ما زال حفل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس المحتلة يثير الكثير من الجدل، حول طبيعته وتوقيته والوقت الذي اختير له، والدول التي شاركت في الحضور. ورغم الحملة الصهيونية والأمريكية الشرسة لحشد أكبر عدد من الممثلين الدبلوماسيين في الحفل، غير أن الوقائع تثبت أن حوالي 30 دولة فقط شاركت في الاحتفال، من بينها أنغولا، التي تبين أن سفيرها حضر بقرار شخصي، وقال إعلام العدو أن حكومته استدعته، عقابا له على المشاركة المشينة، بينما وفي الوقت الذي نشرت فيه هآرتس قائمة للدول التي حضرت ثم تراجعت عنه، ومن بينها فيتنام، نفت الخارجية الفيتنامية قطعيًا صحة التقارير التي تقول أن مندوبا من سفارتها حضر الحدث.
وفي مراجعة شيقة كتبها الصحفي ماك إيتاي، يتبين أن معظم الدول التي شاركت كانت مسوقة بالمصالح، وبالخصوص المصالح الأمنية والعسكرية، وهي دول ينخرها الفساد والقمع الوحشي لمواطنيها وانتهاكات حقوق الإنسان.
ومن المعروف أن للكيان الصهيوني سجل حافل في شراء أصوات الديكتاتوريات، منذ 1967، عندما دشنت حملة دبلوماسية واسعة النطاق بهدف إقناع دول العالم بمعارضة القرارات التي تتخذ في المحافل الدولية ضد الكيان الصهيوني وخصوصًا تلك التي طالبت بالانسحاب من الأراضي المحتلة، وما زال الكيان الصهيوني يتبع نفس الإجراءات عبر علاقات التسليح والتدريب والأمن وأيضًا التقنيات الحياتية كتقنيات المياه.
من المعروف أن الحملة الصهيونية فشلت، وحتى عام 1973، قطعت العديد من الدول العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني، وتبين أن الدعم الذي قدمته حكومة العدو لديكتاتور مثل بينوشيت في تشيلي عديم الأهمية، حيث أن مثل هذه البلدان كانت هامشية ومعزولة دوليًا أصلاً، وأصواتها لا قيمة لها وسط الحشد الدولي الذي أدان الكيان وطالبه بالانسحاب الفوري.
يبدو أن الزمن يعيد نفسه، والكيان يستمر في حشد أصوات دول لا قيمة لها في المجتمع الدولي، وهذا ما أثبته الحشد الأخير في حفل السفارة، في الأسبوع الماضي، وكما قلنا، نشر الصحفي نوا لنداو قائمة في هآرتس، توصف بأنها مشينة بأقل الألفاظ، وتشهد القائمة على الإخفاق المستمر للكيان الصهيوني في حملة علاقاته العامة. حيث تظهر القائمة أن معظم الدول التي شاركت ليس لها أي أهمية جغرافية سياسية، وتعكس مشاركتها في الغالب مصالح سياسية مؤقتة قد تتغير في المستقبل.
على سبيل المثال بورما، وجنوب السودان ، وهما دولتان لهما سجل فضائحي في حقوق الإنسان وتنفذان تطهيرًا عرقيًا غاشمًا وجرائم ضد الإنسانية، وليس لديهما أي قدرة سياسية أو دبلوماسية للتأثير على أي دول أخرى أو دعم ضم القدس الشرقية إلى الكيان.
ولننظر أيضًا إلى النظام المترنح للرئيس الغواتيمالي جيمي موراليس، الذي يؤيد الضم كجزء من حملته لنيل إطراء ورضا إدارة ترامب، لإقناعها بالعدول عن دعمها لإصلاحات مكافحة الفساد في بلاده،
خلال الحرب الأهلية في غواتيمالا، قدمت "إسرائيل" الدعم العسكري لتنفيذ الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية ضد السكان الأصليين في البلاد. ووفقًا للتقديرات، يدعم الرئيس جيمي موراليس نقل السفارتين الأمريكية والغواتيمالية إلى القدس كجزء من جهوده لإقناع ترامب بإلغاء الدعم الأمريكي السياسي والمالي لفريق دولي يبحث في مزاعم الفساد في البلاد، وتحديدًا قضايا الفساد المرتبطة بعائلة موراليس وشركائه، فضلاً عن تمويل حملته الانتخابية. وقد يواجه خلال بضعة ِأشهر إقالة واتهامات جنائية ولن يستطيع نتنياهو إنقاذه.
يلاحظ التقرير أن معظم علاقات الكيان الصهيوني مع الدول التي شاركت في حدث –فضيحة افتتاح السفارة الأمريكية تقوم على الصادرات الأمنية المستمرة، التي تستخدم للقمع والاضطهاد السياسي والقتل والاغتصاب والتعذيب. ولهذا السبب فإن دعمهم لضم القدس الشرقية قد يتغير مع تحول في أنظمة كل منهم.
أنغولا أيضًا، يبدو أن السفير الذي حضر ويعاقب الآن هو من "فلول" الرئيس الفاسد والمستبد المقال إدواردو دوس سانتوس، ومن المعروف أن الكيان دعم جرائم نظام الفصل العنصري السابق في بريتوريا والتي نفذت في أنغولا، عبر دعم الحرب الأهلية هناك، وقد باع الكيان السلاح إلى جانبي تلك الحرب، وعندما انتهت الحرب كان الكيان أحد داعمي الرئيس المستبد المخلوع.
أما الكاميرون، فكانت متلقيًا للسلاح الصهيوني طوال عقود، بواسطة الديكتاتور بول بيا، وخلال العامين الماضيين، قامت وحدة النخبة المدربة من قبل الصهاينة، والتي غالباً ما يستخدم جنودها أسلحة "إسرائيلية" بحملة إرهاب ضد السكان المحليين في المناطق الناطقة باللغة الإنجليزية في الكاميرون.
ونذهب إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، في هذا البلد ساعد الكيان الصهيوني الديكتاتور موبوتو سيسي سيكو في إنشاء وحدات عسكرية كاملة، بينما قدمت قوات الأمن المميتة والفاسدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية الأسلحة والتدريب. استمرت الأسلحة الصهيونية بالتدفق حتى بعد رحيل سيكو، عبر ديكتاتور آخر هو لوران -ديزيريه كابيلا، ثم ابنه جوزيف، وتشير التقارير أنه تم استخدام الأسلحة "الإسرائيلية" في مذابح في جميع أنحاء البلاد على مدى العامين الماضيين.
ولساحل العاج باعت "إسرائيل" الأسلحة وقدمت التدريب الذي استخدم خلال الحروب الأهلية المختلفة عبر تاريخ البلد، وكل ذلك في انتهاك للحظر الذي فرضه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والمسؤولون في المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" قريبون من كبار المسؤولين في ساحل العاج.
بينما قدمت الحكومة الصهيونية الدعم المتواصل للدكتاتور فرديناند ماركوس، الذي حكم البلاد من عام 1965 إلى عام 1986، والتي كانت فرق الموت والميليشيات التابعة لها مسلّحة ومدربة من قبل "الإسرائيليين". خلال السنوات القليلة الماضية، غالباً ما كانت قوات الأمن تحت حكم رودريجو دوتيرتي، المسؤولة عن قتل ما لا يقل عن 7000 شخص كجزء من "الحرب على المخدرات"، مسلحة ببنادق "تافور" الصهيونية.
بينما تحوي الهندوراس إحدى أكثر أجهزة الشرطة فسادًا في العالم، ولديها روابط مباشرة بالجريمة المنظمة وعصابات المخدرات. ويقوم الجيش بأنشطته داخل حدود البلد، وبالتالي فإن صلاحياته تتجاوز حماية حدوده فحسب. في عام 2013، أنشأت حكومة هندوراس شرطة عسكرية تضم 3000 جندي مسلحين ببنادق تافور صهيونية.
وفي كانون الأول / ديسمبر 2016، وقعت "إسرائيل" على صفقة لتصدير الأسلحة إلى هندوراس، وهي واحدة من أكبر الصفقات في أمريكا اللاتينية في الذاكرة الحديثة. وادعى الرئيس خوان أورلاندو هرنانديز أنها كانت صفقة تاريخية من شأنها أن تعزز قوات الأمن في البلد على خلاف ما حدث قبلها. وإلى جانب حاجة النظام إلى الدعم "الإسرائيلي" لقمع المعارضة الداخلية، يقال إن هيرنانديز يؤيد نقل سفارة هندوراس إلى القدس كجزء من ضغطه لإقناع إدارة ترامب بالاستمرار في دعم نظامه السياسي والاقتصادي. وهذا ضروري بشكل خاص بعد ادعاءات المجتمع الدولي بتزوير الانتخابات السابقة.
أما صربيا، فقد كانت "إسرائيل" واحدة من أهم مصادر الدعم السياسي والعسكري للقوات الصريبة والبوسنية الصربية في الجرائم التي ارتكبوها خلال حرب البوسنة. خلال السنوات العديدة الماضية، حيث قدمت الدعم العسكري والاقتصادي للانفصاليين البوسنيين الصربيين، مما أدى إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي.
ودعمت دولة الاحتلال مختلف المليشيات في السلفادور ممن ارتكبوا جرائم حرب ضد الإنسانية، خلال الحرب الأهلية طويلة الأمد، وتواصل تل أبيب تقديم المساعدات العسكرية والأمنية رغم حقيقة أن قواتها الأمنية فاسدة وعنيفة ومرتبطة بالجريمة المنظمة وعصابات المخدرات.
وفي راوندا باعت "إسرائيل" وعلى الرغم من الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت تحت مراقبته في شرق الكونغو وفي رواندا نفسها. على مدى السنوات القليلة الماضية، باعت "إسرائيل" نظام كاغامي بنادق تافور وزودت قواتها بتدريب عسكري.
وفي البيرو دعمت "إسرائيل" عددًا من الديكتاتوريات العسكرية القمعية في البلاد، التي ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. ونعلم أنها باعت أسلحة وقدمت تدريبات لنظام العسكر في بورما حتى 2017 على الأقل. وعلى الرغم من حقيقة أن الأمم المتحدة والولايات المتحدة قد قررت أن بورما تقوم بتطهير عرقي، بل وحتى إبادة جماعية، ضد الأقلية المسلمة. امتنعت "إسرائيل" عن انتقاد النظام بينما كانت تقدم له دعمًا سياسيًا مهمًا.
ووبالنسبة لجورجيا ففي عام 2008، بينما كان وزير الدفاع الجورجي يبلغ من العمر 28 عامًا وهو صهيوني من مستوطنة حولون باعت "إسرائيل" الأسلحة وقدمت التدريب لقوات الأمن الجورجي، وشاركت في الحرب بين الحكومة والقوات الانفصالية.
ووفرت "إسرائيل" قدرًا كبيرًا من الدعم الأمني في كينيا، على الرغم من أن الرئيس أوهورو كينياتا يشتبه في ارتكابه جرائم ضد الإنسانية، وقد أعيد انتخاب كينياتا مؤخرًا في انتخابات احتيالية. وفي الوقت نفسه، تعتبر نيروبي بمثابة المحور الرئيسي لشركات الأمن "الإسرائيلية" في شرق أفريقيا.
وفي جنوب السودان زودت "إسرائيل" حكومة جنوب السودان القاتلة بآلاف الأسلحة قبل اندلاع الحرب الأهلية في البلاد، والتي تستمر حتى اليوم. وقد استخدمت الأسلحة لتنفيذ جرائم ضد الإنسانية ضد شعوب النوير. كما تم جلب الأسلحة "الإسرائيلية" إلى البلاد عبر أوغندا. وتستخدم تكنولوجيا المراقبة "الإسرائيلية" لتنفيذ جرائم ضد الإنسانية في البلاد. وفقًا للخبراء المختلفين، فإن النظام مسؤول عن جرائم الحرب والتطهير العرقي وحتى الإبادة الجماعية.
وفي المجر تدعم حكومة نتنياهو بقوة حكومة فيكتور أوربان، الذي يقوم بتفكيك المؤسسات الديمقراطية في المجر ويقوض أسس الاتحاد الأوروبي. علاوة على ذلك، تساعد الحكومة الصهيونية على تبرئة أوربان من معاداة السامية ومعاداة الحزب الحاكم لها. فعلى سبيل المثال، تجاهلت "إسرائيل" عمدًا دعم أوربان لميكلوس هورثي، الذي حكم المجر أثناء الحرب العالمية الثانية ودخل في تحالف مع هتلر، وكذلك دعم نتنياهو لحملة الحكومة المجرية المعادية للسامية الأخيرة ضد جورج سوروس.
أما أوكرانيا فتشتري من الكيان صادرات دفاعية مختلفة بما في ذلك الترخيص لشركة أوكرانية لصنع بنادق تافور، وتغاضت حكومة نتنياهو عن الظهور الحديث للنازيين الجدد ومعاداة السامية في الحكومة وقوات الأمن.
أما تنزانيا فعلى الرغم من أنها تعتبر واحدة من أكثر الدول استقرارًا في أفريقيا، فقد حدث تدهور أخير في وضع حقوق الإنسان هناك، إلى جانب تشديد القيود على حرية التعبير. ترافق ضعف الديمقراطية في تنزانيا مع ارتفاع درجة حرارة العلاقات مع دولة "إسرائيل"، حيث قامت وزيرة العدل "الإسرائيلية" أيليت شاكيد حتى بزيارة أخيرة هناك.
هذه القائمة لايمكن أن تكون مبعثًا لفخر الحكومة الصهيونية أو إدارة ترامب، التي فشلت حتى مع التهديدات المشينة من نيكي هايلي بقطع المساعدات عن الدول في حشد دول أكثر احترامًا من هذه.
الدول العظمى والمهمة حول العالم لم تعر انتباها للحدث المشين في القدس المحتلة ورفضته علنًا، وهكذا لايمكن أن يتخلى الكيان الصهيوني عن الدعم المتبادل مع أكثر الرجعيات والديكتاتوريات فسادًا في العالم، وهذا هو انعكاس خمسين سنة من "النجاح الدبلوماسي" الذي يتشدق به نتنياهو.

