Menu

خاصعن القوة والضعف والفاشية: من أين أتى نتنياهو بهذا الكلام؟

نتنياهو وهتلر

بوابة الهدف/ - / أحمد.م.جابر

قال نتنياهو في حفل ديمونة النووي : الضعفاء ينهارون، يذبحون، يمحون من التاريخ، والأقوياء هم الذين ينجون. الأقوياء محترمون، وفي نهاية المطاف الأقوياء يصنعون السلام " هل هذا كلام جديد على الأسماع؟ كلا على الإطلاق فنتنياهو هو وريث طبيعي للفاشية القاتلة، عبر القرن الماضي، وابنها الشرعي، فلنتأمل ممن تعلم هذا القاتل.

قبله بحوالي القرن، كتب فيلهيلم شالماير ، المؤسس المشارك لحركة تحسين النسل الألمانية في أوائل القرن العشرين " أول دولة تتبنى أخلاقيات التطور سوف تسود على جميع الأخريات في النضال من أجل الوجود. ... ثم تصبح الإبادة والحرب سلعا أخلاقية للقضاء على الضعفاء".

وقبله أيضا يوم 13 أبريل 1923 في خطاب في ميونيخ قال أدولف هتلر " دائما أمام الله والعالم للأقوى الحق في فعل ما يريد فالطبيعة كلها صراع عظيم بين القوة والضعف ، انتصار أبدي للقوي على الضعفاء.

ولمزيد من الشواهد، كتب نيتشة بوقاحة " حقا إنني أسخر كثيراً من الضعفاء الذين يظنون أنفسهم صالحين لأنهم ليس لديهم مخالب لينشبوها".

تحمل إحدى رايات الجيش الصهيوني عبارة تقول «في البداية صنع جيش الدفاع الإسرائيلي الجندي والجندي صنع الأمة». ونعلم كيف يكتسب مفهوم القوة مكانة مركزية في الفكر الفاشي وجذوره المبكرة، ولقد أدرك زعماء الصهيونية مبكراً أن خطتهم ومشروعهم لا يمكن تحقيقه دون اللجوء إلى القوة التي ستتجسد لاحقاً في ممارسات العنف والإرهاب، ولطالما كرر قادة الكيان الصهيوني مقولات من نوع إن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة وأن الرد الوحيد على الفلسطينيين هو سحقهم، وكما قال بن زفي وفقا لعاموس أيلون «لقد سقطت يهودا بالدم والنار وستنهض ثانية بالدم والنار».

كانت القوة أو (أفضلية القوة) بتعبير آدم سميث هي الركيزة الأساسية للاستعمار والاستيطان وفرض النفوذ، ولا شك أن الأفضلية الوحيدة التي تمتلكها الولايات المتحدة في سطوتها واضطهادها للعالم هي أفضلية القوة، كذلك الحال بالنسبة للكيان، لا الأخلاق ولا منطق العقل ولا الحضارة هي ما يمكن أن يتيح لثنائي مثل ترامب ونتنياهو ومن سيأتي بعدهما ومن سبقهما بطبيعة الحال فعل ما يفعلون.

ومصطلح (أفضلية القوة) الذي تتبناه دولة الاحتلال عبر استراتيجية التفوق المطلق والردع النووي، صيغ أولا من قبل آدم سميث الذي وصفها بأنها "التي حازها الأوربيون فتمكنوا من ارتكاب كل أنواع المظالم في تلك البلاد النائية (الهند) دونما خوف من عقاب".

لذلك تبدو كلمات نتنياهو أعلاه، ليس أكثر من إعادة صياغة فليست صدفة أبدا أن يبدو نتنياهو نسخة جديدة من هتلر، فقد قام معلمه الأصلي ثيودور هرتزل كما هتلر بتطوير وعيه السياسي في فيينا الإمبراطورية على أسس الداروينية الاجتماعية التي كانت تترعرع بقوة في ذلك الوقت وهكذا شرب الفاشيون والصهاينة معا من ذات البئر المسمومة: بئر العنصرية والعرقية والتمييز والإبادة للأخر الأقل حظا ومكانة في نظرهما.

لذلك لا يتردد نتنياهو في الدفاع عن هتلر علنا، بينما يفترض أنه العدو الأكبر لدولة اليهود، يقول نتنياهو "هل تعلم أن هتلر لم يرغب في عزل اليهود؟ العربي (يقصد المفتي أمين الحسيني) جعله يفعل ذلك،مسلم.".

جاء ذلك في كلمة ألقاها نتنياهو أمام المؤتمر الصهيوني العالمي في القدس ، ووصف لقاء بين الحسيني وهتلر في تشرين الثاني 1941: "لم يرد هتلر إبادة اليهود في ذلك الوقت، كان يريد فقط طرد اليهود والحاج أمين آلحسيني ذهب إليه وقال "إذا طردتهم ، فسيأتون إلى هنا (إلى فلسطين ) ، سأل هتلر: "ماذا علي أن أفعل بهم؟" وأجاب المفتي: "أحرقهم"." كما كذب نتنياهو علنا أمام العالم كله. وطبعا هذا ليس أكثر من هراء تاريخي.

الفاشية حرباء متلونة، تغير نفسها حسب الحاجة، فهي نازية في ألمانيا وفاشية في إيطاليا وهندوسية في الهند، وصهيونية في فلسطين، وهي كذلك أمريكية أيضا، ولا تستغرب عزيزي القارئ، فقد قال هذا قس أمريكي، ففي عظة في كنيسة ريفرسايد درايف في نيويورك، قال البروفيسور هالفورد إي لوكوك من مدرسة اللاهوت لجامعة ييل في سبتمبر سنة 1938 "متى وعندما تأتي الفاشية إلى أمريكا لن يتم وصفها بأنها "صنعت في ألمانيا". لن يتم تمييزها بواسطة الصليب المعقوف ؛ لن تسمى حتى الفاشية. سيتم تسميتها ، بالطبع ، "الأمريكية".

فالفاشية لا تنشأ من العدم، وهي ليست نوعا من موضة سياسية، أو وليدة لحظة راهنة، انقلابية، إنما هي ظاهرة اجتماعية – سياسية، نامية وتاريخية، لها تمظهراتها في المجتمع والسياسة والاقتصاد والفكر، تنبع وتتشكل من مصادر متعددة تجتمع معا لتتبلور في لحظة حاسمة وعند عتبة فارقة معينة فيما يمكن أن نسمي بالفاشية.

من ناحية شخصية، يبدو غريبا أن يقول بنيامين هذا الكلام في مديح القوة وذم الضعف، بينما هو في حياته السياسية يبدو ضعيفا وغير مستقر ومعرض للذبح السياسي والقانوني بسبب فساده والتحقيقات الجنائية ضده، بينما يبرز عضلاته ضد الفلسطينيين عبر قمعهم بعنف ويقصف سورية خارج القانون للتأكيد على قوته، بينما هو ضعيف وغير فعال في وجه حزب الله ، وبسبب جنون العظمة يأجج المجنون الصهيوني نيران الصراع ويخاطر بحرب قد تؤدي في الواقع إلى دماره.

ولكن لم لا،

وهذا كان بالضبط ما انطبعت عليه الحركة الصهيونية في حربها المبيدة التي لم تستهدف النصر في واقعة أو معركة كلاسيكية وإنما النصر الهادف لإبادة الخصم، أن هذه اللغة (القوة) هي الوحيدة التي يفهمها، نصر يهدف ليس إلى مجرد الفوز وإنما إلى إذلال الخصم وتدميره.

وهكذا ففي عرف دايان" النصر العسكري هو الطريقة الوحيدة لحمل العرب في النهاية على قبول إسرائيل" وذلك يعود إلى أن "الشيء الوحيد الذي يحترمه العرب بالفعل هو القوة". وهكذا يؤكد في مكان آخر "نحن لولا خوذ الحديد والمدفع لما أتيح لنا قط أن نغرس شجرة واحدة أو نبني بيتا واحدا".

وفي مواجهة انبعاث الفاشية المقيتة، العالم يكتفي بالفرجة، ويبحث عن العدو، في صورة ما ينتح من ردود فعل على وجود الأفعى بدى من استهداف ومحاربة الأفعى نفسها، وهكذا يعيد التاريخ نفسه، وسيفهم العالم إن فهم يوما ما، ولكنه سيكون متأخرا جدا.