Menu

الصراع: عن هوية "إسرائيل" بين القدس وتل أبيب

بوابة الهدف/أحمد.م.جابر

مقدمة 

[تمثل هذه المقالة التي نراجعها هنا  للبروفيسور برنارد أفيشاي المنشورة في "الغارديان البريطانية" يوم أمس الأحد، تحت عنوان " الكفاح من أجل تحديد جوهر إسرائيل" وجهة نظر التيار "الإسرائيلي" الذي يصارع من أجل دمج الكيان الصهيوني في المجتمع العالمي، ويتطرق إلى المعضلات الأساسية في رأي الكاتب التي "تجرح" وتضفي الكثير من التعقيد "المؤذي" على الهوية "الإسرائيلية" ملخصا إياها في سقم فكرة "اليهودية والديمقراطية" وأن قيم الحرية والديمقراطية تتعرض للاجتياح بشكل رئيسي من اليهودية الأرثوذكسية.

بالتالي يمكن القول أن هذه المقالة تمثل وجهة نظر أقرب إلى "المابعد صهيونية" ترى أن "دولة اليهود" تنمو في اتجاهين متصارعين يقودهما مركزان متناقضان هما القدس وتل أبيب.

يشن الكاتب أيضا هجوما قويا على الصهيونية الأصولية، التي يرى أنها لابد أن تغير نفسها لكي تنجو، وأيضا يشن هجوما على الاستيطان الذي يصفه بأنه مرض سرطاني اجتاح الأغلبية "اليهودية الإسرائيلية" ولكن ما يسر أمره وفتح له الطريق فعليا هو الممارسات الصهيونية المبكرة التي سكرت بنشوة النصر عام 1967 ولم تتمكن من لجم طموح المتعصبين الذين اجتاحوا الخليل والقدس.

يطرح الكاتب وجهة نظر مكمل لما طرحه في كتابه "الجمهورية العبرية" وهي نوع هجين من فكرة جمهورية المواطنين، متمسكا طبعا بالأغلبية اليهودية، ويرى أن هذه الجمهورية ممكنة التحقق إذا قبلت بها النخب العربية، التي يزعم أنها من الممكن أن تتآلف مع قيم ثقافة الأغلبية، ولكن السؤال الذي يطرحه في النهاية: هل يقبل اليهود بذلك؟ في ظل الاعتراف أن الأقلية العربية هي الصدمة الكبرى التي يواجهها "المجتمع الإسرائيلي" وليس لديه أي وسيلة لامتصاصها على الإطلاق،  وأنه حتى لو عادت الأمور لما قبل 1967، فإن هؤلاء لن يبقوا ساكنين، ربما لن يثوروا  على طريقة غزة، ولكن ربما حسب رأي الكاتب على طريقة الانتفاضة الفرنسية عام 1968.

الكاتب هو برنارد أفيشاي، وهو أستاذ غير متفرغ في إدارة الأعمال في الجامعة العبرية ويعيش ما بين القدس ونيويورك كان مديرا لبرنامج زيل لريادة الأعمال في مركز متعدد التخصصات هرتسليا في إسرائيل. من 1998 إلى 2001، وله مؤلفات عديدة أشهرها "مأساة الصهيونية" و"الجمهورية العبرية".

هنا استعراض وترجمة معالجة للمقال حافظت على سياقه ولغته وجوهر أفكاره. وقد أدرجت ملاحظات مباشرة بين قوسين [..]  حيث رأيت التوضيح ضروريا وبالخط المعلم المائل ليميزها القارئ عن كلام المؤلف]

يجادل أفيشاي بأن "إسرائيل" تعيش أزمة أكثر عمقا من مجرد اضطرارها لإنهاء الاحتلال، بسبب تركيبتها وصراع الهوية الذي تعيشه في العمق. ويرى  أفيشاي أن وراء المعلن من الصراع مع الفلسطينيين وواقع الاحتلال فإن الحديث عند معظم "الإسرائيليين" يتمحور فعليا نوع الدولة التي يجب أن تكون عليها "إسرائيل"، و لا يقتصر الأمر على التفكير في الحرب، حيث أن التفكير في السلام يضعف المعنويات العامة، وإن بطريقة مختلفة، ولكن نظرية أفيشاي تتركز على أن "إسرائيل" لن تغيرها الحرب، فهي لن تخرج مختلفة من أي حرب باعتبارها تعيش في حالة حرب منذ البداية، ولكنها لن تكون نفسها التي تخرج من عملية سلام، [لعل هذا في رأينا ما يرعب الطغمة العسكرية السياسية في الكيان الصهيوني، حيث أنه يعني هدم الأساطير التي قام عليها نظامهم ودولتهم].

ويقول أفيشاي إن ما يتسرّب في كل محادثة تقريبًا هذه الأيام في الوسط "الإسرائيلي" هو عدم اليقين بشأن حدود "إسرائيل" المستقبلية.  وهو يستطرد أنه لا يقصد الحدود الجغرافية فقط. بل يعني الحدود القانونية والمؤسسية والثقافية، حيث سيصر معظم "الإسرائيليين" على أن "إسرائيل" يجب أن تبقى يهودية وديمقراطية، و لا يمكن لأحد تقريبا أن يقول لك ما يعنيه هذا.

يقر أفيشاي أنه من الواضح أن الكيان الصهيوني لا يمكنه الاحتفاظ باحتلال، وإنكار حقوق سياسية كثيرة للكثير من الناس، وفي نفس الوقت يكون "ديمقراطيا" بكل معنى الكلمة، ويلاحظ أن هناك مشكلة أكثر إثارة للقلق، تدعو إلى التشكيك بـ "الدولة اليهودية" إذ هل تستطيع دولة يهود العالم أن تكون جمهورية مواطنين، وكثير منهم ليسوا يهودًا؟ ومن هو اليهودي من الناحية الشرعية التي تنص عليها الدولة: عضو في المجتمع المدني الناطق بالعبرية، أم أحد أتباع القانون اليهودي الأرثوذكسي أو حامل دماء نقية [ بغض النظر عن ما يعنيه هذا الهراء]؟

يرى أفيشاي أنه بقدر ما هو سؤال مزعج إلا أن له أيضا عواقب فورية على الطرق التي يتخيل بها "الإسرائيليون" كفاحهم، خاصة وأن حكومة نتنياهو، التي تروج لقانون الدولة القومية اليهودية، تبدو راضية جداً عن تشجيع قانون الحاخامية، و اليهودية والتحدث عن الديمقراطية فقط من حيث حكم الأغلبية.

وقد تكون "إسرائيل" قادرة على دفع الدول العربية حولها أو جعلهم يعتقدون أنها تستطيع التآلف مع هذا التعقيد وسيكون ذلك بمباركة الديمقراطيات الغربية أو على الأقل ترامب أميركا، وإذا سألت هؤلاء "الإسرائيليين" " لكن ألا تكون القوة الاستباقية والقوة المميتة هي التي تجعل جيرانك أكثر تصميماً على محاربتك؟ "يجيبون:" جيراننا يكرهوننا على أية حال، وللأسف، فإن معظم مواطنينا العرب يفعلون ذلك أيضًا. من السذاجة الاعتقاد بأنهم لن يفعلوا ذلك، بالنظر إلى نوع الحالة التي نحن عليها ".

يستنتج أفيشاي إن ديمقراطية "إسرائيل" - بل وبقائها على قيد الحياة - لا تعتمد ببساطة على كيفية قيام جيشها بصد التهديدات في الجوار المباشر، بل سيكون عليها أن تتغير - ويبدو أنها عالقة. من وجهة نظرهم، لقد واجه "الإسرائيليون" بالفعل التحديات الهائلة لبناء "ثقافة عابرة نابضة بالحياة" قوة اقتصادية كبيرة،  ويرون أنهم مؤهلون لأن يكونوا ضمن اللاعبين العالميين المتقدمين ولكن فيما كان التحدي الذي يواجه العالم الصناعي القديم هو الاكتفاء الذاتي الوطني، الذي كان القادة الاشتراكيون والعسكريون "الإسرائيليون" في الستينات يتمتعون بقدرات معقولة تجاهه فإن التحدي الذي يواجه الاقتصاد الجديد في الاندماج في الأسواق العالمية والشركات والجامعات، هو ما يجعل "الإسرائيليين" اليوم يتمتعون بالرضا.

يصل الكاتب إلى النقطة الأساس التي يدور حولها صراع الهوية لتحديد شكل الدولة وهي الأقلية الفلسطينية في الكيان الصهيوني، الأقلية التي قد لا تبقى أقلية إلى الأبد، وبالتالي يرى الكاتب أن المواطنين العرب وهم خُمس السكان حاليا، يهددون المجتمع المدني "الإسرائيلي" بالصدمة، وهو أمر لا يمتلك جهاز الدولة أي قدرة على امتصاصه، فحتى لو  اختفت الأراضي المحتلة ، وإذا عادت الأمور إلى الوضع السابق عام 1967، فإن البلاد ستواجه أزمة - وليس انتفاضة مثل غزة، ربما، ولكن مثل ضواحي باريس عام 2005. ويذكر أنه في عام 2015، كان 60٪ من العرب يقبلون بأغلبية يهودية [حسب استطلاعات رأي تجريها مراكز صهيونية على أي حال]، بينما اليوم، 44 ٪ فقط يقبلون بهذا، في واقع سياسات عصر نتنياهو، ومن جهتهم يقول نصف اليهود "الإسرائيليين" تقريباً إنهم لن يعيشوا في نفس المبنى الذي يعيش فيه العرب.

[طبعا، بحكم العادة الصهيونية المتأصلة لدى هؤلاء المؤلفين  يزعم أن هؤلاء المواطنين العرب هم أحفاد "متهورين" قادوهم في نهاية الانتداب البريطاني لرفض قرار التقسيم على ما يزعم وهي حجة صهيونية عقيمة ولا تساوي أكثر من هباب الحبر الذي تكتب به، زاعما أنهم كانوا قصيري النظر في الاعتماد على العرب لوضع حد للمشروع الصهيوني وربما كان محقا في هذه النقطة بالذات ولكنه يستمر في الادعاء الصهيوني أن هذا أدى إلى تطهير عرقي على كلا الجانبين وهي رواية صهيونية كاذبة وحقيرة، حيث يعرف العالم كله ما فعلته الصهيونية من قتل وتشتيت وتصفية عرقية للفلسطينيين العزل تقريبا وبقرارات من أعلى هرم المؤسسة الصهيوني، واستمرت حتى بعد إنشاء الدولة كما حدث في قبية وكفر قاسم وغيرها]

يزعم الكاتب أن الديمقراطية "الإسرائيلية" كانت نوعًا من التحرر للعديد من المثقفين والمهنيين العرب،  وأن التقارير تتحدث عن الشعور بالارتياح لإيجاد مجال مدني للتحدث عن الحياة الجنسية والعجز العائلي، يكسب العمال العرب الإسرائيليون، في المتوسط ​​، نحو سبعة أضعاف متوسط ​​الدخل في المناطق، ولكنه يعترف أنه إذا اختفى العرب "الإسرائيليون"، فإن النظام الطبي "الإسرائيلي" والمرافق السياحية سوف تنهار، ويزعم أن أكثر من 70٪ من عرب إسرائيل يقولون إنهم يفضلون العيش في "إسرائيل" أكثر من دولة فلسطينية .

[تبقى النظرية الاستعمارية تدور حول فكرة السخاء الاقتصادي والمدني، على حساب تغييب الوعي والمحتوى السياسي للصراع، حيث يتجاهل الكاتب عامدا ربما مئات التقارير والدراسات التي تؤكد الاعتزاز الهوياتي الفلسطيني العروبي للمواطنين الفلسطينيين في الكيان الصهيوني، وحقيقة علاقتهم المعقدة مع الدولة، بغض النظر إن اخترت أقلية محدودة أن تنحو نحو الاستفادة من الفرص التي تقدمها مؤسسة الاحتلال، غير أن المؤسسات الصهيونية تعرف تماما أن هذه الأقلية لا تمكنها من أن تكون عجلة لغسل وتغييب الوعي الوطني السياسي في صفوف الفلسطينيين، الذين تمكنوا في خضم نضال عنيد ومعقد، من بناء علاقة صراع خاصة مع المؤسسة الصهيونية تحفظ وجودهم في أرضهم وتناور على العنصرية الصهيونية التي تسعى لاستئصالهم]

يزعم الكاتب الصهيوني أن المواطنين العرب يؤمنون، وتؤكد تجربتهم، أنه بغض النظر عن مدى جودة أدائهم كمواطنين [وهنا لا ينسى الاستعلاء الاستعماري الخاص به ] فإنهم لا يستطيعون التطلع إلى العيش على قدم المساواة أو حتى العيش في المكان الذي يرغبون فيه، بمعزل عن استياءهم من بنية قانونية منتشرة تميز لصالح اليهود كأفراد.

"يزعم الكاتب أن "يهودية وديمقراطية" ليس مجرد شعار، بل يتمظهر في شيء مثل القانون الدستوري في "إسرائيل" وأصبح طائفيا مثل الحياة والحرية والسعي وراء السعادة وأنه بضمه إلى  قانون العودة لعام 1950، الذي يمنح المواطنة المباشرة لأي يهودي يهاجر إلى البلاد، ومع اتفاقية الوضع الراهن (غير الرسمية جزئياً)، والاعتراف بالحاخامية الأرثوذكسية كمسؤولين في الدولة، والقوانين الأساسية التي تصل إلى حد - مسمى "دستور صغير"، فإن القانون الأساسي الخاص بكرامة الإنسان وحريته الذي أخذ شكله النهائي عام  1994 وهو أقرب ما يكون لدى "الإسرائيليين" إلى قانون الحقوق. ويضمن حماية الحياة والجسد والكرامة والملكية والخصوصية.

لكن على عكس بعض القوانين الأساسية الأخرى، يمكن إلغاء هذا القانون بواسطة أغلبية بسيطة من الكنيست – وهذا العيب في القانون كما يرى الكاتب ليس افتراضيا، فنتنياهو وتحالفه يسعون إلى تمرير قانون يسمح للكنيست بتجاوز الأحكام الدستورية في المحكمة العليا، وأيضاً بأغلبية بسيطة. وعلى الرغم من أن القواعد الليبرالية ثابتة في قلوب النخبة من "الإسرائيليين" - الصحفيون والعلماء والمتخصصون في مجال الأعمال والباحثون الذين اعتادوا العمل في الغرب وتبني معاييره - فإنهم لا يكادون يصمدون في مجتمع المستوطنين والأرثوذكس.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن القانون الأساس المتعلق بكرامة الإنسان وحريته لا يرقى إلى حد بعيد إلى ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، أو إعلان "استقلال إسرائيل"، في هذا الشأن. لا يوجد زواج مدني في "إسرائيل"، ولا فصل للدين والدولة ولا معيار عالمي (أو، لمعظم، علمانية) لكسب الجنسية، هناك حماية ضعيفة من الاحتجاز بدون تهمة على جرائم "أمنية" وحماية ضعيفة للغاية ضد التمييز على أسس عرقية أو إثنية. يمكن للمرء أن يستمر في سرد العيوب..

[ هذه إشادة مبالغ بها بالنسبة لما يسمى "وثيقة إستقلال إسرائيل" حيث تعتبر قيمة عليا لدى جميع المؤلفين الصهاينة لدرجة أنها أصبحت عندهم عصية على أي نقد. حيث تبدأ وثيقة استقلال إسرائيل بإطلاق اسم «أرض إسرائيل»على فلسطين مؤكدة ارتباط اليهود بها ونافية بشكل مباشر حقوق العرب الفلسطينيين التاريخية والواقعية، ثم تعود لتؤكد الحق الطبيعي والتاريخي لليهود في البلاد. ومفهوم «الدولة اليهودية» الوارد في الوثيقة هو مفهوم انعزالي وعرقي يثير مشكلة للأقلية العربية، وكذلك المحتوى الديني لدولة (اليهودي) والقومي لخدمة (اليهودية).

إن النص على يهودية الدولة يعني عمليا الاستيلاء على الأرض وتهويدها واستقدام المهاجرين اليهود وبناء المستعمرات وعبرنة العمل والإنتاج والاقتصاد ككل وتعميم الثقافة اليهودية.

وعندما تحدثت الوثيقة عن المساواة فان هذا الحديث جاء منسجما في الفقرة العامة أي بخصوص اليهود، أما فكرة المساواة الواردة في الفقرة الثانية التي تخص العرب فجاءت مشروطة عبر دعوتهم للقيام بنصيبهم في اقامة الدولة، ما يعني دعوتهم للمساهمة في إكمال الكارثة التي حلت بمجتمعهم وكيانهم على يد الصهيونية.

ولا تتحدث الوثيقة عن حقوق العرب كأقلية قومية مكرسة المساواة الحصرية ضمن الجماعة اليهودية وهذا يعني التعامل مع العرب كمجرد سكان فيما يطابق بسياسة الأبارتهايد، وما جاء في وثيقة الاستقلال تحول إلى هوس بالتهويد وهو  هوس السيطرة على المكان وعدم تحملها ترك بقعة أرض دون فرض سيادتها عليها بشتى الأساليب والوسائل والتهويد بغية الاستيطان في كل مكان يقيم عليه تجمع سكاني عربي عن طريق قوننة الأشياء والمناطق والعلامات واللغة والسلوك.]

لا عجب إذن –يلاحظ المؤلف- في أن استطلاع معهد "إسرائيل للديمقراطية" من عام 2008، حتى قبل أن يصل نتنياهو إلى السلطة، كشف عن شذوذ مذهل: 96٪ من اليهود "الإسرائيليين" أرادوا دولة "ديمقراطية" و 85٪ أرادوا "يهودية". ومع ذلك، حيث تصادمت الحرية الديمقراطية والقانون اليهودي، قال 54٪ فقط إنهم سيحمون الحريات الديمقراطية، و بحلول عام 2015، وجدت دراسة أجرتها مؤسسة بيو أن 48٪ من جميع اليهود "الإسرائيليين" يتفقون مع العبارة التالية: "يجب طرد العرب أو نقلهم من إسرائيل".

المشكلة الحقيقية كما يرى الكاتب هي أن "إسرائيل" دخلت حيز الوجود كدولتين، وليس دولة واحدة. حيث تأسّست "إسرائيل" بنجاح بعد عام 1948 لأنّ "وطنًا قوميًا صهيونيًا ثوريًا، يسكنه مواطنون عمّال يتحدثون العبرية، نجحوا في تأسيس دولة رائدة داخل الدولة الاستعمارية الأكبر التي يديرها الانتداب البريطاني" فقد اعتقد ديفيد بن غوريون في البداية أن هذه الدولة الصهيونية ستكون نوعًا من السقالات التي يجب تفكيكها عند بناء الدولة "الإسرائيلية"، ولكن يلاحظ أفيشاي متأسفا أن هذه السقالات المزعومة ثبت أنها أكثر مرونة لذا يرى أن "إسرائيل يهودية وديمقراطية" لا يمكن تجاوزها، ولكن هذا يعني حقيقة أن" إسرائيل" هي دولة ديمقراطية تغلف دولة قديمة، بطولية، تتكون من مؤسسات صهيونية متبقية وحاخامية معترف بها رسمياً، حيث يشترك "الإسرائيليون" في مجال عام من القانون الديمقراطي والحماية القضائية، مما يضمن المساواة لجميع المواطنين، بما في ذلك الأقلية العربية [طبعا ضمن حدود نظرية الأمن الصهيونية]. لكن اليهود "الإسرائيليين" يشتركون في دولة داخلية، من ناحيتي المصطلح، ويركزون على الاحتياجات المادية والروحية لليهود وحدهم.

لقد ترسخت أيديولوجية المستوطنين

تحت هذا العنوان يقول أفيشاي أنه بطريقة ما خرجت "إسرائيل" عن قضبان السكة الصحيحة عام 1967، وأن ما كان في يوم من الأيام "دولة ديمقراطية اجتماعية بشكل جيد"، أصبحت الآن مدمرة بفعل الانتكاس من احتلالها - من خلال تكاثر المستوطنين بسرعة، الذين تتساهل معهم الحكومات المتعاقبة بسذاجة إلى حد ما، ويزعم أنه إذا ذا تمكنت "إسرائيل" فقط من إنهاء "الهجمات الإرهابية"، وتحرير نفسها من الاحتلال وإعادة زرع معظم المستوطنين ضمن الخط الأخضر، فإن البلاد وصهيونها يمكن أن يعودوا لأنفسهم.

ولكن الكاتب يلاحظ أن أيدلوجية المستوطنين ترسخت على نطاق أوسع بكثير من الكتلة البشرية الاستيطانية بحد ذاتها الموجودة في المستوطنات، وقد كانت الإستراتيجية الأمنية جزءًا من كيفية تبرير هؤلاء المستوطنين أنفسهم، فالأمن هو علم الوجود في العلوم السياسية "الإسرائيلية"،  ولكن بالنسبة لمعظم الناس اليوم، ليس للمستوطنات أي قيمة استراتيجية - فالصواريخ، وليس الغزو، هي الخوف الوجودي،  بدلا من ذلك، فقد ثبت نوع من العلاقة الحميمة بالقصور الذاتي مع الأراضي القديمة حول القدس.

يشرح الكاتب الاندفاع استيطاني نحو القدس والخليل تحديدا، وينقل عنها "بعد عام 1967، وحتى بعد عام 1973، تجولنا بحرية في أماكن مثل الخليل. جلسنا على مهل في مقاهي رام الله، ومسحنا أطباق الحمص، وتخيلنا أنفسنا في دمشق - كما سنكون قريباً، بلا شك، عندما تكون الدول العربية قد عرفت خطأها في نهاية لم نفه الكرم الطبيعي والابتسامة من التجار الفلسطينيين، ذهبنا في القليل من الحج، في سياراتنا وحافلاتنا - إلى قبر راحيل على الطريق إلى بيت لحم أو كهف المكفيلا المفترض بالقرب من الخليل، حيث يقال إن الآباء وزوجاتهم قد دفنوا هناك، ثم عدنا إلى منزلنا في شققنا وملاذات البي بي سي في الليل، وهكذا أصبحنا متسامحين بشكل خطير مع المتعصبين الذين كانوا ينتقلون إلى الخليل، وهم يعلنون ثالوثًا مقدسًا جديدًا - "شعب إسرائيل، أرض إسرائيل، توراة إسرائيل" - والذين يبلغ عددهم الآن أكثر من 600.000 داخل دائرة نصف قطر ها 40 ميلاً من القدس. هذا الخطر من الخلايا السرطانية هو أنها تتطور إلى أشكال تبدو طبيعية إلى حد كبير على السطح، بحيث تبدو غير مرئية لجهاز المناعة.

لكن الإيديولوجيا ليست سوى نصف القصة، يستطرد أفيشاي، فقد تم تأسيس المستوطنات دون أي عناء بعد عام 1967 لأن المؤسسات الصهيونية التي بنتها، والقوانين والثقافة التي دفعتهم، كانت تسير بكامل طاقتها داخل الخط الأخضر منذ حرب عام 1948.

كان قادة الدولة - من غولدا مائير إلى ييغال ألون - قد رأوا الأمر من قبل، كما ترون. في فوضى المعارك التي دارت بين عامي 1948 و 1949، كان حوالي 750.000 عربي فلسطيني قد فروا من منازلهم أو طردوا  كما هو الحال في اللد والرملة.

 [يعلم القارئ أن مئات القرى وعشرات المدن الفلسطينية وليس فقط اللد والرملة  قد تم تطهيرها عريقا، طرد منها أهلها الفلسطينيون وفي أحيان كثيرة تم هدمها نهائيا تحت جنازير بلدوزر الهجمة الاستيطانية]

 ويقول الكاتب إن الأعداد الناتجة عما يطلق عليه الفلسطينيون "النكبة" قد تم مناقشتها بشكل متوتر منذ العمل الأرشيفي لما يسمى المؤرخون الجدد في الثمانينيات. لكن هناك حقيقة واحدة حاسمة لم تكن قابلة للنقاش أبدا، وهو أن اللاجئين العرب، الذين يفترض أن يتركوا منطقة حرب، لم يسمح لهم بالعودة. ثم تم الاستيلاء على أراضيهم "المهجورة" كممتلكات حكومية لاستخدامها في الاستيطان اليهودي. وكتب الكاتب وزعيم ماباي موشيه سمايلانسكي: "يوما ما سيكون علينا أن نتحمل المسؤولية عن هذه السرقة والمضايقة، ليس فقط لضمائرنا، بل وأيضاً للقانون".

يرى الكاتب أن حماقة هذه السياسات لاتزال واضحة إلى اليوم بالنسبة لغالبة "الإسرائيليين" و معظم اليهود الأمريكيين، حتى المسؤولون الأمريكيون الذين يدعون أنهم يعدون "الصفقة النهائية" لترامب. لكن نفس الأشخاص الذين يدينون المستوطنات اليوم يبدون غير قادرين على الاعتراف بالمؤسسات السياسية والأساطير التي مكنتهم من البدء في المقام الأول،  بالنسبة لمثل المستوطنين لم ينموا فقط من فراغ، لقد ظهر كلاهما بشكل أو بآخر من منطق صهيوني مؤسسي وبيروقراطية صهيونية قوية  ولكنهم أصبحوا على نحو متزايد مخطئين بالنسبة للدولة الحديثة والمجتمع المدني.

يرى الكاتب أن لنتيجة الطبيعية للحرب الثقافية للمستوطنين هي الثيوقراطية، حيث تنمو المجتمعات الأرثوذكسية بشكل أسرع من أي مجتمع آخر، وعلى مدى السنوات السبعين الماضية، ازداد عدد اليهود "الإسرائيليين" الأرثوذكس الذين يدينون بقوة سواء من المتدينين القوميين أو الحريديم، من حوالي 10٪ إلى ما لا يقل عن ثلث السكان اليهود، و حوالي 42٪ فقط يسمون أنفسهم علمانيين، على الرغم من أن حوالي الثلثين يرغبون في أن تعمل الحافلات في السبت، لذلك "العلمانية" هنا يجب أن تعني شيئًا أقرب إلى الإلحاد،  حيث يجادل الخبير الديموغرافي أرنون سوفير بأن "إسرائيل" ستكون دولة أغلبية  أرثوذكسية بحلول عام 2030 بينما  قبل ثلاثين عامًا، نسب حوالي 70٪ من الطلاب "الإسرائيليين" أنفسهم إلى التيار العلماني. اليوم، فقط 39٪ يفعلون.

تدرس المدارس الوطنية الأرثوذكسية إيديولوجيا المستوطنين، "حب الأرض"، التواضع الجنسي، تبجيل المعبد القديم و المدارس الحريدية مغلقة، بل هي شأن طائفي، ويمكن للمدرسين أن يكونوا عنيفين في تخصصهم. وتقد اليشيفوت [المدارس التوراتية] تعليما صارما بمراعاة القانون اليهودي، وتفسيره من قبل الحاخامين المعترف بهم فقط ضمن التيار، وبينما لغة  التدريس هي اليديشية، يحتفظ باللغة العبرية للتوراة والليتورجيا، و عادة ما يتزوج الشباب في سن المراهقة، في كثير من الأحيان من الشركاء المختارين لهم من قبل الآباء وهم لا يدرسون  شيئًا تقريبًا من العلوم والتكنولوجيا في مدارسهم، ويبدون غالبًا في خوف من العلوم الإنسانية الليبرالية الغربية و يتم دعم رياض الأطفال في الحريديم من خلال ضريبة البلدية، الأرونا.

وتخضع المدارس المتوسطة الخاصة بالأولاد، لتلقين أكثر أو أقل تلقينًا للمدرسة التي تعود إلى القرن التاسع عشر، أو في مبنى مدرسة من غرفة واحدة، وفي هذه المدارس المدعومة حكومياً، هناك دراسات علمانية نادرةً ولا يوجد تدريب على الحاسوب و يتعلم الأولاد أساليب التفكير-الانحناء في الجدل الحاخامي المدرسي، لكنهم لا يتعرضون لما يمكن أن يقودهم إلى التفكير النقدي - أي القدرة على النظر إلى الانحرافات الخاصة بالتفكير نفسه، والتي تجعل إدعاء الوحي إلى حد ما، مشكوكًا فيه.

وعالمهم المعزول، الذي أطلق عليه آرثر كويستلر لقب "claustrophilia"، جعلهم عابدين للأرض المقدسة، وبالتالي أبطالاً ضمنيين لحركة الاستيطان، التي أعطتهم مساكن رخيصة عبر الخط الأخضر من بيت شيمش وموديعين  بالمناسبة، فإن نفس النسبة تقريباً من المواطنين الأرثوذكس يريدون من الدولة "دعم هجرة المواطنين العرب" ويقول أربعة وثلاثون في المائة من "الإسرائيليين" إن الثقافة العربية أدنى من الثقافة الإسرائيلية، و حوالي ثلث اليهود "الإسرائيليين" يطالبون بالعفو عن قاتل إسحاق رابين، يغئال أمير.

القدس وتل أبيب: نماذج متعارضة؟

يقول الكاتب أن القدس هي "نقطة الصفر" في تحالف أرثوذكسي ناشئ: أكثر من 45٪ من تلاميذ المدارس في القدس الكبرى هم الآن من الحريديم، وهو عدد غالباً ما يرتبط ب 200 ألف يهودي علماني معظمهم تركوا المدينة للسهل الساحلي على مدى الجيل الماضي، وفي القدس، حوالي 30٪ من تلاميذ المدارس هم من العرب، في حين أن 13٪ هم من الأتباع الدينيين. وهذا يترك حوالي 12٪ في المدارس العلمانية، والتي قد يهاجمها ناشطو الحريديم ويسيطرون عليها عندما يتكاثرون في أحيائها.

ويلاحظ أن تأثير الأرثوذكس لا يتوقف عند باب الفصل الدراسي، فعندما يكون الجميع متعطشين للوحدة، أصبحت اليهودية الأرثوذكسية نوعًا من الطعام المريح.، وصور مؤطرة من حاخامات الحريديم الغامضين تعلق بحذر خلف سجلات النقد في متاجر الفاكهة والمكانس الجافة، كما قال أحد طلابي العلمانيين، فقط نصف ساخطين: "الفكرة كانت دولة يهودية، أليس كذلك؟ إذاً، من هو اليهودي أكثر من الحاخام؟ ».

على الضد تماما من القدس فإن تل أبيب هي المركز الذي يتمسك به العلمانيون والمثليون، و يقول حوالي 42٪ من "الإسرائيليين"، الذين يطلق عليهم المركز، إن كل ما يريدونه هو أن تحصل "إسرائيل" على "أغلبية يهودية"، و ستخضع طبيعة تلك الأغلبية لنموذجين حضريين،  لقد أصبحت القدس مركزا للأخطبوط الاستيطاني، وهي مقر ياشيفوت، وهي تجسيد "لإسرائيل" الكبرى. و أصبحت تل أبيب وضواحيها الشمالية مركزًا لإسرائيل العالمية، الكوزموبوليتانية، السبرانية، الساخرة.

ويلاحظ أن كل منهما لها ثقافة سياسية عبرية خاصة،  لكن اللغة العبرية فقط هي فقط التي تهدئ النزاع ولكنها ممزقة أيضا ولكن كل "الإسرائيليين" الديمقراطيين يعولون عليها. وهي التي فازت في مسابقة  Eurovision للأغنية. ثم مرة أخرى، حتى تل أبيب العبرية تحمل ثقل السلطة القديمة في ثقافة التوراة، حيث لا يمكنك العيش في دولة يهودية رسمية، ولا تتوقع أي تآكل في "المواطنة" بحد ذاتها. ويرى أنه يمكن المحاولة كما يحاول معظم “الإسرائيليين" العلمانيين، أن يتكلموا اللغة ويتجاهلوا السحر القديم ويتسامحوا مع اليهودية. ولكن بعد ذلك يصعب تعليم الأطفال ما هي الديمقراطية،  من بدايتها، يلاحظ الكاتب أن “إسرائيل" حاولت احتواء التوتر، ولكنها لا يمكنها أن تفعل ذلك إلى أجل غير مسمى. كما أنها لا تحتاج إلى تحديد الأشياء التي تعذب مبادئها الفكرية، ولكن لا توجد دولة ديمقراطية بحاجة إلى تحديدها، كدولة يهودية، فالدولة أيضا ليست عائلة، أو نادي، أو جماعة،  هي عبارة عن كومنولث، عقد اجتماعي، يعمل فيه الأفراد الذين يخضعون لقواعد المواطنة المتساوية على ممارسة حياتهم - إذا رغبوا في ذلك، بالارتباط الطوعي بالناس، والعائلات، النوادي، والأتباع.

يرى الكاتب إن الدولة "اليهودية والديمقراطية" الوحيدة المقبولة هي دولة ديمقراطية تتحدث اللغة القومية اليهودية، أو ما يرى الكاتب أنه جمهورية عبرية. ومرة أخرى، فإن اللغة العبرية في تل أبيب واسعة بما فيه الكفاية ليتمكن العرب من استيعاب الفروق الدقيقة ومع ذلك يظلون عربا.

و على الأقل بطريقة مهجنة تتكيف الأقليات في كل مكان مع لغة الأغلبية والثقافة التي تراها. اليهود في الشتات ليسوا شيئًا إن لم يكن دليلًا على كيفية عمل ذلك، ويرى الكاتب إن أولئك الذين ينشغلون بالاتجاهات الديمغرافية، بما في ذلك قادة معسكر السلام "الإسرائيلي"، يفهمون "يهودية وديمقراطية" بطريقة ضحلة ميكانيكية. ولكن في المقابل يزعم أن هناك أملا يحققه توازن حيث أن الأعمال التجارية وأبراج تل أبيب هي حقائق على الأرض مثلها مثل المستوطنات في المناطق. ولا يمكن للمستوطنين وحدهم تحديد مصير "إسرائيل" السياسي.

وهو يرى أنه إذا كانت النخب العلمانية الاقتصادية تريد الحفاظ على الحيوية الاقتصادية لبلدهم والاحتفاظ بسلطتهم، فسوف تضطر هذه النخبة إلى دفع "إسرائيل" في اتجاه التكامل العالمي، بغض النظر عن أفكارهم المسبقة التقليدية حول قضية الصهيونية، وفي نهاية المطاف، يجب أن يعني هذا ليس فقط دولتين، إسرائيل وفلسطين، بل فصل الدين عن الدولة وتقاعد المؤسسات الصهيونية القديمة، فـ"إسرائيل" الوحيدة التي يمكن أن تندمج بهذه الطريقة،  هي دولة تشبه إلى حد كبير تلك الجمهورية العبرية. وبالنظر إلى أن "إسرائيل" وفلسطين معا ليسا أكبر من لوس أنجليس، فإن الاتحاد الكونفدرالي الذي يدعو إليه عرب "إسرائيل" قد يكون السبيل الوحيد لجعل دولتين تعملان.

يخلص الكاتب إلى: على أية حال، يجب أن يهزم المدافعون عن "إسرائيل" الكبرى في نهاية المطاف من قبل دعاة "إسرائيل" العالمية – وهو ليس تحد سهل طالما أن إدارة ترامب تشجّع شيئا آخر تماما.  ولكن ترامب ونتنياهو ليسا دائمين، و في النهاية، الأمور التي لا يمكن أن تستمر. ويتساءل الكاتب إذا أخذت "إسرائيل" شكلها كجمهورية عبرية، فهل ستوافق النخبة العربية "الإسرائيلية" على الانضمام إليها؟ وإذا فعلوا ذلك، فهل يقبلهم اليهود؟