Menu

الثورة: حجر الزاوية في شعر مظفر النواب

كميل أبو حنيش

مظفر النواب.jpg

مركز حنظلة للأسرى والمحررين

اشتق الشاعر المتمرد مظفر النواب لنفسه أسلوباً مميزاً في نظّم القصيدة الشعرية، وتبنى فلسفة شعرية منحازة للقضايا الإنسانية والعربية ولجمهور المسحوقين والمعذبين على الأرض.

والقصيدة النوابية ثرية بثقافتها ومفرداتها وإحساسها العميق، فهي قصيدة غاضبة وساطعة وعفوية وثائرة وصادقة ومخلصة ومتطرفة، وتظهر انحيازها بجرأة وبدون اختباء خلف الرموز والاستعارات، ولا تعرف النفاق أو التلون أو الدجل ولا تعترف بالهزيمة.

ومظفر النواب الشيوعي والقومي والوطني الحزين، والحالم والثائر والمتصوف والمسكون بالأوجاع الأزلية، الجاد الساخر المتفائل، قصائده سلسة وثرية في الوقت ذاته، يؤسسها بالبنادق والألغام والزهور والأنهار وعبق الأمهات والحنين لرائحة الوطن.

كتب عن كل شيء إلا عن ذاته، وحين يكتب عن ذاته فإنه يكتب عن الأوجاع الجماعية، بحيث تذوب الذات في الموضوع بجدلية غير مبتذلة وإنما صادقة. تجربته الشعرية تمسكت بالبوصلة منذ النص الشعري الأول وحتى نصوصه الشعرية الأخيرة، وذاته الشعرية صلبة في مواقفها خصبة، لم تنحرف ولم تته في بيداء الهزائم والانكسارات، ولم تستسلم أمام العواصف العاتية.

وأشعار النواب التي حوصرت ولا تزال محاصرة، رغم هذا الحصار، وجدت طريقها إلى قلب ووجدان المواطن العربي وحفظها عن ظهر قلب؛ لأنها ثائرة ومستفزة وصادقة وحزينة ناطقة بلسان عشرات الملايين من الجماهير العربية الموجوعة والمتعبة وهو القائل:

أرحني قليلا

فإني بدهري جريح([1])

فهو ينطق بلسان حال هذه الجماهير الجريحة في زمنها العربي الكسير، وهو القائل:

وحقيبة حزنك

قد ضيعت قفلها ([2])

كأن هذه الجماهير تستشعر هذا الحزن في أعماقها وكأنه أصبح قدرها أو حين يعلن قائلا:

ها أنا أعلن قلبي ضوء إسعاف حزين ([3])

أو حين يهتف:

ففي القلب مملكة للدمامل ([4])

إن كان يعبر عما يجيش في صدر هذه الأمة، فلماذا كل هذا الحزن؟ وهل هذا الحزن الذي يحمله الشاعر في أعماقه دعوة للاستسلام والانكسار كما هي عادة بعض الشعراء الذين يشجبون الواقع ولا يملكون حيلة سوى استمرار الشكوى والتذمر؟ أم أن هذا الحزن قد شكل محفزا للنواب كي يطلق ثورته وجام غضبه عن كل شيء؟ وهل لهذا الغضب أسبابه السطحية التي تنتهي بانتهاء الغضب؟ أم أنه الغضب الذي يستند على أساس فلسفة ثورية متكاملة يؤمن به النواب؟

من يتعمق بالنصوص الشعرية النوابية يجدها متماسكة ومتكاملة، تستند إلى رؤية وموقف إنساني عميقين، لا يعرف النواب ولا تعتريه الحيرة والتردد، ولهذا سنكتشف أن الثورة تشكل أساس هذه القصائد وحجر الزاوية في نصوصه الشعرية.

أولاً: موقف الشاعر من القضايا الكونية:

لدى أي شاعر موقف ورؤية تكمن في نصوصه الشعرية، وكلما ارتقت هذه القضية التي يتبناها الشاعر وتجاوزت الذات إلى الدوائر الأوسع (القبيلة/الطائفة/المعتقدات الوطنية/القومية/الإنسانية) كلما ارتقى الصرح الشعري وكان أكثر تجريداً.

والنواب معروف بانتمائه للفكر الشيوعي، وبالإضافة لهذا الانتماء، ثمة تعدد بانتماءاته الأخرى، لا سيما القضايا الوطنية والقومية، لذا نجد في نصوصه الشعرية مزيجاً فسيفسائياً يضج بالألوان، التي تتكامل وتتنوع ولا تلغي بعضها بعضا، فهو يلجأ أحيانا إلى الرموز التاريخية والدينية والثقافية ويقاربها معها.

والنواب يتبنى موقفاً فكرياً عالمياً وبمقدورنا أن نعثر على نصوص تعكس هذه المواقف؛ ففي قصيدة جزر الملح يقول:

أي مزاح هذا يمزحه الله

فإن كتاب الدنيا صار مملا

ولعل الله يفكر ألا يكمله

ويشرح في دنيا أخرى([5])

نفهم من هذا النص أن لدى النواب احتجاج صارخ على ما يجري في العالم، وأن هذه الحضارة منذ فجر التاريخ السحيق ما هي إلا استمرار للظلم والفساد وشريعة الغاب والحروب والتدهور القيمي والأخلاقي، وهذا مخالف تماما لما جاءت به الأديان والمعتقدات التي بشرّت بعالم مختلف، وخال من الظلم والاستبداد. عالم يسوده الخير والعدل والسلام، وبهذا فإن الشاعر يعلن رفضه لهذا العالم، ويتشاءم من الأوضاع السائدة، أما الملل الذي قصده الشاعر فانه ينطوي على الاستمرار الحالم منذ فجر الحضارة، دون أن يكون هناك أي أفق للتغيير ووضع حد للطغيان، ويتمنى لهذا العالم أن يتغير، وإلا فيتمنى أن ينتهي ويسدل الستار على حكاية الإنسان، وهي دعوة لقلب الأوضاع القائمة وسيادة عالم جديد، ثم يكمل في القصيدة ذاتها:

يا ولدي إن الله قد احتار بعالمه([6])

وعندما يتأمل الشاعر التاريخ والدول والأفكار والمصلحون والأنبياء والثورات الكبرى والفلاسفة والمفكرين ..الخ، الذين أخذوا على عاتقهم إصلاح العالم وانقلبوا، يجدهم ينقلبون على أفكارهم وينقلب التلامذة على معلميهم، وتتراجع الدول والثورات عن مبادئها، والضحية تقلد الجلاد، العبيد يتحررون ويصبحون أسياداً ويضطهدون غيرهم، فالتناقضات العميقة والعدالة المفقودة وانتصار الشر ...إلخ، كلها تبعث على الحيرة، لدى كل من له ضمير وحس أخلاقي، وهذه الحيرة تصل إلى الخالق، الذي هو الآخر يحتار بعالمه الذي خلقه، وكأن هذا العالم أفلت من يديه ولم يعد بوسعه التحكم فيه. وفي قصيدة أخرى يعلن عن احتجاجه وأسفه على ما هو كائن ويقول:

لا شيء هناك في أفق العالم وأسفاه
سوى بعض بصيص
تخلقه الظلمات
مخافة أن تندلع النار([7])

يأسف النواب على عالم يغص بالظلم والظلام، إلا من بصيص أمل يخلّف الظلمات، لكن هذا البصيص يمنع من ثورات عظيمة تهز أركان هذا العالم ليخلق عالما جديدا مغايرا تماماً لهذا العالم القائم، لكن النواب لا يستسلم لهذا الواقع؛ لأنه يحمل في جوانحه إرادة الثائر الذي لا يكتفي بالحديث، وإنما يدعوا علانية للتغيير الجذري لهذا العالم، يقول في قصيدة أخرى:

هذا الفساد الحضاري يلهمني([8])

ويرى النواب ببصيرة وحدس الشاعر والمثقف فساد هذه الحضارة المنطوية على الحروب والمجاعات واستغلال الشعوب والنفاق والرياء والكذب ...الخ، وغيرها من المظاهر التي تحملها الحضارة، فإن كل ذلك لا يشكل مدعاة للهزيمة واليأس، وإنما ظل ملهماً لرفض الواقع والتمرد عليه والتغيير الجذري والشامل لهذه الحضارة والفساد الحضاري الذي يشكل حافزا للثورة، ويضيف في القصيدة ذاتها:

من كل هذا الجمال المهدم

صرح سليمان يبنى([9])

وصرح سليمان هو "هيكل سليمان" الذي يُزّعم أنه شُيد على أكتاف مئات ألوف من العبيد، واحتاج إلى كميات هائلة من الحجارة والمواد، واقتلاع عشرات الألوف من أشجار الأرز اللبنانية لتتم عملية البناء، كما تروي الأسفار التوراتية، وبهذه المقاربة يحاول النواب أن يربط بين تدمير لبنان على أيدي الآلة العسكرية الصهيونية وبين استكمال بناء "إسرائيل"، ومن ناحية أخرى قد تكون مقاربة أعمق لتشمل التاريخ الإنساني، وأن الحضارة الحالية تبنى على حساب عذابات العالم، وتقوم على دماء وجماجم وعذابات وعرق مئات الملايين من البشر، فضلا عن اجتثاث الغابات وتلويث البيئة والمياه ..إلخ، فهذه الحضارة (صرح سليمان) يبنى على حساب جماليات الطبيعة والقيم الإنسانية وبهذا فإنه يعلن بأنه يحمل موقفا ثقافيا وإنسانيا رافضا لهذه الحقيقة، ويزهد في خيراتها ونعيمها ولا يريد من الحياة سوى ثلاثة أشياء يعددها في قصيدة "وتريات ليلية":

أتمنى عشقا خالصا لله

وطيب فم خالصا للتقبيل

وسيفا خالصا للثورة([10])

يتمنى العشق الخالص لله، العشق الذي ينطوي على المثل العليا والخير والقيم والأخلاق، ويحلم بامرأة يحبها وتحبه، أما الأمنية الثالثة فهي الفروسية؛ لأن الإنسان ثائر بطبيعته لا يستكين ولا يقبل الذل، وبهذه الثلاثية تستكمل إنسانية الإنسان. بعبارة أخرى، لا يمكن أن يعيش الإنسان بدون الموقف (المبدأ)، والمرأة (الحب)، والسيف (الثورة والشجاعة)، ونجد النواب يقسم في قصيدة "نهنهني الليل" أن يظل مخلصا للثورة:

قسما بالخبز وبالماء والرطب

قسما بتراب أبي

لن أتأخر عن سيف يشهر ضد القمع([11])

يقسم النواب بثلاثة أشياء الخبز والماء والتمر، ويضيف لها قسما رابعا حينما يقسم بتراب أبيه، وأنه سيظل وفيا للثورة، ولن يتأخر عن أي سيف أو بندقية ولكنها ليست أي ثورة أو بندقية، فقد حدد أن سيفه سيشهر ضد القمع والاستبداد، وبهذا فإنه يصرح بأنه منحاز للشعوب وحقوقها بالحرية والعدالة، ومظفر النواب المسكون بالأوجاع الإنسانية، مسكون أيضاً بالأوجاع والقضايا العربية، التي كرّس معظم أشعاره لها، كما خصص مساحة مهمة في نصوصه للقضية الفلسطينية.

ومظفر النواب العروبي والناطق بلسان حال الجماهير، مؤمن بالوحدة العربية، ورافض للتشرذم والانقسام الذي تكرسه الأنظمة العربية حفاظاً على مصالحها ومصالح الفئات والشرائح المكونة لها على حساب القضايا العربية الكبرى، وهو يعلن أنه ضد القمع والاستبداد والاستئثار بالثروات والظلم الاجتماعي الذي تمارسه هذه الأنظمة، وتخاذلها عن نصرة فلسطين وشعبها، لذا نجده يشدد في أشعاره على الوحدة العربية، ويرى في استمرار الانقسام استمرار للضعف والهزيمة والهوان، ففي قصيدة الاتهام يقول:

قتلتنا الرتوق

فهذي الرتوق وما بلغت تنفتق[12])


هذه الانقسامات التي تمزق جسد الأمة العربية هي ما فتئت تتسع وتتشعب، وتأخذ أبعادا خطيرة كالطائفية والمذهبية والدينية والوطنية (ال قطر ية) والعشائرية، فالنواب يرفض كل ما من شأنه أن يحول دون مصلحة الأمة، ويعادي الوطنيات (القطريات) والمذاهب والطوائف والمشيخات، فدأب النواب على صب جام غضبه على هذه الأنظمة ويرى فيها استقرارا للتبعية والتخلف والهزيمة، فنراه يدعو للثورة ضد هذه الأنظمة، حين يقول في القصيدة ذاتها:

لا أخاف عدوا يواجهنا

بل عدوا بنا اسمه القمع والسلطة المطلقة([13])

فالاستعمار المتمثل بأمريكا وإسرائيل وكذلك المؤامرات الخارجية لا تخيف الشاعر، كما يخيفه القمع والاستبداد والعنف الذي تمارسه الأنظمة؛ لأن هذه الممارسات أخطر على المجتمعات العربية من التحديات الخارجية، ولا يمكن لها أن تساهم في بناء المجتمع العربي.

ويسخر النواب من الأنظمة التي تسخر من قضية فلسطين ومواجهة إسرائيل، ذريعة لاستقرار أنظمتها التسلطية وقمعها لشعوبها ويهتف في القصيدة ذاتها:

إن من يغلقون السجون على الناس

لا يفتحون على القدس أبوابها المغلقة([14])

إن هذا الربط بين حرية الشعوب العربية في فلسطين والأراضي العربية الأخرى، منسجم تماماً مع مواقف الشاعر المبدئية، وكأنه يرد على بعض الشعراء والمثقفين الذين يدعمون الأنظمة الاستبدادية، بوصفها أنظمة تواشي "إسرائيل"، وأن هذه المواجهة لها مبدئية على القضايا الأخرى كالديمقراطية والحرية والعدالة، فالحرية لدى النواب لا تتجزأ، وإن من يمارس القمع والتعذيب واضطهاد الشعوب، لا يمكن له أن يقود معركة لتحرير القدس، لكنه في ذات الوقت ينتقد الخوف المستبد بالشعوب ويظهره سبباً لكل الخطايا ومظاهر الضعف والخنوع والاستسلام حين يقول في قصيدة أخرى:

قد يخصى القلب من الخوف

وتكبر فيه الأرجاس([15])

فعندما يتفشى الخوف وينتشر كالعدوى بين الناس فإننا لا نرى في حياة الشعوب سوى كل ما هو سلبي، وبهذا تتمحور الثقافة والفنون والقيم الأخلاقية والتعاليم وينتشر الانحطاط ويسود الرياء والكذب والنفاق والانتهازية والاستغلال وكافة الأمراض الاجتماعية، ثم يضيف في قصيدة أخرى منتقدا صمت الجماهير:

ما هذا الصمت المتحرك

في الشارع إلا إخصاء([16])

إن هذا الصمت النابع من الخوف لدى الناس يمثل قمة الخطايا؛ لأنهم يسكتون عن الظلم وهو أشبه بالإخصاء الجماعي، وعندما تخصى الشعوب فإنه يسود العقم، وعندما يسود العقم يتوقف التطور ويسود التخلف والضياع.

ثانياً: الانتماء:

بعد أن يتبنى الشاعر رؤية فلسفية وموقفا فكريا من التاريخ، لا بد أن يعلن انحيازه وانتماءه، والنواب يعلن جسارة انحيازه للفقراء والمسحوقين والمضطهدين، والانتماء لدى النواب قضية فكرية وتاريخية وإنسانية صلبة لا تقبل المساومة أو التراجع ويقول في قصيدة "وتريات ليلية":

لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر

فالجوع أبو الكفار

مولاي أنا في صف الجوع الكافر

ما دام الصف الآخر يسجد من ثقل الأوزار([17])

فالفقر والفقراء والجياع هم موضوع انتماء الشاعر، وقد كرس شعره للدفاع عنهم وعن قضاياهم، وهو يبرئهم من التهم التي دأبت الأنظمة إلصاقها بهم عبر التاريخ، ففي الماضي كان اسمهم الزنادقة، وتعددت أسماؤهم مع كل ثورة ضد الأنظمة والدول الاستبدادية، ولطالما دأبت الأنظمة ومن حولها الأثرياء وذوي النفوذ الغارقين في فسادهم وخطاياهم نعت الجماعات التي تطالب بحقوقها بالكفر والزندقة والشيوعية والإلحاد، في محاولة لتشويه ثورتهم وطمس مطالبهم العادلة، حيث انحاز النواب دائما لهذه الفئات الضعيفة والمستضعفة، وإن كان من يتمسحون بالدين يفعلون ذلك للتخلص من آثامهم وأوزارهم، ويفصل النواب في قصيدة أخرى قضية الانتماء وما ينطوي عليه من مضامين سياسية واجتماعية وثقافية وتاريخية:

أنا أنتمي للجموع التي رفعت قهرها هرماً

أنا أنتمي للجياع ومن سيقاتل

أنا أنتمي للمسيح المجذف فوق الصليب

وقد جرح الخل وجه الإله على رئتيه
وظل به أمل ويقاتل
لمحمد شرط الدخول إلى مكة بالسلاح
لعلّي بغير شروط

وللربذي يدق على كفر كل غني([18])

 

يحسب النواب انتماءه لجموع الجياع والمقهورين ورموزهم وقادتهم عبر التاريخ، وكل من قاتل أو سيقاتل ضد قمع المسيح، وهو يحمل رسالة أخلاقية ومنحاز للضعفاء ومعاناته فوق الصليب، ينتمي لدين محمد بشرط أن يثور المسلمون على أنظمتهم، وبالأخص أنظمة الخليج التي تتمسح بالدين زورا وبهتانا، أما علي فإن النواب يعلن انتماءه له بحالة رمزية بانحيازه الكامل لقضية الفقراء والمسحوقين ومعارضته لحالة الفاحشة التي انتشرت في صفوف بعض الصحابة بعد الفتوحات الإسلامية، أما الربذي فهو أبو ذر الغفاري الذي كان شجاعاً، ومن أوائل الذين وقفوا في وجه الخليفة عثمان محتجاً على موقف الخليفة من أقاربه الأثرياء من بني أمية، وطريقة توزيعه للثروة والنفوذ، فكان أن عاقبه الخليفة بالنفي مع عائلته إلى صحراء الربذة القاحلة في الجزيرة العربية، وبقي هناك حتى مات فقيراً، ويستخدمه النواب في أشعاره رمزاً للفقراء الشجعان، حيث عرف عن أبي ذر الغفاري أنه اعتاد قبل تناوله الطعام أن يقول "باسم الله رب المستضعفين"، ويواصل النواب تفسير هذا الإنسان المنحاز للفقراء والثورة (المقصود النواب نفسه):

أنا أنتمي للفدائي ولرأس الحسين

وللقرمطية كل انتمائي

وللماركسيين شرط الثبات مع الفقراء

وشرط القيام بها بسلاح

كما هي أصلا

بدون التفاف ودون رياء([19])

وأيضاً ينتمي للفدائيين وللحسين بن علي لما مثله من حالة ثورية، ونهايته التي كانت مأساوية، وللقرامطة الذين واجهوا السلطة العباسية، وأقاموا دولتهم على أسس تعاونية اشتراكية خالية من الاستغلال، كما يعلن انتماءه للماركسية الحقيقية، التي تنتهج أسلوب الثورة لا الماركسية الإصلاحية، التي تستخدم النظام المدني وتشارك في حكم الدولة، التي تستغل الفقراء والعمال. وفي قصيدة أخرى يؤكد النواب أن الثوري يظل وفيا وأمينا على القضايا التي يؤمن بها أو يناضل في سبيلها، يقول:

النهر يظل لمجراه أميناً ([20])

وفي قصيدة "صرة الفقراء" نراه يفسر لنا طبيعة الثورة:

نفتش عن بيت يجمع كل الغرباء

والثورة بيت يجمع كل الغرباء([21])

ففي الثورة الحقيقية تذوب الانتماءات القبلية والطائفية والمذهبية والدينية والوطنية والقومية، بينما يبقى الانتماء الخالص للثورة وما تحمله من شعارات جماعية، ويلتقي عليها جميع الغرباء الذين يقع عليهم ما واجهوه من ظلم وقمع وحرمان ويقول في القصيدة ذاتها:

من كان مع الثورة هذي فليرفع قبضته

قبضات الثورة أعلام([22])

فهو ينتمي لهذا النوع من الثورات، ويدعو الناس له، ويدعو إلى اتحاد قبضاتهم الشاهدة على كدهم وتعبهم وشقائهم، وليس الالتفاف حول راياتهم المذهبية والقبلية والطائفية والوطنية.. إلخ، التي تفرقهم ولا توحدهم، ويواصل النواب تحديد انتمائه الثوري، ففي قصيدة البقاع نجده يهتف:

ولدتنا البنادق يوم الكرامة

والأمهات لهن حقوق البالغين([23])

ويوم الكرامة هو يوم رمزي في تاريخ الأمة العربية والثورة الفلسطينية، وهو اليوم الشاهد على الكرامة العربية في آذار 1968، وكان انتصاراً عربياً مهماً على "إسرائيل" بعد الهزيمة المدوية في حزيران عام 1967، حيث يرى النواب أنه في هذه المعركة ظهرت ثورة جديدة حملت البندقية المقاومة، وباتت هذه الثورة مهمة، يتعين على الثوار الإخلاص لها واحترامها، كما تُحترم الأمهات، ويضيف النواب في القصيدة ذاتها:

كذب المنتمون لكل نظام

إنني شارة في طريق الجماهير ضد النظام([24])

ومظفر النواب يجاهر في عدائه للأنظمة ولا يعدها كونية، وإنما أنظمة قمعية، ويتهم المنتمين لها بالكذب والانتهازية ويعلن أن أشعاره وقصائده علامة تحريض الجماهير ضد هذه الأنظمة، وفي قصيدة "الخوازيق" يعيد امتداح الفدائيين في معركة الكرامة ويقول:

ودم فدائي بخط النار يلتهم الجيوش

كما السراط المستقيم به اعتدال واستقامة([25])

يعتبر النواب الثورة الفلسطينية في بداياتها ثورة شريفة مستقيمة؛ لأنها تقاوم ضد شلال من الدماء، ويشرّفه الانتماء لمثل هذه الثورة، ويواصل القول:

لم ينعطف خل على خل كما سبابة

فوق الزناد عشي معركة الكرامة

نسبي إليكم أيها المستفردون

وليس من مستفرد في عصرنا إلا الكرامة([26])

وبهذا يعلن النواب انتسابه وتأييده لهذه الثورة ولهؤلاء الفدائيين، الذين رفعوا الرؤوس عاليا واستعادوا العزة والكرامة العربية التي نكست في حرب 67.

ثالثاً: التبشير بالثورة:

دأب النواب في أشعاره على التبشير بالثورة وقرع أجراسها، كما أنه كان يزرع الأمل بلغة الغضب، ويستأصل اليأس، ويحث على الإرادة والعزيمة، ففي قصيدة "عروس السفائن" يعلن النواب عن موقفه الرافض لما هو قائم، ومبشرا باندلاع شرارة الثورة:

خذيني لأقرأ روح العواصف

حين تخانق صخب الليالي

خذيني فإن الحضارة تغرق

في الانحلال([27])

قراءة روح العواصف في الثورات التي تُنبت من رحم الحزن والغضب، وهي بمثابة تبشير بالثورة، فعندما يكرر ويركز على انحلال الحضارة وتعفنها فإنه يجدد موقفه الرافض لهذه الحضارة وما تحمله من مصائد وويلات للبشرية، من فقر وحروب وظلم اجتماعي واستغلال ...إلخ، كما أن هذه الحضارة المتعفنة يقبع في أعماقها الثورات الكامنة، التي يبشر بها النواب ويضيف في ذات القصيدة:

وليس أمام البراكين في لحظة الروع سدٌ([28])

عندما يأتي موعد الثورة فإنه لن يقف في وجهها أي عائق يمنعها من الانفجار، فهي كالبراكين التي تتحشرج تحت الأرض، ولا تلبث أن تنفجر. وهذه الثورات حتمية في حياة الشعوب المقهورة والمستعبدة كحتمية انفجار البراكين، ويواصل النواب في القصيدة التبشير بهذه الثورات التي نسب نفسه لها وأعلن انتماءه لها، إذ يقول:

وبين ضلوعي فضاء به نجمة

لست أدري بماذا تضاء

وفي نجمتي تلك يجتمع الله والأنبياء

تأخر عنهم نبي

سُئلت

فقلت: يزيت حد السلاح

فإن نبي الزمان الفداء([29])

والنبي المتأخر هي الثورة التي يؤمن ويبشر بها النواب، والتي مهما تأخرت فإنها حتما ستأتي، ويواصل في قصيدة أخرى بزرع الأمل والتبشير بالثورات التي ستغير قدر الإنسان، حيث يهتف قائلا:

من أقصى الحزن أتيت

لأغلق أبواب بيوت المهزومين

وأبشر بالإنسان([30])

فالنواب لا يستسلم للأحزان والهزائم، وكأنه يقول إنه من تحت ركام الأحزان والآلام تنبثق الثورات التي تضع حدا للهزائم، وتبشر بالإنسان الحقيقي الحر والشريف، الذي سيصنع تاريخاً جديداً، ويكمل في ذات القصيدة قائلا:

وأبشر بالأمطار ستأتي

وستغسل من لوحتنا كل وجوه المهزومين([31])

ولأنه يؤمن بالجماهير، فإنه يؤكد على حتمية تعلقها بالثورة، ففي قصيدة الأساطيل نجده يقول:

والجماهير حولت وزنها ضجة

والبلاد إذا سمنت وارمة([32])

والضجة هي الثورة التي تصنعها الجماهير حين تخرج للشوارع، كأن غضبها المتراكم لا بد له أن ينفجر على شكل ثورة عارمة.

ولدى النواب أسلوب واضح ومباشر في التحريض على الثورة، فهو شاعر جريء ولا يجامل أحداً، ولا يختبئ بنصوصه الشعرية خلف الرموز والاستعارات، وفي حال استخدمها فإنه يستخدمها لأسباب فنية خاصة في القصيدة، ففي قصيدة "البقاع" يقول:

حين يمر الشجاع بشيء

سيصبح شيئا شجاعاً([33])

إن قلب الثورة هي الشجاعة والجرأة التي تتحول إلى عدوى بين الجماهير عندما تندلع الثورات، والثورة بين الشعوب تتغلغل وتكسر حواجز الخوف والرعب التي هيمنت عليه طويلاً، وتحوله إلى بركان هادر. وفي قصيدة المسلخ الدولي يقول:

فإن لم تقدحوا نارا

فكيف يراكم الأمل

فإن قدحت فكونوا لبها

فتظل تشتعل([34])

لإحياء الآمال واستعادة الكرامة والحقوق، لا بد من إشعال نار الثورة، وحالما تشتعل على الجماهير أن تكون هي محركها وقادتها ومادتها، التي تضمن استمرار اشتعالها، ويواصل في قصيدة "بيان سياسي" قوله:

لا تخشوا أحداً في الحق

فما يلبس حق نصف رداء([35])

فالجماهير هي صاحبة الحق، وهي صاحبة الثورة، وليست الأنظمة التي تخترع الأيديولوجيات وتدعي حمايتها وحماية التراث والدين والثقافة، وتزعم أنها هي الشرعية، فالحقوق لا يمكن أن تتجزأ، وهي واضحة وضوح الشمس، وهي ملك الشعوب، ولا يجوز السماح بالتحايل والضغط عليها وممارسة الخداع، كما يجري عادة الالتفاف على حقوق الجماهير بالتآمر على ثوراتها، فهو يحرض الجماهير ألا تنخدع بشعارات الأنظمة. وفي قصيدة أخرى يحرض النواب على ممارسة العنف الثوري:

وإن العنف باب الأبجدية

في زمان عهره دول([36])

ويعتبر النواب النظام الدولي كله فاسد بدوله ومنظماته وأنظمته، وهذه الدول ليست قائمة لمصلحة شعوبها، وأنه يجب قلبها جميعها، من خلال العنف. وفي قصيدة عبد الله الإرهابي يواصل التحريض على الثورة:

تملك أسلحة الأرض

وتسأل كيف نحارب([37])

وعبد الله الإرهابي هو رمز للمناضل الثوري الذي يدعوه للاعتزاز بهذه التهمة وهذا اللقب، ولكن ما هي الأسلحة التي يمتلكها هذا الرمز المقاوم الذي يحرضه النواب ضد دول وأنظمة مدججة بالأسلحة القاهرة والمتطورة؟ لا يمكن أن تتسلح الجماهير سوى بالأفكار الثورية والحق والإرادة والعزيمة والأمل والضمير الجمعي والشرف والإباء والكرامة والمصداقية والإخلاص والوفاء والانتماء والشهامة والمروءة ..إلخ، وكلها سمات وقيم تمتلكها الجماهير وتفتقدها الأنظمة، وهي أسلحة فتاكة اذا أحسنت الجماهير التسلح بها، إلى جانب تسلحها بالعتاد والسلاح الذي يمكنها من الانتصار على هذه الأنظمة، فلا قيمة لأي من الأسلحة التي يحملها أي ثائر ما لم يكن ثائراً نبيلاً ومخلصاً، وفي ذات القصيدة يحذر النواب هذا الثائر:

احذر أن تتدجن للمطبخ([38])

إن أكثر مشكلة تواجه الثورات هي إفساد الثوار، وتجريدهم من أسلحتهم المعنوية، وتحويلهم إلى سلع تباع وتشترى، وبهذا يصبح الثائر أشبه بالحمل الجاهز للذبح، وعندها لن يبقى من ثوريته أي أثر، ثم يحرضه النواب على رجال الدين، الذين يتسترون على جرائم الأنظمة، ويبرروا ممارساتهم القمعية واللا إنسانية بالفتاوي الدينية، وتنتقد العنف (الثورة) وتبرر للحاكم فقال:

ليس ربك أن يأمر إلا بثبات القلعة والنار([39])

والإله الذي تؤمن به الجماهير، هو الذي يقف مع كل من يقاتل، ويرفض من يأمر بالخنوع والتخاذل، ويحذر النواب هذا الثائر من تسليم سلاحه:

إن سلمت سلاحك سافل([40])

لأن تسليم السلاح يعتبر استسلام، وعند الاستسلام يتحول الثائر إلى مادة قابلة للبيع والشراء، وبهذا ينحرف عن المبادئ ويصبح سافلاً منحطاً. وفي قصيدة "الاتهام" يحذر النواب الثائر قائلا:

لا تصدق دعاة بدون بنادقهم([41])

وما أكثرهم الدعاة والساسة والمنظرين والمتاجرين بقضايا شعوبهم، وليس لديهم أدنى استعداد للتضحية بدخول السجون وحمل السلاح، وبهذا يجعل النواب البندقية هي القيادة. وفي قصيدة "نهنهني" الليل نجده يواصل التحريض:

ليكن هذا النفط فدائياً

أو ننسفه ونعيش على العزة والحطب([42])

إن هذا النفط الذي من المفترض أن يستخدم لتطوير وازدهار حال المجتمعات العربية، بات عبئا على هذه المجتمعات؛ لأن الدول الإمبريالية تنهبه، وتخضع الأنظمة العربية، وهذه الأنظمة تمارس استبدادها وتخضع شعوبها، كي تستأثر بهذه الثروة، وبهذا فإن هذه الثروة يجب أن تكون أداة لبناء وتطوير الشعوب ورفاهيتها والدفاع عنها وعن عفتها وكرامتها، وإلا فلتحترق، حتى لو عادت هذه الشعوب إلى الحياة البدائية أفضل لها من حياة الذل والتخلف التي تعيشها تحت حكم هذه الأنظمة.

خاتمة:

ويظل الشاعر العربي الكبير مظفر النواب مثلا شامخا، نفخر ونعتز به، والنصوص الشعرية النوابية ثرية ومتنوعة وصالحة لجميع الأوقات، فهي تعبر عن المسحوقين في كل زمان ومكان، وترفع من شأنهم وتلهمهم بنص شعري رفيع، يشكل لهم زاداً معنوياً وثقافياً وأخلاقياً ويحرضهم على عدم الخضوع والاستكانة.

والنواب من الشعراء القلائل في التاريخ العربي الذين انحازوا للقضايا الاجتماعية، ولجمهور الفقراء والكادحين والمستضعفين، فهو امتداد للشعراء الصعاليك الذين تركوا في الشعر العربي تاريخاً ساطعاً بعد أن حاول أصحاب النفوذ والثراء تشويه ظاهرتهم.

وبانحياز النواب لهذه الجماهير فإنه رفع الشعر إلى مرتبة شاهقة، ومثل نموذجاً للشعر الملتزم والمنتمي لقضايا أمته، فلم يسمح لقلمه أن ينحرف، أو يزل للحظة واحدة، ونصوصه الشعرية ستظل ساطعة وخالدة على مدى التاريخ.

*كاتب وأديب، أسير في السجون الإسرائيلية.

 


[1]الرحلات القصية ص67

[2](البقاع البقاع ص34)

[3](طلقة ثم الحدث ص 208)

[4](عروس السفائن ص266)

[5](جزر الملح ص364)

[6](جزر الملح ص 366)

[7](الدفتر السري الخصوصي لإمام المغنين ص 399)

[8](قصيدة عن بيروت ص323)

[9](عن بيروت ص326)

[10](وتريات ليلية ص458)

[11](نهنهني الليل ص464)

[12] (الاتهام ص540)

[13](الاتهام ص542)

[14](الاتهام ص542)

[15](من الدفتر السري الخصوصي لإمام المغنين 431)

[16](في الخمر وفي الحزن فؤادي ص545)

[17](وتريات ليلية ص458)

[18](من الدفتر السري الخصوصي لإمام المغنين ص426)

[19](من الدفتر السري الخصوصي لإمام المغنين ص427)

[20](وتريات ليلية ص467)

[21](صرة الفقراء ص6)

[22](صرة الفقراء ص11)

[23](البقاع البقاع ص 44)

[24](البقاع البقاع ص45)

[25](الخوازيق ص 558)

[26](الخوازيق ص 559

[27](عروس السفائن ص266)

[28](عروس السفائن ص274)

[29] (عروس السفائن ص238)

[30] (قراءة في دفتر المطر ص311

[31] (قراءة في دفتر المطر ص 313)

[32] (الأساطيل ص 30)

[33] (البقاع البقاع ص64)

[34] (المسلخ الدولي ص84)

[35] (بيان سياسي ص569

[36] (المسلخ الدولي ص92)

[37] (عبد الله الإرهابي ص227)

[38] (عبد الله الإرهابي ص232)

[39] (عبد الله الإرهابي ص237)

[40] (عبد الله الإرهابي ص239)

[41] (الاتهام ص541)

[42] (نهنهني الليل ص444)