية، وهو ما تنفيه الحكومة السورية نفياً قاطعاً، وتعتبر روسيا أن هذه المزاعم مبنية على تقارير إعلامية، ولا يوجد أي دليل يؤكد وقوعها أو وقوف الجيش السوري وراءها، وأنها تبريرات يلجأ إليها الغرب لاستخدام القوة ضد سوريا.
عاصفة في مجلس الأمن:
الليلة الماضية كانت محور لجلسة عاصفة لمجلس الأمن، حيث فشل المجلس في تبني مشروعي قرار روسيين حول التحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية بسوريا، فيما استخدمت روسيا حق الفيتو ضد مشروع قرار أمريكي بشأن القضية ذاتها.
وقال المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، في كلمة ألقاها خلال جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي، بشأن التصويت على 3 مشاريع حول التحقيق في كيميائي سوريا، إن روسيا ترفض مشروع قرار الولايات المتحدة حول تشكيل آلية خاصة بسبب غياب أي ضمان لاستقلالها حال عملها وفقاً للإطار الأمريكي.
مظاهرة بحرية:
الولايات المتحدة أرسلت مزيد من قطعها العسكرية للبحر المتوسط، في إطار تحضيراتها للهجوم على سوريا، حيث ذكرت صحيفة Stars and Stripes الأمريكية، اليوم الثلاثاء، بأن مجموعة ضاربة من الأسطول الحربي الأمريكي، وعلى رأسها حاملة الطائرات "هاري ترومان"، تتوجه إلى البحر الأبيض المتوسط، وأضافت الصحيفة أن المجموعة الضاربة ستنطلق، يوم الأربعاء، من قاعدة "نورفولك" البحرية (بولاية فرجينيا) باتجاه أوروبا والشرق الأوسط.
وبحسب Stars and Stripes، ستضم المجموعة الطراد الحامل للصواريخ "نورماندي"، والمدمرات الحاملة للصواريخ "آرلي بورك"، و"بالكلي"، و"فوريست شيرمان"، و"فاراغوت"، على أن تنضم إليها لاحقا مدمرتا "جيسون دانام" و"ساليفانز"، وذكرت الصحيفة أن سفن المجموعة الضاربة تحمل على متنها حوالي 6,5 ألف عسكري، مضيفة أن من المخطط انضمام فرقاطة "هيسن" الألمانية إلى المجموعة، ولم تعط الصحيفة الأمريكية أي تفاصيل عن هدف تحرك المجموعة إلى المتوسط.
في وقت سابق، أوردت صحيفة "Wall Street Journal" أن مدمرة أمريكية ثانية قد تدخل البحر المتوسط في الأيام القريبة القادمة، وذلك بالإضافة إلى المدمرة "دونالد كوك" الموجودة حاليا في المتوسط.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين في مجال الدفاع أنه: "توجد شرق البحر المتوسط مدمرة "دونالد كوك" الصاروخية، ويمكنها المشاركة في أي ضربة على سوريا. ومن المفروض أن تصل مدمرة "بورتر" إلى هذه المنطقة بعد عدة أيام".
من جهتها نقلت صحيفة Washington Examiner عن مصدر في البنتاغون أن المدمرة "دونالد كوك" غادرت أمس الاثنين ميناء قبرص وأبحرت في اتجاه سوريا، مشيرة إلى أن السفينة مزودة بـ60 صاروخاً مجنحاً من طراز "توماهوك".
هذا وأفادت صحيفة "حرييت" التركية بأن طائرات حربية روسية قامت بالتحليق فوق مدمرة "دونالد كوك" 4 مرات على الأقل، غير أن البنتاغون نفى هذه الأنباء فيما بعد.
فيما صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ قليل، في تغريدة عبر موقع تويتر "صواريخنا قادمة على سوريا وعلى روسيا أن تستعد".
تحذيرات مضادة:
سفير روسيا بلبنان، ألكسندر زاسيبكين، قال لتلفزيون المنار "التابع لحزب الله"، أن روسيا تلتزم بتحذيرات رئيسها بالتصدي لأي عدوان أمريكي ضد سوريا، بإسقاط الصواريخ التي تستهدفها والرد على مراكز إطلاقها، وأضاف: "نحن نشهد في الآونة الأخيرة تصعيداً خطيراً للأزمة في سوريا، ولكن في نفس الوقت التصادم المباشر يجب أن يكون مستبعداً، ولذلك نحن جاهزون للتفاوض".
من جهته قال الكرملين إن الوضع القائم حول سوريا متوتر للغاية، لا سيما في ظل الهجوم الكيميائي المزعوم في مدينة دوما، وأعرب عن أمله في أن تتفادى جميع الأطراف الخطوات المزعزعة.
وشدد المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف، أثناء مؤتمر صحفي، على أن تطورات الوضع في سوريا تتطلب المراقبة بعناية، مؤكداً الموقف الروسي الداعم لإجراء تحقيق مفصل في المزاعم عن استخدام السلاح الكيميائي في دوما.
فيما قلل مصدر عسكري دبلوماسي روسي من خطورة تحرك مجموعة من السفن الحربية الأميركية إلى البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لروسيا، وأكد المصدر أن الأسطول البحري الروسي "قادر على رد سريع عند الضرورة، وسيكون هناك من ينتظرهم عند قدومهم"، في إشارة إلى المجموعة الأميركية الضاربة.
وأوضح المصدر في أجهزة الإدارة العسكرية أن القوى البحرية الروسية المتواجدة في مياه المتوسط لا تقتصر على السفن العادية بل تشمل أيضاً غواصات، بما فيها الغواصات النووية المزودة بطوربيدات وصواريخ "كاليبر" المخصصة لتدمير الأهداف البحرية والبرية.
ورفض المصدر الكشف عن الأنواع المحددة للغواصات الروسية المتواجدة في المنطقة، لكن صحيفة The Sunday Times البريطانية أفادت في العام 2016 بأن غواصتين نوويتين من نوع "شوكا - بي" وغواصة ديزل من نوع "بالتوس" تم رصدهما في البحر المتوسط.
بالإضافة إلى ذلك، تملك قاعدة حميميم الجوية الروسية بريف اللاذقية في سوريا صواريخ من نوع مضادة للسفن من طراز "خ-35 كياك".
هل هو اشتباك القطبين؟
المخاوف من اشتباك مباشر بين القوات العسكرية للولايات المتحدة، ونظيرتها التابعة لروسيا، ليست جديدة ولم تكن بنت الأزمة السورية بل هي سابقة على ذلك، وإن كانت تبدو في هذه المرة وشيكة ولكنها بالتأكيد لم تبلغ سخونة أزمة الصواريخ الكوبية حين كان العالم على وشك الدمار بحرب نووية.
وفي سبيل خفض هذه المخاوف ذكّر الرئيس السابق لهيئة أركان القوات المسلحة الروسية، الجنرال يوري بالوييفسكي، بأن قدرات الأسطولين الروسي والأميركي تغنيهما عن ضرورة تقارب مباشر بين الطرفين في البحر. ورأى أن تحرك مجموعة من السفن الحربية الأمركية من قاعدة "نورفولك" جاء بمثابة التظاهر بالقوة من أساليب "دبلوماسية الماضي".
وأعرب بالوييفسكي عن قناعته بأن الأمر لن يذهب إلى توجيه ضربات حقيقية من قبل هذا الطرف أو ذاك، مضيفاً أن مواقف قادة الدولتين هي التي ستحدد مسار الأوضاع.
فيما أكد متحدث عسكري أمريكي أن القوات المسلحة الروسية والأمريكية تواصل استخدام خطوط الاتصالات التي أنشأت خصيصاً لمنع وقوع حوادث بينهما في الجو وعلى الأرض على حد سواء.
ونقلت وكالة أنباء تاس عن اللفتنانت الكولونيل داميان بيكارت، المتحدث باسم القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية، وهي تغطي في المقام الأول منطقة الشرق الأوسط، قوله: "يمكنني أن أؤكد أن خط تسوية الخلافات في مركز العمليات الجوية المتحدة لا يزال يستخدم كما في سابق، ولا يزال آلية بناءة لتحييد المخاطر والحسابات الخاطئة".
والمركز الذي يقصده المتحدث العسكري الأمريكي يوجد في قاعدة "العديد" العسكرية ب قطر ، فيما يربط الخط الهاتفي المشار إليه، المركز الأمريكي في تلك القاعدة الأمريكية، بالقاعدة الروسية في حميميم بسوريا.
ووفق التصريح الذي أدلى به بيكارت، لا يزال العسكريون الروس والأمريكيون في قاعدتي حميميم والعديد على اتصال يومي، على الرغم من تصاعد التوتر الحاد بين واشنطن وموسكو.
وقال المتحدث العسكري الأمريكي في هذا الصدد: "تجري المكالمات الهاتفية يومياً وعددها يختلف ويعتمد على العمليات التي يقوم بها كل طرف"، مشدداً على أنه "وبمعزل عن خط تسوية النزاعات خلال العمليات الجوية، يوجد خط اتصال خاص بالعمليات على الأرض".
ورد بيكارت بالإيجاب على استفسار عما إذا كان يقصد أن قناة الاتصال تهدف إلى منع سوء الفهم ووقوع صدامات مباشرة أثناء إجراء عمليات على الأرض، مضيفاً "ليس في مقدوري الحديث عن عدد المرات التي تستخدم فيها هذه القناة. التفاصيل في هذا الشأن متاحة لدى المركز الرئيس لعمليات العزم الصلب"، التي تنفذها مجموعة من الدول، على رأسها الولايات المتحدة، في العراق وسوريا منذ عام 2014.
بعيداً عن الصراع أو التنسيق الروسي الأمريكي، تبدو ملامح عدوان أمريكي جديد على الأرض السورية، قد تحمله الساعات القادمة، ليزيد من الويلات التي يعانيها الانسان السوري منذ عدة سنوات، وتفاقم معاناته الإنسانية أكثر مما سبق.

