في غزّة، لا تقتصر الأزمة على فئةٍ أو أشخاصٍ معيَّنين؛ فالجميع طالته يدُ المُعاناة، بدءًا من العائلات المهمشة حتى الموظفين، وصولًا إلى من يحاولون مساعدة أولئك ولو بأقلّ الدعم المُمكن، في ظل حصارٍ يتواصل لأكثر من اثني عشر عامًا.
عشرات الأسر الفقيرة في القطاع، وطوال سنواتٍ، تعتاشُ على بعض المعونات البسيطة التي تأتي على شكل "كوبونة" تُقدمها الجهات الخيريّة، أو المؤسسات التطوعيّة والحملات الشبابيّة؛ إلّا أن الكثير من هذه العائلات باتت اليوم غير قادرةٍ على الحصول على هذه "الكوبونة" البسيطة، بفعل الأزمات المتواصلة على غزّة، بدءًا من الحصار على انعدام الوظائف وتكدّس العاطلين عن العمل، إضافةً للعقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية منذ عامٍ ونصف.
وأدت الأزمة الأخيرة في القطاع التي نتجت عن فرض العقوبات من قبل السلطة الفلسطينية، إلى تراجعٍ كبيرٍ في الدعم المالي والتبرعات التي تصل عن طريق الجمعيات الخيرية والفرق الشبابية الفاعلة، التي كانت تعمل طوال سنوات الحصار بجهودٍ تطوعيّة لدعم المجتمع الفلسطيني ضد حصاره.
حملة الإحسان، هي واحدة من الفرق الشبابية التي تأثرت جراء الأوضاع الاقتصادية المتردية في القطاع، حيث قال عضو الفريق أحمد عبيد، إنّ "الفعاليات التي يقيمها الفريق بشكلٍ دوري ومستمر، شهدت تراجعًا كبيرًا خلال الأشهر الماضية"، معزيًا ذلك إلى "قلة الدعم المالي والتبرعات".
ويرى عبيد في حديثه لـ "بوابة الهدف"، أنّ الوضع السيء أصبح يطال جميع المواطنين، فحتى أي شخص كان يُقدم تبرعًا بسيطًا كجزء من راتبه، فقد اليوم راتبه، وأصبح هو الذي بحاجة للتبرّع من غيره.
وبيّن أنّ العديد من العائلات تأثرت جراء هذا التراجع في التبرع والدعم الخيري، قائلًا "إن العديد من الأسر في المناطق النائية والفقيرة من قطاع غزة، تنتظر في كل عام المتطوعين الشباب الذين يقدمون لهم المساعدات مثل الطرود الغذائية وملابس العيد أو العيديات المالية".
وحسب الإحصائيات الرسميّة، فإنّ نسبة الفقراء في قطاع غزة، وصلت إلى ما يزيد عن نصف السكان في قطاع غزة، والتي بلغت 53.0%، وقد وصلت نسبة الفقراء تحت خط الفقر المدقع إلى 33.8%، وذلك وفقًا لإحصائية نشرت في نيسان/إبريل 2018.
أمّا براء عبد الناصر، فهو أحد المسؤولين عن الفريق الشبابي، فقال لـ "بوابة الهدف"، إنّ نسب العائلات التي يتم تقديم التبرعات الخيرية لها، تراجعت بشكلٍ كبير، خلال العام الجاري، خصوصًا في شهر رمضان وعيد الفطر، إضافةً لعيد الأضحى.
وبيّن عبد الناصر أن سبب ذلك "قلة الدعم والتبرعات سواء التي يتقدم بها أهل الخير في غزة أو في الخارج". موضحًا أن العديد من العائلات باتت اليوم دون قدرة على الحصول على أي مبلغ أو وسيلة تساعده في إعالة أطفاله.
وقال الشاب إنّ الأزمات تزيد في فترات شهر رمضان والأعياد، وهي الفترة التي يعوّل فيها الناس على الجمعيات والمؤسسات في دعمهم، لكنّ "هذا العام شهد تراجعًا أكبر من غيره".
يذكر أن السلطة الفلسطينية تفرض عقوباتٍ على قطاع غزّة، منذ شهر نيسان/إبريل 2017، وتتضمن هذه العقوبات خفض رواتب الموظفين وقطع بعضها، إضافةً لإحالة بعضهم إلى التقاعد، مع وقف التحويلات الخارجية للعلاج، ووقف دفع ميزانية الكهرباء لقطاع غزة.
وزادت الأزمة في قطاع غزة مع وقف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" أكثر من 1000 موظف عن العمل، بدءًا من الشهر الجاري، ما أحدث حالة من الإرباك.
وبذلك تكون معظم الفئات في الوظائف والمؤسسات الفلسطينية غير قادرة على الحصول على راتبها الشهري، وكانت الأزمة قد بدأت مع موظفي غزة الذين عينتهم حركة "حماس" عقب سيطرتها على القطاع.
وعلى صعيدٍ آخر، يرى بعض الشبان أنّ الجهات الرسمية مقصّرة في دعم المجموعات الشبابية التطوعيّة، خصوصًا أن لها الدور في دعم العديد من عائلات القطاع، كما أنها عملت بشكلٍ فاعل خلال الأزمات، والتي برز دورها خلال العدوان الأخير عام 2014 خصوصًا.
وتقول حنين الرملاوي، وهي متطوّعة شابة في إحدى المجموعات الشبابيّة، أنّ الفريق الذي تعمل معه ويضم عددًا من الطلاب والطالبات، يعمل بشكلٍ ذاتي، ولا يحظى بأيٍ دعمٍ من جهاتٍ رسمية.
وتتمنى الطالبة أن تلقى هذه الفرق ولو دعمًا معنويًا، أو تكريمًا، يمكن أن يشجّعها على الاستمرار في ظل هذه الظروف، لكنها تؤكد أنّ عدم وجود الدعم "لا يكون عائقًا أمام الشباب في مختلف الظروف، من مواصلة عملهم".
وأبدت الشابة خلال حديثها مع "الهدف" حزنها على تراجع الدعم المقدم للأسر الفقيرة، من خلال المؤسسات والجمعيات، إضافةً لعدم مقدرة الفرق الشبابية التي تعمل بشكلٍ ذاتي على الحصول على التمويل اللازم لفعالياتها.
وأضافت: "خلال العامي الماضي قام فريقنا بإعالة أكثر من 500 أسرة من المواد الغذائية والملابس وأغراض المدارس والقرطاسية، إضافةً للقيام بتنفيذ فعاليات الأضاحي وذبح اللحوم، إلّا أننا في هذا العام اقتصرت نشاطاتنا على عدد قليل من الأسر الذي لم يتجاوز 200 خلال شهر رمضان فقط".
ويعتبر العمل التطوعي أحد أهم الوسائل المستخدمة لتعزيز دور الشباب في الحياة الاجتماعية والمساهمة في النهوض بمكانة المجتمع في شتى جوانب الحياة، خصوصًا في قطاع غزة الذي يعاني فيه الشباب من نسب عالية من البطالة، ومع تواصل الأزمات.
إلّا أنّ الأوضاع المأساوية التي يعيشها القطاع، تدفع إلى إنهاء هذه الأعمال التي تحتاج لتمويلٍ ودعمٍ بشكل مستمر، لمواصلتها، ما يزيد الخناق على الشباب والطلبة الفلسطينيين، الذين يرون في هذه الأعمال متنفسًا لهم، في ظل ما يُكدّر صفو الحياة من معاناة متواصلة.

