Menu

بعد 18 عاما من الهزيمة في جنوب لبنان: جيش لحد زرع الخيانة وحصد الريح

أيهود باراك مع الخائن أنطوان لحد

بوابة الهدف/أحمد.م.جابر

بعد 18 عاما على الهروب الصهيوني من لبنان، والذي وصف بأنه وصمة عار على وجه "الجيش الذي لا يقهر" ما تزال التحليلات والمعلومات تخرج إلى العلن حول طبيعة هذا الانسحاب-الهزيمة، وما الذي حدث فعلا، وكيف استخدم انسحاب غير منظم وتحت نار المقاومة حتى اللحظة الأخيرة في الترويج لانتخاب رئيس وزراء الكيان آنذاك. بل وفي الجوهر كيف انهار جيش العميل أنطوان لحد خلال ساعات وكيف امتنعت "إسرائيل" عن نجدة عملائها ولو برصاصة واحدة، وكيف أخفى المستوى الصهيوني الأعلى الانسحاب وخطته عن قادة الألوية ما يطرح سؤالا محقا، هل كانت هناك خطة أصلا كما يزعم باراك وجنرالاته العاملين في ذلك الوقت؟

في هذا السياق تأتي شهادة العقيد المتقاعد في جيش العدو الصهيوني نعوم بن تسفي الذي قاد القطاع الغربي في ذلك الوقت (ثم أرسل إلى الخارج ليتعرف على عمله الجديد كملحق عسكري في هولندا  أثناء دراما الأحداث المتصاعدة عام 2000) بالغة الأهمية حيث تلقي مزيدا من الضوء على الغموض الذي أحاط بعملية اتخاذ القرار الصهيوني بقبول تلك الهزيمة وذلك الانسحاب، وجرجرة أذيال الخيبة في هروب لم يشهد أي تنظيم أو صلة بكفاءة الجيش وقدراته التنظيمية المزعومة.

يعتبر بن تسفي أن الحجة التي تقف في قلب الملاحظات هي أنه رغم أن الانسحاب على حد زعمه كان مخططا إلا أن قادة الألوية في الميدان لم يتم إبلاغهم، بأي شيء، ولم يتم تحديث المعلومات على الأرض،  ويزعم بن تسفي أنه كان يدعم الانسحاب ولكن بشكل منظم، وأن التحضيرات بدأت بالفعل في حزيران/ يونيو، وفجأة وبدون سابق إنذار بدأ الساسة الكبار وكبار قادة الجيش بالتنفيذ دون سابق إنذار خفية عن قادة الألوية، ويقول إنه ما يزال يسأل نفسه هذا السؤال حتى اليوم: لماذا؟

في المقابلة التي أجراها معه أوري ميلستين في صحيفة معاريف الصهيونية يشير بن تسفي إنه يقصد بالمستويات العليا ليس فقط رئيس الوزراء أيهود باراك ورئيس الأركان شاؤول موفاز، بل أيضا غابي أشكنازي قائد المنطقة، وأيضا قائد الفرقة 91 موشيه كابلينسكي و بيني جانتز. ويشير إلى أن هذا استنتاجه من تحليل أحداث 23 أيار/مايو ولغاية 25 منه.

ويقر بن تسفي بأن جميع قادة الألوية كانوا يريدون انسحابا منظما وأن هذا قيل في المناقشات، وأنه كان هناك خطط مفصلة وتم اتخاذ ترتيبات في أواخر حزيران/يونيو، ولكن قبل شهر من الموعد المخطط، حدث مدهش" بدلا من الانسحاب المنظم، كان هناك هروب، حتى أولئك الذين كانوا يؤيدون الانسحاب، مثلي، لا يمكنهم نسيان عار الهروب ". ولا أحد يعرف كيف حدث ذلك، وكان  أيهود باراك (مرشح حزب العمل حينها) قد وعد في أيار/مايو 1999 الناخبين بأن يسحب الجيش الصهيوني من لبنان بعد سنة من انتخابه إذا فاز بالثقة،

 كان العقيد في جيش العميل أنطوان لحد "سامي" والذي خدم باعتباره ضابط اتصال بين لحد والصهاينة قد صرح " "بعد إعلان باراك خشي جيشنا "عصابة أنطوان لحد" إن "إسرائيل" سوف تتخلى عنهم، ، واعترف أن بيان باراك سبب صدمة كبيرة "لقد طرحوا أسئلة - ولم تكن هناك أجوبة - ثم ظنوا أنه قد تكون هناك نوايا خبيثة، وأن الذين بقوا لم يؤدوا واجباتهم ولم يبلغوا عن الحقيقة" وقد أدى هذا حسب نا يقول إلى انفصال أعضاء الميليشيات العميلة واتجاههم للتعاون مع الجيش اللبناني وحزب الله.

وعلى الرغم من الرغبة في إخفاء قرب انسحاب لمفاجأة المقاومة في جنوب لبنان، كما تزعم تقارير صهيونية، جاءت المعلومات من الولايات المتحدة أن الشاباك أوصى بنقل الكبار من الميليشيات إلى داخل الكيان شريطة موافقة الوزراء ورئيس الوزراء والتقى  نبيه أبو رافع رئيس القسم الشرقي لجيش لحد بإيهود باراك في تل أبيب ووعده هذا وفقا لأبي رافع بأن الأمور ستكون على ما يرام.

كانت هناك شائعات بأن الجيش الصهيوني سيحتفظ بمنطقة أمنية رقيقة في الجنوب، وحسب "سامي" فإن موفاز قال هذا وأن الجيش ضد الانسحاب الأحادي، لكنه لا يستطيع أن يعد بشكل بقرار باراك.

يقول أحد قادة المليشيات العميلة "لقد أدركنا أن الجيش الإسرائيلي يهجرنا وقد رأيت ذلك في عيون جنودي" ولم يكونوا يعلمون ما يفعلون، وقرروا الاستسلام  وفي تلك الليلة اجتمع قائد كبير من المليشيات العميلة مع بني غانتز وقال له "من المهم أن تبقوا معنا وسنستمر في دفع رواتبكم" .

يعترف بن تسفي بأنه أمر بإطلاق الرصاص الحي على مشيعين لبنانيين في قرية القنطرة، كانوا بالمئات، وهو كان في طريقه إلى هولندا ليشغل منصب الملحق العسكري، واتصل به أبراهام كوهين الذي أخذ مكانه في القطاع وأبلغه أن " جنازة تضم عدة مئات من اللبنانيين كانت تتحرك نحو الخط الأحمر، وهي قرية قنطرة ، حيث ممنوع العبور، ويتم  إطلاق النار على أي شخص يحاول المرور" ورغم أن القرية كانت مهجورة، لكن تبين أن المتوفى كان مقيماً هناك وأن أقاربه أرادوا دفنه في مقبرة عائلته. يقول بن تسفي " أمرت كوهين بإيقاف الجنازة بأي ثمن، حتى إطلاق الذخيرة الحية عليهم. كنت على يقين من أنه سوف يتبع هذا الأمر. استقللت الطائرة وذهبت إلى هولندا".

يضيف بن تسفي: "بينما كنت فوق البحر، اكتشفت في وقت لاحق، أن كوهين تجاوز تعليمات إطلاق النار، وأدرك المشيعون أنه لا يوجد أحد لمنعهم ، وعبروا الخط الأحمر ووصلوا إلى المقبرة. قاموا بدفن المتوفى واستمروا في قرية الطيبة القريبة. رأى أعضاء حزب الله أن قواعد اللعبة قد تغيرت، انضموا إلى الموكب ، وقال قائد كتيبة المليشيات العميلة في القطاع أنه توجه لمقابلة غانتز وفهم منه أن الجيش "الإسرائيلي" لن يرفع إصبعا لمساعدتهم.

مسيرة القنطرة تطورت إلى اندفاع شعبي عارم حرر المزيد من القرى ما أذهل موفاز الذي كان يحضر تمرينا في الجليل الأعلى، ويقول الجنرال  المتقاعد غيورا آيلاند "عندما زادت المسيرات المدنية، عقد اجتماع متوتر  حضره رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع ورئيس الأركان، قائد المنطقة الشمالية وغيره من الجنرالات في هيئة الأركان العامة وطرح السؤال ماذا نفعل الآن، مرة واحدة بدأ جيش جنوب لبنان بالانهيار وكان  هناك اقتراح:، لإرسال كتيبة أو اثنتين بدلاً من المليشيات المنهارة للحفاظ  على الخط والقتال، كان السؤال هو ما إذا كان من الصواب القتال على الخط، قبل شهر من الانسحاب منه. في ذلك الوقت، في موقع في القيادة الشمالية، لم يكن القرار بسيطًا على الإطلاق.

يضيف بن تسفي ""ما ساعد رئيس الوزراء في قراره بأن انسحاب الجيش "الإسرائيلي" فوراً لم يكن مرتبطاً فقط بالواقع العسكري كما هو موصوف، بل أيضاً بمصادفة حدث سياسي، بجلسة صباحية لمجلس الأمن لإظهار أن "إسرائيل" تنفذ فعلا ما هو مطلوب منها، من المجتمع الدولي.

اجتمع "سامي" مع باراك بحضور غانتز وسأل باراك " "هل تتوقع منا الاستمرار في الاحتفاظ بالمنطقة الأمنية؟" لم يجب باراك. ويقول  نبيه أبو رافع  أحد قادة لحد عن ليلة الهروب الكبير ""بعد فترة تلقيت مكالمة هاتفية من صديق في "إسرائيل"، قال: لديك 20 دقيقة للهروب. خذ العائلة، أنا في انتظاركم بالقرب من الحدود ". ويضيف "كنت أعرف أن هناك معركة كبيرة هنا، لم أكن أحمقا. رأيت حزب الله هنا. طلبت منهم إرسال دبابات لإنقاذنا. قال لي الصديق: اترك القرية كالعادة. لا تنظر الى الوراء. تعال إلى بوابة فاطمة، سأنتظرك. عندما غادرت، اتصل بي حزب الله  "سوف تهرب إلى دولة “إسرائيل”، الذي سيسمح لك بأكل شنيتزل ".

يقوا القيادي أبو رافع "اتصلت بالضباط وقلت لهم من يريد الذهاب إلى إسرائيل، فليذهب". أراد البعض البقاء وطلب المشورة بشأن ما يجب فعله. أجابهم "خذ الجنود. سأتحدث مع الشيوخ المتصلين بالجيش اللبناني وسيأخذونك إليهم". "حاولت أيضًا الاتصال بالضبط "الإسرائيليين"  ولا أحد رد علي علمت لاحقا أنهم قد أمروا بعدم الإجابة. تمكنت من الوصول إلى أيوب قره  وقال إنهم ينتظرونني في السياج. على الطريق، قال عمي  عمي، الذي كان له صديق، وزيراً في الحكومة اللبنانية، قال له الوزير: 'أخبر نبيه أن يهتم  بالطريقة التي يذهب بها. هناك أشخاص يظن أنهم أصدقاءه لكنهم سيقتلونه. كان الحديث عن أشخاص من جيش لحد متصلين بحزب الله".

بالعودة إلى بن تسفي يتذكر قائلاً: "في مطار بن غوريون، كان سائق سيارتي ينتظرني، وقد سافرنا شمالاً" واكتشف أنه ليس فقط تغيرت أوامر إطلاق النار التي أصدرها حول الجنازة، بل ترك الجنود دبابتين والكثير من المعدات وهربوا، بما في ذلك ناقلة جند مدرعة مزودة بمعدات سرية للغاية، وتجمع الآلاف من جنود لحد  على البوابات بين لبنان و”إسرائيل”. بعد ذلك، تمركزوا في قاعدة بالقرب من طبرية"  ويقول " ذهبت إلى هناك وتحدثت إليهم. بعد يومين تحدثت مع غانتز حول ما حدث. لم أحصل على إجابات. قلت له: "سأستقيل وأعود للمنزل".

ألقى قادة الألوية الصهاينة باللوم على القيادة العليا بسبب الانسحاب المشين، الذي أدى إلى انهيار جيش العميل لحد،  لأن غانتز وكابلنسكي لم يعطوا أوامر لقادتهم ولم يسمحوا لهم بإطلاق النار على حزب الله ، الذي سيطر على مواقعهم الأمامية، ويزعم بن تسفي أن قذيفة واحدة كان ممكنا أن توقف الانهيار عند الخط الأحمر، ولكن الجيش الصهيوني لم يحقق أبدا في حقيقة ما حدث.

ردا على الاتهامات قال باراك أنه فخور بقراره للتخلص من 18 سنة من المأساة، وزعم أنه فخور لحقيقة أن الانسحاب تم تنفيذه على الرغم من الاعتراضات والتحفظات  دون قتل أو جرح أي جندي، ويزعم أن الخروج المنظم الذي كان معروفا لحزب الله كان سينفذ أيضا تحت النار. من جهته زعم الجنرال كابلينسكي أن تصريحان بن تسفي على أقل تقدير "غير صحيحة".