Menu
حضارة

خاصانتظروه خمسين عاما: الصهيونية لايمكن أن تخسر محمد بن سلمان

الصورة بالإذن من تلاكسكالا

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

من الواضح أن الكيان الصهيوني لا يستطيع الاحتفاظ بالصمت طويلا، تجاه قضية مقتل السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في استنبول، وإذا كان الصهاينة معتادين على قتل خصومهم والتنكيل بهم وصولا إلى الإبادة الجماعية، إلا أنه يبدو أن صدمتهم بحليفهم مردها أمرين اثنين: الأول أن محمد بن سلمان تصرف خارج المسموح به في الحلف الذي يجمعه مع الكيان والإدارة الأمريكية لتمرير صفقة القرن، والثاني أن هذا يهدد بخسارة حليف انتظره الكيان الصهيوني طويلا ليبرز في صفوف القادة العرب، إنه حتى أفضل من السادات كما ذهبت بعض التعليقات.

لذلك تصبح قضية الخاشقجي، مشكلة كبيرة للكيان ولوبيه، وللوبي السعودي في الولايات المتحدة، تجاه التعامل مع الخطر المحتمل، الذي يحيق بـ"مبس" كما يشار في الإعلام الغربي إلى محمد بن سلمان.

حتى لحظة قتل الخاشقجي، بتلك الطريقة الجنونية التي تروى، كان محمد بن سلمان يحظى بدلال مميز في أروقة الغرب، ولدى السياسيين الأمريكيين والنقاد السياسيين، كمصلح يحاول جاهدا تجاوز مآزق عديدة تواجهه من العقلية القديمة في بلاده، لكن تلك لم تكن في الواقع سوى مسرحية كبرى، أو خدعة حيكت ببراعة.

فسرعان ما ظهرت حقيقة مبس، حتى أن منافقا رخيصا مثل توماس فريدمان عجز عن الدفاع عنه، وهو كان من أبرز المصفقين له، وسرعان ما اخترع فريدمان كذبة أخرى تساعده في البقاء تحت الأضواء المسلطة على خبراء السياسة الخارجية في الإعلام الأمريكي المزعومين، فزعم أنه لم يقل قط أن محمد بن سلمان هو المصلح االمنشود، وجميعنا نعلم أن فريدمان يكذب بوقاحة.

دينيس روس، صهيوني آخر وصف الأمير السعودي بأنه "ثوري"، وقد عملت هذه الخدع الإعلامية بشكل جيد، كغطاء لتبرير التحالف الأمريكي المعمق مع نظام متوحش، يقترف الجرائم داخليا وفي اليمن، دون أن يرتعش ضمير الغرب الاستعماري، هذه الخدعة لتنجح تتطلب أن يلتزم "مبس بالمعايير"، أي تجنب القيام بعمليات فاسدة غير محسوبة ولا تعتبر ضرورية للحلف في هذه المرحلة، والالتزام بالسلوك المقبول من هذا الحلف. طبعا كان قتل آلاف الأطفال اليمنيين مقبولا تماما، واعتقال المفكرين ورجال الدين والمثقفين والنشطاء ورميهم في الزنازين مقبول أيضا، ما داموا ليسوا أدوات بيد هذا لحلف، وليسوا مهمين لترويج الرواية المعقمة المطلوبة، كما كان يفعل السيد خاشقجي.

الالتزام السعودي بمعايير الحلف مهم للغرب وللإدارة الأمريكية، لأنه وسيلة للمحافظة على النظام، ولايجب أن يتزعزع هذا النظام مع الخدمات الجليلة التي يقوم بها، ولم تكن زلة لسان الجملة التي خرجت من فم ترامب منذ أيام عندما قال عن النظام السعودي: "ليس لدينا غيره ليساعد في أمن إسرائيل".

لذلك فجريمة محمد بن سلمان وعصابته، لاتتعلق بقتل إنسان، والطريقة الوحشية التي تمت فيها، بل تتعلق بتعريضه مصالح الغرب ومصالح إسرائيل للخطر، عبر تعريض نظامه للخطر كخادم مطلوب استمراره.

ولهذا كله كان لابد للوبي الصهيوني أن يخرج عن صمته. كان الكيان الصهيوني قد التزم الصمت لسببين بتقديري، الأول أن الجريمة بهذه الوحشية هي مساهمة أخرى في الدعاية الصهيونية حول كون إسرائيل واحة ديمقراطية وحقوق إنسان، وأن هذا الأمر لا يمكن أن يحدث في القلعة المتقدمة للرأسمالية الغربية.

والثاني أن ما حدث لا يستوجب أن تندفع إسرائيل لخسارة النظام السعودي، وهذا الزعيم المنتظر منذ خمسين عاما على حد تعبير تزفي غرينفيلد في هآرتس الذي قال:"حتى لو أمر مبس بقتل الخاشقجي، فإنه من الضروري التعامل مع الأمر بحرص، لقد بقينا منذ 50 عاما ننتظر زعيما عربيا رئيسيا يوافق على توقيع اتفاق هام مع إسرائيل. هذا القائد قد وصل أخيراً "، مضيفا أن الدعوات لعزل مبس "مدمرة".

من جهته قال دان شابيرو سفير الإدارة الأمريكية في الكيان في عهد باراك أوباما: إن الوضع صعب للغاية، بسبب اعتماد الحلف على النظام السعودي، باعتباره أمر "محوري لمفهومهم الاستراتيجي للمنطقة". وهذا الكلام مفهوم تماما نظرا للتصريحات الأمريكية والإسرائيلية السعودية المتطابقة، حول كونهم حلفاء مخلصين يتشاركون العداء لإيران. يضاف إلى ذلك الهجوم المشين الذي شنه مبس ضد الفلسطينيين في الربيع الماضي، والذي رفع أسهمه بشكل كبير في الأوساط الصهيونية ولدى الكيان الصهيوني.

القلق أيضا يأتي من الإدارة الأمريكية ومن داعمي صفقة القرن، التي من الواضح أنها ستأتي على حساب الفلسطينيين، ولكي يتم الأمر، فلابد من غطاء دعم عربي قوي يأتي من النظام السعودي، لذلك فإن زعزعة هذا النظام تقوض الغطاء العربي الذي قدمته المملكة، ويتمترس لأجله محمد بن سلمان، وهذا من شأنه أن يقوض جهود ترامب، وبالتالي استجلب الغضب على مبس.

لذلك لم يكن ممكنا للوبي الصهيوني أو للكيان أن يستمرا في تجاهل الحدث الكبير، وكما أوردت "إسرائيل تايمز" فإن هذا الأمر كان مبعث قلق للنخب السياسية والعسكرية الإسرائيلية، والتي أشارت أيضا إلى أنه من المحتمل، أن تكون إسرائيل شاركت في "دبلوماسية هادئة" دعما للسعودية. ومن المحتمل أن يكون دوري غولد الدبلوماسي المخضرم، والذي كان مديرا عاما للخارجية في الكيان الصهيوني أحد اللاعبين المهمين لدرء المخاطر عن ابن سلمان، وهو نفسه حذر من تأثير الابتعاد عن المملكة، ولكنه حذر أيضاً من أن مثل هذا العمل يجب أن يتم من وراء الكواليس.

مارتن انديك بدوره، الدبلوماسي الأمريكي المخضرم في الحلول "السلمية"، حذر أيضا من فقدان السيطرة على الأضرار، ونصح بتولي ذلك نيابة عن السعوديين، وقال عبر تلفزيون بلومبرغ ناصحا السعوديين، أن عليهم تغيير الموضوع، والالتفات لشيء آخر غير الخاشقجي. مضيفاً "علينا أن نجد وسيلة للحفاظ على القيادة السعودية ولا سيما محمد بن سلمان". ولتغيير الموضوع اقترح انديك على محمد بن سلمان، اللجوء إلى خطوة درامية كبرى كالخروج من اليمن أو الإفراج عن بعض السجينات، وأن يقوم فريق مبس بمضاعفة جدول أعماله "الإصلاحية" لتبرير استمرار دعمه من الغرب.

في النهاية يبدو أن الآلة المخابراتية والإعلامية الغربية –الصهيونية ستكمل مهمتها في الدفاع عن الحليف المنتظر، مادام لم يكمل المهمة بعد ولا مجال للاستغناء عنه، وفي هذا الطريق الوحشي، يمكن التنازل عن شعارات "حقوق الإنسان" وعن "القضاء العادل"، واعتبار أن الخاشقجي يتحمل المسؤولية في النهاية، لأنه حاول إعاقة عمل المصلح الكبير، الذي لايريد الغرب والصهاينة الاعتراف بأنه ليس سوى سفاح يخدم أغراضهم الخاصة.