Menu

اغتيال الزواري: كيف كشفت تونس الغطاء عن المصادر الخارجية للموساد؟

بوابة الهدف/إعلام العدو/ ترجمة خاصة

في الأسبوع الماضي، أمرت محكمة كرواتية بتسليم مواطن بوسني يشتبه في قيامه باغتيال المهندس الشهيد التونسي محمد الزواري، وقد اعتبر موقع مكور ريشون اليمين الصهيوني أنه يجب اعتبار هذه البداية فقط من أوامر الاعتقال الدولية المرتبطة بجوازات سفر من منطقة البلقان وقد تطور مؤشرًا لانكشاف صفحة جديدة من نشاط الموساد الصهيوني تتعلق بالاستعانة بمصادر أجنبية لتنفيذ عمليات الاغتيال.

وكتبت بازيت رابينا في تقريرها في التفاصيل أن البوسني آدم شامزيتش كان يغادر كرواتيا في طريقه إلى سراييفو عندما انتظرته مفاجأة غير سارة في مطار زغرب الكرواتي تتمثل في مذكرة توقيف دولية صادرة عن الانتربول.

ووفقاً للمذكرة الصادرة بناء على طلب من الحكومة التونسية، كان يشتبه بتورطه في اغتيال محمد الزواري، في ديسمبر 2016 عندما عاد إلى منزله في صفاقص، ثاني أكبر مدينة في تونس وكان شهود عيان أفادوا بأن شخصين مجهولي الهوية قد خرجا من سيارة فان تتحرك بجوار سيارة الزواري، وفتحا الأبواب وأطلقا عليه النار من مسافة قريبة. وقد اخترقت ست رصاصات جثته، ثلاثة منها مباشرة في رأسه واستشهد على الفور وفي وقت لاحق وجدت السلطات أربع سيارات مهجورة وترسانة كاملة من الأسلحة والذخيرة.

وأصدرت الحكومة التونسية بيانًا رسميًا بأن "عناصر أجنبية" متورطة في عملية الاغتيال، وقال وزير الداخلية الهادي مجدوب إن الحكومة لديها أدلة على تورط أجنبي في الاغتيال، و في تلك المرحلة كانت الحكومة التونسية قد امتنعت عن ذكر الموساد علنا، ولكن بسبب غضب الرأي العام نشرت الحكومة تحديثات حول تقدم التحقيق وكشفت أن فرقة من 12 رجلا متورطة في التصفية، وهي تتألف من ثلاثة أقسام فرعية: فرقة لوجستية، وفرقة لجمع المعلومات، وفرقة تصفية، وتبين أن بعض أعضاء الخلية كانوا "مواطنين تونسيين يعيشون في أوروبا، والباقي من الأشخاص الذين يحملون جوازات سفر أوروبية مختلفة، برئاسة اثنين من حاملي جوازات السفر البوشناق الذين كانوا جزءًا من فريق التصفية".

انطلاقاً من تفاصيل التحقيق التونسي، تم إنشاء صورة لمسرح الجريمة ووفقا للتحقيق، كان المنفذان يتظاهران بأنهما مالكان لشركة إنتاج أفلام ماليزية مقرها في فيينا.

و قال المتورطون التونسيون إنهم قبلوا عرضاً للعمل تم نشره على الإنترنت، حيث تسعى شركة إنتاج من ماليزيا للحصول على مرشحين لإنتاج سلسلة وثائقية حول الفلسطينيين المشاركين في العلوم والثقافة وأحد هؤلاء المستهدفين بالوثائقي كان المهندس محمد الزواري، ليس فلسطينيًا بالضبط، ولكنه قريب من الفلسطينيين.

عمل إعلان الانترنت كطعم واستجابت له صحفية تونسية مقيمة في هنغاريا، ومواطنان تونسيان يعيشان في سلوفينيا. ودعي كل منهم بدوره إلى اجتماع تعارف في فيينا، حيث تلقى "المنتجون" تعليمات لتأجير الشقق والسيارات في تونس لصالح شركة الإنتاج الماليزية المزعومة.  في المصطلحات المهنية لعالم الذكاء، هؤلاء هم "المجرمون" - الناس الذين ليس لديهم أدنى فكرة عما يستأجرون لأجله، ويبدو أن الموساد قد استعانت بمصادر خارجية.

ﻧﻔذ اﻟﻣواطﻧان اﻟﺗوﻧﺳﯾان ذاﺗﮭما اﻟﻣطﺎﻟب التي وجهت إليهما، وﻋﺎدا إﻟﯽ ﻣﮐﺎن إﻗﺎﻣﺗﮭما ﻓﻲ أوروﺑﺎ وأُﻣرا ﺑﺎﻧﺗظﺎر اﻹﻧﺗﺎج. ومن المستبعد أن يمكن أن يكونا قد خمنا أن الشقق والمركبات المستأجرة سوف تستخدم لتتبع الزواري.

العمل الأكثر تعقيدا كان من نصيب المقيمة في بودابست، حيث كلفت بمقابلة الزواري قبل يوم واحد من الاغتيال وهي لم يكن لديها أي فكرة عن دورها في التصفية المتوقعة لـ "الشخص الذي قابلته". وقد وافق الزواري على مقابلته كونها تونسية وكونها مزودة بمراجع محلية صحيحة، بينما كان يواظب على رفض المقابلات سابقا. ولكن الاستثناء الذي فتح أبواب استعانة الموساد بعناصر خارجية هو كون القاتلين يحملان جوازي سفر بوسنيين.

بعد اغتيال المهندس فادي البطش في ماليزيا أصبحت الصورة أكثر وضوحا، اتضح أن هذه سلسلة من الأعمال بينها قاسم مشترك واحد، هو الصلة بين أهداف الاغتيال وجهود حماس لتصنيع واقتناء أسلحة متطورة حسب الزعم الصهيوني، بدأت هذه العمليات باختطاف المهندس ضرار أبو سيسي من أوكرانيا، ثم المحاولة الفاشلة لاغتيال محمد حمدان في بيروت وبلغت ذروتها باغتيال فادي البطش.

بين اغتيال محمد الزواري واغتيال فادي البطش، سنة وخمسة أشهر، وبدا خلالها أن القاتلين البوسنيين قد تبخرا، والتونسيون أيضا، ولكن اتضح أن السلطات التونسية عملت بهدوء خلاف الكواليس لتتمكن من تحديد وجوه القتلة،  البوسنيين - سواء عبر الكاميرات الأمنية في صفاقص أو في المطار، بعد استنفاد التحقيقات وتنفيذ الإجراءات الدولية اللازمة، طُلب من الإنتربول إصدار مذكرة توقيف دولية ضد القاتلين.

لكن حتى هذا الوقت لم تدق صفارات الإنذار لا في ساراييفو ولا في تل أبيب، و من غير الواضح بالضبط متى تم تقديم الطلب. لكن قبل شهرين ونصف، غادر آدم شامزيتش مطار سراييفو في طريقه إلى فيينا - على الرغم من صدور مذكرة توقيف دولية ضده.

يتساءل التقرير عن السبب في أنه لم يتم تحذير القاتل من قبل مشغليه، لم يكن هناك أحد لتحذيره حتى لا يخاطر بالتعرض للاعتقال،  وليس من الواضح ماذا كان يفعل كل هذه المدة وما إذا كان جاء إلى فيينا لمقابلة مشغليه؟ والسؤال المطروح ما إذا كان اعتقاله سيؤثر على "إسرائيل" ؟

ويذكر أنه في  (46 عامًا)  ولد في صربيا لعائلة مسلمة و عند الانتهاء من دراسته التحق بأكاديمية الشرطة في سراييفو،  عندما اندلعت الحرب الأهلية في البوسنة في أوائل التسعينيات، جند شامزيتش في الجيش البوسني تحت قيادة الرئيس علي عزت بيغوفيتش.

وكان له فيلم مغامرات يعرض كفاءاته على اليوتيوب اختفى فورا بعد اعتقاله، ربما بنفس الطريقة التي تم بها مسح الفيديو أيضا من الكاميرا الأمنية للمقهى المجاور لمنزل الزواري، في وقت لاحق، وفقا لمقال على موقع "مجلة إنتر" البوسنية، انضم إلى شركة "إسرائيلية" باعت معدات الاستماع والاتصالات في البوسنة. وكانت محطته التالية شركة أمريكية متخصصة في توظيف وتدريب المتخصصين في الجيش البوسني، كجزء من اتفاقات السلام الموقعة في المنطقة. وكانت المرحلة التالية هي الانتشار في العراق. حيث كان يعمل لحساب الأمريكيين.

وفي الأسبوع الماضي، قررت المحكمة أن الشروط القانونية لتسليم شامزيتش إلى تونس قد استنفدت. خلال جلسات الاستماع، حاول محامي شامزيتش أن يقول إنه بصفته عضواً في الاتحاد الأوروبي، مُنعت كرواتيا من تسليم موكله إلى بلد حُكم عليه بالإعدام. لكن المحكمة دققت في القضية، وخلصت إلى أنه منذ 2015 تم تخفيف عقوبة الإعدام في تونس إلى السجن مدى الحياة. لذلك، لا يوجد عائق لتسليمه. لا يزال شامزيتش يمتلك الحق في الاستئناف.

لكن قضية  شامزيتش هي على الأرجح مجرد قمة جبل الجليد. الأخبار السيئة لـ"إسرائيل" هي أنه بالإضافة إلى قرار تسليم شامزيتش، ظهر القاتل الثاني أيضًا، فيوم الثلاثاء الماضي، أعلنت الحكومة البوسنية عن اعتقال ألفير شاراتز، 38 عاما، المشتبه في مساعدته لشامزيتش في عملية الاغتيال. وهو أيضاً جندي محترف، وعمل لدى شركة DynCorp، وهي شركة دفاع أمريكية، لديه سجل من السلوك غير المنضبط بينما كان يخدم كجندي في الحرب في وحدة الإرهاب في الجيش البوسني، ثم خبيرا في شؤون الأمن.

وقد واعتقل شاراتز الثلاثاء الماضي لكنه أطلق سراحه بعد أن اتضح أنه لا يوجد اتفاق لتسليم المجرمين بين البوسنة وتونس. واعترف شاراتز بالمناسبة أمام المحكمة أنه كان بالفعل في تونس وقت اغتيال الزواري، لكن ذلك لم يكن سوى مصادفة. وقال إنه ذهب إلى تونس للعمل. ليس من المؤكد أن إطلاق شاراتز سوف يخفف من مخاوف مشغليه في الموساد.

لكن الخبر الأسوأ للكيان هو أن هذه ليست النهاية. وقال المتحدث باسم وزارة العدل التونسية هذا الأسبوع أنه بالإضافة إلى هذين القاتلين تسعى تونس لاسترداد ثلاثة مشتبه بهم آخرين يحملون جوازات سفر أوروبية، شاركوا في اغتيال الزواري ويفترض أن اثنين منهم على الأقل يحملان نفس جواز السفر السلوفيني المذكور في المراحل الأولى من التحقيق في تونس. في هذا الوقت تبقى السلطات الصهيونية صامتة.