من الواضح أن إيمانويل ماكرون غير تماما السياسة الفرنسية لتكون أكثر مواءمة للكيان الصهيوني، مع العلم طبعا أنها لم تكن في السابق موائمة للفلسطينيين، ولكن هذا التغير الجديد كما يراه آسا وينستانلي في مقالة على MEM يعتبر جزءا لا يتجزأ من الليبرالية الجديدة، الموالية للولايات المتحدة، وعزم ماكرون على التجذر في الحلف الأطلسي والاقتراب أكثر من سياسات دونالد ترامب.
يرى المقال إلى أنه في الخلفية من الغضب على الجرائم "الإسرائيلية" في قطاع غزة، فإن احتضان نظام ماكرون للكيان الصهيوني أجج الغضب والمظاهرات الفرنسية ودفع رموزا ثقافية فرنسية معروفة للإعلان عن مقاطعتهم لأنشطة حكومتهم المصممة على احتضان "إسرائيل" وأبرزهم المخرج الكبير جان لوك غودار الذي طالب مع زملائه بإلغاء ما يسمى موسم (إسرائيل-فرنسا) الذي افتتحه ماكرون مع نتنياهو منذ حوالي أسبوعين.
وقد وصف وزير الخارجية ورئيس الوزراء السابق دومينيك دو فيلبان ذات يوم الوضع بأنه أقرب إلى "دوامة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا قبل فريدريك دو كليرك ونيلسون مانديلا، المبني على القمع العنيف، الإثم والبانتوستونات المذلة وقريب من دوامة العار في الجزائر الفرنسية حينذاك"
كما يبدو أن سياسات الرئيس الفرنسي المؤيدة "لإسرائيل" تثير استغراب البعض حتى في يمين الوسط. وذكر البعض الشهر الماضي بموقف رئيس لوزراء السابق ووزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان الذي انتقد غزو “إسرائيل" المستمر لقطاع غزة ولوحشية ضد حقوق الإنسان الأساسية للفلسطينيين، وكتب حينها “ندين إسرائيل، شيئا فشيئا، تتحول إلى نظام تمييزي عسكريتاري ودولة استبدادية".
يلاحظ الكاتب أن موقف ماكرون المناهض للفلسطينيين هو على شيء من التناقض مع الإدارات الفرنسية السابقة. ومن موقف كان مختلفا تماما إلى حين، في عام 2004 عندما ذهب دوفيلبان للقاء عرفات المحاصر ورفض لقاء شارون، مجرم الحرب..
ومع ذلك فإن ماكرون ليس فريدا في تاريخ السياسة الفرنسية التي شكلت واحدة من الإمبراطوريات الأكثر وحشية في العالم، وربما في المرتبة الثانية بعد الإمبراطورية البريطانية في القسوة تجاه الشعوب الأصلية.
وخلال الخمسينيات والستينيات، كانت سياسة الحكومة الفرنسية تدعم "إسرائيل" بدرجة كبيرة و كلا النظامين كان لهما أعداء إقليميين مشتركين، ليس أقلهم الزعيم المصري جمال عبد الناصر حيث تآمرت فرنسا وبريطانيا مع "إسرائيل" في هندسة غزو مصر في عام 1956، ما يسمى أزمة السويس.
في كتاب أندرو ويسلي كوكبيرن يظهر التحالف الخفي الوحشي بين وكالات الجيش والمخابرات الفرنسية و"الإسرائيلية"، ويروي قصة واحدة توضح عمق التحالف الإمبريالي الفرنسي الصهيوني في ذلك الوقت، ففي عام 1958، قامت طائرة تقل تاجر سلاح حكومي "إسرائيلي" بهبوط اضطراري في الجزائر المحتلة، استجوبه مسؤول فرنسي، عندما سئل عما كان يحمله في الطائرة، بدلا من إعطاء قصة الغطاء كان ليو غاردنر التاجر الصهيوني منفتحا تماما عن الأسلحة المشحونة إلى ديكتاتور الدومينيكيان رافائيل تروخيو وتحدث عن سجلا نشاطه هذا قائلا"في عام 1947، قمت بتهريب طائرات أمريكية إلى إسرائيل [فلسطين]"، و أوضح غاردنر “في عام 1948 طرت بأسلحة من تشيكوسلوفاكيا إلى إسرائيل، وقصفت القاهرة" وفي عام 1953 طرت من إسرائيل إلى إيطاليا ثم في عام 1956 طرت من فرنسا إلى إسرائيل ".
كان من المفترض أن تكون صفقة سلاح جاردنر غير قابلة للاعتراض من قبل السلطات الفرنسية من خلال اتصال بشمعون بيرس في باريس حيث كان بيريز آنذاك المدير العام لوزارة الدفاع الصهيونية ولكن اتضح أن ضابط اتصال بيريز نسي نقل المعلومات إلى الفرنسيين في الجزائر.
ولمسعدة ديكتاتور متوحش في أمريكيا اللاتينية تواصل بيريز مع رؤوس الخارجية الفرنسية، وقال الكاتب أن بيع الأسلحة إلى تروخيو فضلا عن ديكتاتورية سوموزا في نيكاراغوا.أظهرت صلات "إسرائيل" بالدماء المهدورة هناك.
لم يكن بيرس يعمل بمعزل عن بن غوريون بل كان يؤكد بحزم اتجاهه الصقري، وتبع ذلك صفقات أخرى مع تروخيو على النحو التالي: "من خلال عدم بيع عوزي لبلد معين، فإننا لا تطبق حظرا ضد هذا البلد، ولكن ضد أنفسنا. ومن الهراء المطلق حظر أنفسنا" كتب بيرس أثناء تبريره لبيع السلاح للمرتزقة المرتبطين بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

