أقيمت مساء أمس الأربعاء، ندوة ثقافية بقصر ثقافة الإسماعيلية للشاعر زين العابدين فؤاد، وموسيقى وغناء للفنانين أحمد نبيل وزين العابدين محمد، بمناسبة مئوية الشاعر والفنان الشيخ إمام عيسى، شارك بها جمهور من المثقفين والمهتمين بالأعمال الثقافية، واستمع الحاضرون لمجموعة من أشعار الشاعر المصري الكبير زين العابدين فؤاد، وبعض المقطوعات الموسيقية. وكان من ضمن الحضور الفنان خالد أبو الفحم مدير فرقة الفالوجا للفنون الشعبية الفلسطينية، الذى حضر خصيصًا لحضور الندوة، ويرجع اهتمامه بها بالذات، بسبب أن الشاعر زين العابدين فؤاد هو صاحب فكرة إنشاء فرقة الفالوجا التى يتولى قيادتها أبو الفحم.
عن الشيخ إمام
الشيخ إمام، واسمه الحقيقي إمام محمد أحمد عيسى (2 يوليو 1918 - 7 يونيو 1995، ولد في قرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة لأسرة فقيرة، وكان أول من يعيش لها من الذكور، حيث مات منهم قبله سبعة ثم تلاه أخ وأخت. أصيب في السنة الأولى من عمره بالرمد الحبيبي وفقد بصره بسبب الجهل واستعمال الوصفات البلدية في علاج عينه، فقضى إمام طفولته في حفظ القرآن الكريم وكانت له ذاكرة قوية.
الشيخ من جمعية التحفيظ إلى تعلم الموسيقى
كان والده يحلم أن يكون ابنه شيخاً كبيراً، لكنه كان قاسياً في معاملته، أما والدته فكانت النبع الذي ارتوى منه إمام بالحنان في طفولته وعوضه فقد بصره.
لازم إمام حب الاستماع للشيخ محمد رفعت عبر الإذاعة، وكان الاستماع للإذاعة من ممنوعات جمعية التحفيظ لكونه بدعة، مع أنه كان يستمع للقرآن، إلا أن الجمعية قررت فصله بالإجماع..!! عندما سمع أبوه بما حدث لابنه من فصل من الجمعية بحث عنه فوجده يقضى نهاره في الحسين وليله في الأزهر حيث كان ينام، فأهانه وضربه وحذره من العودة لقريته مرة أخرى نظراً للجريمة التي اقترفها بتسببه في فصله من الجمعية، وبعدها مباشرة توفيت أمه التي كانت أعز ما لديه في الدنيا، ولم يتمكن من تشييعها لمثواها الأخير، وبالفعل لم يعد لقريته إلا حين توفي أبوه.
وفى إحدى زياراته لحى الغورية قابل مجموعة من أهالي قريته فأقام معهم وامتهن الإنشاد وتلاوة القرآن الكريم، وكسائر أحداث حياته التي شكلتها الصدفة التقى الشيخ إمام بالشيخ درويش الحريري أحد كبار علماء الموسيقى، وأعجب به الشيخ الحريري بمجرد سماع صوته، وتولى تعليمه الموسيقى.
وفى منتصف الثلاثينيات كان الشيخ إمام قد تعرف على الشيخ زكريا أحمد عن طريق الشيخ درويش الحريري، فلزمه واستعان به الشيخ زكريا في حفظ الألحان الجديدة واكتشاف نقاط الضعف بها، حيث كان زكريا أحمد ملولا، لا يحب الحفظ فاستمر معه إمام طويلا، وكان يحفظ ألحانه لأم كلثوم قبل أن تغنيها، وكان إمام يفاخر بهذا.
كان لهذه الواقعة أثر في تحويل دفة حياة الشيخ إمام مرة أخرى عندما قرر تعلم العزف على العود، وبالفعل تعلم على يد كامل الحمصاني، وبدأ الشيخ إمام يفكر في التلحين حتى إنه ألف كلمات ولحنها.
لقائه برفيق دربه الشاعر أحمد فؤاد نجم
وفى عام 1962م، التقى الشيخ إمام عيسى بأحمد فؤاد نجم رفيق دربه، وتم التعارف بين نجم والشيخ إمام عن طريق زميل لابن عم نجم كان جاراً للشيخ إمام، فعرض على نجم الذهاب للشيخ إمام والتعرف عليه، وبالفعل ذهب نجم للقاء الشيخ إمام وأعجب كلاهما بالآخر.
وعندما سأل نجم إمام لماذا لم يلحن؟ أجابه الشيخ إمام أنه لا يجد كلاما يشجعه، وبدأت الثنائية بين الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، وتأسست شراكة دامت سنوات طويلة.
ذاع صيت الثنائي نجم وإمام والتف حولهما المثقفون والصحفيون خاصة بعد أغنية: "أنا أتوب عن حبك أنا؟"، ثم "عشق الصبايا"، و"ساعة العصاري"، واتسعت الشراكة فضمت عازف الإيقاع محمد على، فكان ثالث ثلاثة كونوا فرقة للتأليف والتلحين والغناء ساهم فيها العديد، ولم تقتصر على أشعار نجم، فغنت لمجموعة من شعراء عصرها أمثال: فؤاد قاعود وسيد حجاب ونجيب سرور وتوفيق زياد ونجيب شهاب الدين وزين العابدين فؤاد وآدم فتحى، وفرغلى العربي، وغيرهم.
هزيمة حزيران: الزلزال الذي هز كيان الشيخ وفرقته
كغيره من المصريين زلزلت هزيمة حرب يونيو 1967 إمام وسادت نغمة السخرية بعض أغانيه مثل: "الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا - يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار"، و"يعيش أهل بلدى وبينهم مفيش - تعارف يخلى التحالف يعيش"، و"وقعت م الجوع ومن الراحة - البقرة السمرا النطاحة"، وسرعان ما اختفت هذه النغمة الساخرة، وحلت مكانها نغمة أخرى مليئة بالصحوة والاعتزاز ب مصر مثل "مصر يا امة يا بهية - يا ام طرحة وجلابية" .
انتشرت قصائد نجم التي لحنها وغناها الشيخ إمام كالنار في الهشيم داخل وخارج مصر، فكثر عليها الكلام واختلف حولها الناس بين مؤيدين ومعارضين، في البداية استوعبت الدولة الشيخ وفرقته، وسمحت بتنظيم حفل في نقابة الصحفيين وفتحت لهم أبواب الإذاعة والتليفزيون.
الشيخ إمام ونجم في السجن:
لكن سرعان ما انقلب الحال بعد هجوم الشيخ إمام في أغانيه على الأحكام التي برئت المسئولون عن هزيمة 1967، فتم القبض عليه هو ونجم ليحاكما سنة 1969 ، ولكن القاضي أطلق سراحهما، لكن الأمن ظل يلاحقهما ويسجل أغانيهم حتى حكم عليهما بالسجن المؤبد، ليكون الشيخ أول سجين بسبب الغناء في تاريخ الثقافة العربية.
قضى الشيخ إمام ونجم الفترة من هزيمة يوليو حتى نصر أكتوبر، يتنقلوا من سجن إلى آخر ومن معتقل إلى آخر وكان يغني وهو ذاهب إلى المعتقلات أغنيته المشهورة "شيد قصورك" من كلمات الشاعر: زين العابدين فؤاد، ومن قضية إلى أخرى، حتى أفرج عنهم بعد اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات.
انتشار الشيخ إمام عربياً وأوربياً، يبدأ من فرنسا..!
في منتصف الثمانينيات تلقى الشيخ إمام دعوة من وزارة الثقافة الفرنسية لإحياء بعض الحفلات في فرنسا، فلاقت حفلاته إقبالاً جماهيرياً كبيراً، وبدأ في السفر في جولة بالدول العربية والأوروبية لإقامة حفلات غنائية لاقت كلها نجاحات عظيمة.
وفى منتصف التسعينات آثر الشيخ إمام الذي جاوز السبعين العزلة والاعتكاف في حجرته المتواضعة بحي الغورية، ولم يعد يظهر في الكثير من المناسبات كالسابق حتى توفي في هدوء في 7 يونيو 1995، تاركاً وراءه أعمالاً فنية نادرة.
من أغانيه التي تعيش معنا:
(يا خواجه يا ويكا، يا فلسطينيا، أنادينكم، مصر يمه يا بهية، جيفارا مات، يا بلح أبريم، بقرة حاحا، نيكسون بابا، شيد قصورك، وعشرات غيرها).

