Menu

سباق التسلح في أوراق هرتزليا: حالة مصر

بوابة الهدف/أحمد.م.جابر

تقدم [الهدف] فيما يلي القسم الثالث من مراجعة ورقة أساسية من أوراق مؤتمر هرتزليا المنعقد حاليا في المركز المتعدد المجالات، وهي تحت عنوان " سباق التسلح في الشرق الأوسط التحديات الرئيسية –إسرائيل"، كتبها كل من شاؤول شاي وعوديد بروس ويائير فروموفيتش.

يبدو السؤال غير المعلن الذي تطرحه هذه الورقة الصهيونية هو: لماذا تتسلح مصر بهذه الطريقة، ورغم سرد عدد من الأسباب التي تبرر التسلح المصري وتحديث الجيش غير أن الورقة تلاحظ أن التهديد المرجعي لتطوير القدرات المصري هو جيش الكيان الصهيوني، ما يجعل عمليات تقوية وتسليح الجيش المصري تقع تحت العدسة المكبرة للكيان الصهيوني وموضع اهتمامه المباشر.

وقد لاحظنا أنه في الحديث عن سباق التسلح فإن الكيان الصهيوني يميز بين مستويين، التهديد الآني والمباشر الذي تشكله إيران وحزب الله، وكذلك منظمات المقاومة الفلسطينية، والتهديد غير الآني ولكن الواقع في خانة الاحتمال المستقبلي لدول تعتبر غير متصادمة مع الكيان مثل الإمارات والسعودية و قطر ، ويبدو أن مصر في التقدير الاستراتيجي الصهيوني تقع "في موضوع مراقبة التسلح" بين هاتين الخانتين.

إقرأ أيضا: أوراق هرتزليا: سباق التسلح في إيران وسوريا

انصب الجهد الرئيس للجيش المصري خلال رئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي على الحرب ضد الإرهاب في سيناء ومنع التسلل وتهريب السلاح من ليبيا و السودان حسب البيانات المعلنة، وفي ذات الوقت فإن مصر هي عضو فيما يسمى الائتلاف العربي بقيادة السعودية في العدوان على اليمن، بحجة استعادة الشرعية رغم أن الجهود المصرية لا تبدو ملحوظة في هذا الحلف، خصوصا بعد أن رفضت إرسال جنود مصريين إلى اليمن للمشاركة في القتال على الأرض. إضافة لذلك كان لمصر نشاطات تشغيلية في منطقة باب المندب التي تحظى بأهمية استراتيجية لمصر وأمنها القومي.

وفي الوقت الذي تتمتع فيه مصر بموقف استراتيجي تغيب فيه تهديدات الجيران فإنها تتلقى مساعدات عسكرية أمريكية حيث أنه ومنذ منذ أوائل الثمانينات، تم توريد معظم المعدات للجيش المصري من الولايات المتحدة. وتعكس النشاطات المصرية في السنوات الأخيرة اتجاها متسارعا لتحديث الجيش وشراء أسلحة كثيرة ومتنوعة، يضاف إلى ذلك استثمار موارد كثيرة في تدريب الجيش وتحسينه وبناء المرافق والقواعد العسكرية والبنى التحتية التي تخدم احتياجاته العسكرية. هذا، على الرغم من وضع الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها مصر.

ومن المعروف أن مصر تتلقى منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني عام 1979 مساعدة أمريكية بمقدار 3.1 مليار دولار ينفق معظمها في شراء معدات عسكرية أمريكية، وقد أدى تجميد المساعدات العسكرية لفترة مؤقتة في عهد الرئيس أوباما وبعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي إلى إتباع مصر استراتيجية جديدة تقوم على تنويع مصادر السلاح.

 وبالتالي فإن مصر تنفذ استراتيجية تنويع مصادر مشتريات الأسلحة في مسارين متكاملين :

الأول هو الإنتاج الذاتي للسلاح، حيث وعلى مدى عدة عقود انتهجت مصر سياسة تطوير القدرات الإنتاجية للأسلحة التي يحتاج إليها الجيش المصري في البلاد. وقد اكتسب هذا الاتجاه يكتسب زخماً في السنوات الأخيرة، عندما حصلت مصر على تراخيص لتجميع وإنشاء معدات أجنبية بشرط حيازتها في مصر وعدم تصديرها. وفي هذا الاتجاه طورت مصر بنية تحتية صناعية وتكنولوجية تمكنها من تصنيع جزء كبير من أنواع الذخيرة التي تحتاجها كالدبابات وترقيتها، والمدفعية المتحركة والمركبات المدرعة والصواريخ المضادة للدبابات وبناء السفن الحربية في الإسكندرية.

إقرأ أيضا: مؤتمر هرتزليا: الوقاية والإحباط الوقائي والردع كعناصر أساسية لمفهوم الأمن الصهيوني

الاتجاه الثاني: تنويع مصادر الشراء للمعدات العسكرية

يجمع قرار مصر بشراء معدات عسكرية من بلد أجنبي بين عدة اعتبارات، بما في ذلك المصالح والاحتياجات السياسية وجودة المعدات المتعلقة بالنظم الموازية والتكاليف وخيارات التمويل. موردي السلاح الرئيسيين في مصر، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا وألمانيا، وإلى حد أقل، الصين.

القيود على الاستيراد المتنوع:

تم شراء معظم المعدات العسكرية الأمريكية من المساعدات الأمريكية لمصر بحيث ولا تشكل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد المصري المهتز. بينما يتم تمويل شراء المعدات في روسيا والدول الأوروبية من الميزانية المصرية أو عن طريق القروض الممنوحة من البلدان التي تبيع المعدات، ولكن سداد هذه القروض هو أيضا عبء ثقيل على الاقتصاد المصري، لأن مجموعة متنوعة من أنواع الأسلحة تتطلب أنظمة مختلفة من التدريب وتدريب القوى العاملة اللازمة لتشغيله ويزيد من التكاليف.

خصائص المشتريات العسكرية المصرية

سلاح الجو المصري

تخدم في القوات الجوية المصرية حاليا حوالي 220 طائرة مقاتلة من طراز F-16 تم تصنيعها في أمريكا، 180 منها في النماذج المتقدمة وقد تم الانتهاء من هذه الصفقة الأخيرة لشراء 20 طائرة F-16 متقدمة (Block 52) في عام 2015. يضاف إليها 10 مروحيات من طراز أباتشي تم توريدها عام 2014، مما زاد عدد المروحيات من هذا النوع الذي يملكه سلاح الجو المصري إلى 46 طائرة.

في عام 2014، وقعت مصر اتفاقات مع روسيا لشراء 50 طائرة مقاتلة من طراز "Mig35"  ومن المتوقع أن يتم الانتهاء من تسليمها كليا بحلول عام 2020. وتقدر قيمة صفقة السلاح بمبلغ 5.3 مليار دولار، وتمول على ما يبدو من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. كما قامت مصر بشراء 46 طائرة هليكوبتر من طراز " kamov ka-52 alligator"  من روسيا وهي مروحية هجومية وحيدة المقعد  للعمل انطلاقا من حاملة المروحيات Mistral التي اشترتها مصر من فرنسا. وقد تم تسليم 15 طائرة هليكوبتر لمصر في عام 2017.

في عام 2015، وقعت مصر اتفاقية مع فرنسا للحصول على 24 طائرة مقاتلة من طراز رافائيل من الجيل الرابع من طرازي "DM" و "EM"، وقد دفعت مصر ثمن 12 منها ودخلت الخدمة فعليا في القوات الجوية. وما زالت المفاوضات جارية مع فرنسا لشراء المزيد من هذه الطائرات.

مع الإشارة إلى وجود البرنامج التصنيعي المشترك بين مصر و الصين لإنتاج طائرة الاستطلاع دون طيار “ASN-209” وقعت الهيئة العربية للتصنيع المصرية مؤخرا اتفاقية لتجميع طائرات بدون طيار من طراز "Patroller" مع شركة ساجيم الفرنسية ليتم التجميع النهائي لهذه الطائرات داخل مصنع الطائرات الخاص بالهيئة في مصر.

كما اشترت مصر من الصين عددا غير معروف من الطائرات بدون طيار من طراز Loam المسلحة المستخدمة لجمع المعلومات الاستخبارية ومهاجمة الأهداف وتم استخدامها في سيناء.

كما يتفاوض سلاح الجو المصري مع روسيا لشراء عدد من طائرات النقل الاستراتيجي من نوع " Il-76MD-90A " كما يتفاوض أيضا مع شركة ايرباص لشراء طائرات النقل العسكري المتعددة الاستخدامات " A400M Atlas" و التي من الممكن استخدامها في عمليات التزويد بالوقود جوا.

القوات البرية المصرية

تعتمد معظم الدبابات النشطة التابعة للجيش المصري على الدبابات الأمريكية الصنع، بما في ذلك 1700 دبابة من طراز M-60، والتي يجري ترقيتها في مصر و 1360 دبابة M1A Abrahams المتقدمة، وبعضها تم تجميعها في مصر. من الواضح أن مصر وقعت عقدًا مع روسيا للتزود بحوالي 1000 دبابة طراز T-90، نصفها سيتم توريده لمصر والنصف الآخر سيتم تجميعها في البلاد.

وبين عامي 2016 و 2017، قامت مصر بشراء 762 ناقلة أفراد مدرعة من الولايات المتحدة، وهذه المركبات محمية وتم تشغيلها بنجاح من قبل الجيش الأمريكي في أفغانستان والعراق، و يتم تشغيل هذه المدرعات من قبل الجيش المصري في الحرب ضد الإرهاب في سيناء.

كما وقعت مصر عقدًا لتوريد 50 سيارة جيب عسكرية مدرعة من أحدث طراز من طراز Tiger-GAZ- 233136 لقوات الشرطة الخاصة بها، حيث تحتاج مصر إلى سيارات جيب مدرعة في ضوء خسائرها الكثيرة في القتال ضد منظمتي الإرهاب في جميع أنحاء سيناء. كما تدرس مصر حاليا شراء مدافع جديدة تهدف إلى استبدال نظام المدفعية القديمة ويتم تصنيع M109 في الولايات المتحدة، حيث لا يزال الجيش المصير يعتمد على المدافع القديمة من الطراز السوفييتي.

الدفاع الجوي

اشترت مصر من روسيا نظام الدفاع جوي  " S-300 VM / Antey-2500 بعدد  3 بطاريات بالإضافة إلى وحدة القيادة والسيطرة الخاصة بها في صفقة قيمتها 1 مليار دولار أمريكي وهي قادرة على اعتراض الطائرات والصواريخ. وسيقوم الجيش المصري بتشغيل النظام في إطار قسم الدفاع 10، مع مجموعة من 200 كيلومتر ومسافة قصوى تبلغ حوالي 30 كيلومترا. في السنوات الأخيرة، تم أيضًا نشر أنظمة دفاع جوي متوسطة أو قصيرة المدى لطرازات مختلفة.

البحرية المصرية

تعطي مصر أولوية عالية لتحديث وتقوية أسطولها، في هذا الإطار، حصلت مصر على مجموعة متنوعة من المنتجات في السنوات الأخيرة منها 11 سفينة متقدمة من مختلف البلدان، وتدير مصر أسطولها في ساحتين: البحر المتوسط ​​والبحر الأحمر.

في عام 2014، وقعت مصر وفرنسا عقدًا لشراء أربع طرادات من طراز الكورفيت الصاروخي الشبحي من طراز GOWIND 2500 كما اشترت مصر في عام 2015 الفرقاطة الشبحية الثقيلة "FREMM"المجهزة خصيصا لاحتياجات البحرية المصرية على أعلى مستوى،  كما اشترت مصر حاملتي طائرات ميسترال من فرنسا، والتي دخلتا البحرية المصرية في عام 2017. وتم تزويدها بمروحيات من روسيا.ويمكن لهذه السفن أن تحمل ست عشرة طائرة مروحية من طراز K-52، بالإضافة إلى كتيبة مدرعة وكتيبة مشاة. وقد زودت كل سفينة من سفن ميسترال بثلاث طائرات هبوط تم تخزينها في بدن السفن واستُخدمت لنقل السفن الثقيلة من السفينة إلى شاطئ الهبوط، كما اشترت مصر أربع غواصات من طراز 1400/209 (على غرار غواصات دولفين في خدمة البحرية الصهيونية). ومن المتوقع أن تحل الغواصات محل الغواصات القديمة "روميو" الصينية منذ ثمانينات القرن الماضي. وقد تم فعليا تسليم غواصتين من الصفقة إلى مصر ودخلت الخدمة التشغيلية.

ملخص والاستنتاجات

تقول الورقة الصهيونية المعروضة في مؤتمر هرتزليا أن الجيش المصري خلال فترة رئاسة عبد الفتاح السيسي، هو في مرحلة التمكين والتحديث وإعطاء الأولوية العالية في تخصيص الموارد من الميزانية الضعيفة في مصر. تلاحظ الورقة الصهيونية أن نظرة سريعة على أنواع الأسلحة التي اشترتها مصر تكشف أن بعضها غير مناسب للحرب على الإرهاب.

وتحلل الورقة أسباب التسارع في تحديث القوة العسكرية المصرية إلى حاجة مصر كقوة إقليمية إلى جيش حديث وقوي لإثبات تطلعاتها وترسيخ مكانتها. كما أن مصر كالدولة العربية التي لديها أكبر عدد من السكان وتاريخ زعامة في العالم العربي، تسعى جاهدة للعودة إلى مكانتها وهي كما تزعم الورقة تكافح من أجل الهيمنة الإقليمية مع قوتين رئيسيتين إقليميتين هما إيران و تركيا . كما تزعم الورقة أنه في ظل الضعف الاقتصادي المصري فإن الأداة الرئيسية المتاحة لها هي عرض القوة العسكرية

ضد منافسيها. كونها القوة العسكرية الرئيسية فيما يسمى المعسكر العربي السني، وتحصل على دعم مالي سخي من دول الحليج خصوصا السعودية والإمارات، من أجل كسبها في الصراع مع إيران، وبالتالي تزعم الورقة أن مصر مطالبة بالحفاظ على قدرات التدخل العسكري لصالح حلفائها في الخليج.

إضافة إلى ذلك يحتاج الجيش إلى ترسيخ صورته كـ "جيش قوي" كمصدر للكرامة الوطنية والشرعية المحلية كونه يهيمن فعليا على الواقع المصري، وهو يحافظ على شرعيته في نظر الجمهور عبر شراء أسلحة معظمها مصمم لردع التهديدات الخارجية.

موقف الكيان الصهيوني

رغم اتفاقية السلام بين مصر والكيان الصهيوني، ورغم أن الطرفين يتعاونان أمنيا بشكل غير مسبوق إلا أن الورقة الاستراتيجية تزعم أن نوعية التسلح المصري يبرر النظر في إمكانية المواجهة المستقبلية مع "إسرائيل" والتحضير لها. هذا الافتراض قد يقدم تفسيرا لأولويات المعدات العسكرية المصرية، فضلا عن الاستثمارات الضخمة التي لا تتناسب مع الاحتياجات اليومية من بناء الطرق والبنية التحتية للمياه عبر صحراء سيناء، من القناة وإلى الشرق.

وتقول الورقة أنه عند فحص الحشد العسكري، من الضروري التمييز بين القدرات والنوايا. أما بالنسبة للنوايا، فمن الممكن تقييم أن مصر لها مصلحة اليوم في الشراكة الاستراتيجية وفي الحفاظ على اتفاقية السلام مع "إسرائيل" ومواصلة تعاونها في الحرب على الإرهاب. أما من  من حيث بناء القدرات الحربية فمن الواضح أن التهديد المرجعي هو الكيان الصهيوني، وقدرات الجيش الصهيوني.