قال عضو المكتب السياسي في حزب الشعب الفلسطيني، تيسير محيسن "إنّ الاستقطاب السياسي في المجتمع الفلسطيني، الذي هو تعبيرٌ عن أزمة النظام السياسي، أخلّ بفرص تطوير الهوية والاندماج الوطني، وأضعفَ الوحدة السياسية.
وقال محيسن في حوارٍ خاص أجرته معه "بوابة الهدف" إنّ الإخفاق الأبرز لمسار التسوية ساهم في تفاقم مظاهر التجزئة الداخلية، وعلى وجه التحديد فشل النظام السياسي في المحافظة على وحدته وفعاليته ناهيك عن إعادة تعريف ذاته.
وتحدّث عن صفقة القرن، في إطار 3 معانٍ، المعنى التاريخي للصفقة باعتبارها محاولة لحسم مسألةٍ لم يكن بالإمكان حسمها طويلًا"، وبمعناها النفسي-الشخصي "تخيلية تاجر عقارات مغامر"، بينما في معناها السياسي فهي "انحيازٌ كامل للرؤية الإسرائيلية والضغط من أجل تطبيقها".
ورأى أنّه "لا يمكن الفصل بين صفقة القرن ومجرى الأحداث في المنطقة، إذ تندرج فيما يمكن أن نطلق عليه "إعادة هيكلة الشرق الأوسط" طبقًا للرؤية الأمريكية".
وعن مطلب إعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية، قال إنّ "أطروحات إعادة الإحياء تتراوح بين 3 اتجاهات: الأول يدعو إلى تفعيل المنظمة وتطويرها. الثاني يتمسك بضرورة إعادة بنائها فيما يمكن تسميته بالتأسيس الثالث. أمّا الاتجاه الأخير فيطالب بتجديد بناء المنظمة، الوقوف في منطقة ما بين التفعيل وإعادة البناء. وهو الاتجاه الذي فضّل محيسن تبنّيه، مع التمسّك بعدد من المنطلقات.
ووقف محيسن عند "صياغة الأوراق السياسية والبرامجية ونحوها"، الذي قال "إنّه تم إعطاؤها اهتمامًا مبالغًا فيه وصُرف عليها وقتٌ أكثر بكثيرٍ من ما تستحق، في حين أن الجوانب والأوراق التنظيمية لم تحظَ بما تستحقه من اهتمام، وكثيرًا ما كانت تخضع للمساومات وللحلول الوسط، وبالتالي تتحول عند أي منعطف إلى عامل تفجير أو عامل كابح للعمل والنشاط.
وتحدّث عن "مُقتضيات تعزيز صمود الناس"، وأبرزها: الكف فورًا عن المهاترات ورفع القبضة البوليسية عن الناس في معاشهم وفي تعبيرهم العفوي عن تطلعاتهم، والكف عن توظيف مقتضيات الصراع ضد الاحتلال فيما يعمق الانقسام ويجحف بصورة نضالنا ويضعف جبهة التأييد العالمي لنا، ويتطوع بتقديم الورقة الفلسطينية الرابحة في خدمة أجندات إقليمية ودولية".
وفي حديثه لبوابة الهدف، أكّد محيسن أنّ "فكرة المقاومة، في حالتنا الفلسطينية- تلعب دور المعادل النفسي والسياسي والوجودي لغلبة الحركة الصهيوينة وقدرتها الفائقة والتي تجسدت في تحقيق أهدافها في إقامة وطن قومي لليهود على حساب الشعب الفلسطيني، وفي ظني أنه طالما لم يتحقق الحل التاريخي العادل، فيجب ألا تسقط هذه الفكرة، انطلاقًا من ما تنطوي عليه من عوامل، تحدّث عنها ببعض التوضيح، في سياق الحوار الخاص، الذي تنشره بوابة الهدف في السطور التالية.
القضية الفلسطينية تعيش أصعب وأخطر مراحلها، ما هي رؤيتك للواقع الفلسطيني، وسط هذه التراجعات والأزمات الكبيرة عربياً ودولياً؟
دعني أبدأ بفكرة طرحها مؤسس ومدير المنظمة التي عكفت على قراءة وثائق الأرشيف الإسرائيلي حول حرب 1967، ليئور يافني، إذ يقول "أن كثيرا من السياسات المتصلة بالأنشطة الحالية للحكومة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة لها جذور ترجع إلى العام الأول ذاته من الاحتلال". كي نجلو كنه واقعنا اليوم، علينا أن نعود قليلا إلى الوراء: مسيرة التسوية، وخطة الفصل. كلاهما أفضيا إلى نتيجتين راهنتين تسمان واقعنا؛ التجزئة الداخلية، والاستغوال الكولونيالي. منذ البداية سعت دولة الاحتلال إلى فصل مصير قطاع غزة عن الضفة الغربية، الأول بالتخلص منه والخلاص من عقدة غزة، والثانية بالضم والتهويد.
من بين أشياء كثيرة، يتمثل الإخفاق الأبرز مسار "التسوية" أنها لم تفض إلى قيام دولة كاملة السيادة، في إطار مقاربة "حل الدولتين"، ليس هذا فحسب، وإنما ساهمت في تفاقم مظاهر التجزئة الداخلية، وعلى وجه التحديد فشل النظام السياسي الفلسطيني في المحافظة على وحدته وفعاليته ناهيك عن إعادة تعريف ذاته.
جاءت خطة الفصل ترجمة لاقتراح "أكاديمي" قدمه خبراء استراتيجيون في معهد جافي 1988. وسرعان ما اندرجت الخطة، على يد شارون وبوش الإبن في إطار مشروع التجزئة الأمريكي في المنطقة، أخذت المسارات التالية: (1) إعادة احتلال الضفة والشروع في أكبر عملية تهويد بالاستيطان وبناء الجدار وعزل القدس وتطهيرها عرقياً بالمعنى الحرفي للكلمة. (2) فصل غزة والانفصال عنها وتركها معزولة ومخنوقة بأزماتها الإنسانية وتحت طائلة العدوان المتكرر. (3) سن مجموعة كبيرة من القوانين والتشريعات التي تقلص من إمكانية تحقيق التطلعات السياسية والوطنية لمواطني إسرائيل من العرب الفلسطينين (4) إعادة كي الوعي الفلسطيني عبر ممارسة سياسة الردع واستخدام القوة لقمع التطلعات وإجهاض الفرص وتقليص سقف المطالب وتحويل حياة ملايين الفلسطينيين اليومية إلى جحيم لا يطاق.
كان للانقسام، أحد أبشع أوجه التجزئة الداخلية، وظيفتان: التغطية على جريمة الفصل، والثانية التمهيد لتكريس الإنفصال. في غضون ذلك تحول القطاع إلى "مخيم" كبير للاجئين، تسوء أوضاعه الإنسانية، عن قصد وعمد، يوما بعد يوم، حتى بدا إن إسرائيل نجحت في جلب إهتمام العالم نحو هذه "الأوضاع" والبحث عن حلول "إنسانية" بعيدا عن جوهر المسألة وخارج نطاق الزمان والمكان الفلسطينيين. تسليط الأضواء على أزمات القطاع، يمنح دولة الاحتلال الفرصة للاستفراد بالضفة وذر الرماد في العيون تجاه ممارساتها العنصرية.
استغوال دولة الاحتلال، وقد غيرت ظرفها الكولونيالي وبدلت أدواتها وأساليبها، وصل، تحت سيطرة اليمين القومي-الديني المتطرف إلى سن قانون القومية، عنصري الطابع والنص والدلالة. من تداعيات وتأثيرات هذا القانون على الفلسطينيين: طمس الهوية الوطنية (سياسيا وثقافيا)، إلغاء حق العودة ونفي حق تقرير المصير، ضم القدس وتشريع الاستيطان، وبالنسبة لفلسطينيي 48 (المستهدفين الأساسيين) يعرضهم لمزيد من التهميش والإقصاء والحرمان والمواطنة المنقوصة؛ إذ لا يبقي لهم القانون مكانا رسميا في الدولة، وبكلمات محمد بركة الموجزة والمعبرة "القانون يستهدف الوجود الفلسطيني ذاته"، إذ يجعل هذا الوجود "مشروطا".
للأسف، كل ما سبق، يمهد الطريق نحو "صفقة القرن"!
كثر الحديث عن ما يسمى "صفقة العصر"، وهناك من ينتظر أن تصدرها الولايات المتحدة الأمريكية رسمياً، بحسب رؤيتك، فهل فعلاً هناك صفقة عصر ستصدر، أم هناك "صفقة" تنفذ فعلاً؟
ذهب الناس في تأويلهم وتوقعاتهم حول "صفقة القرن" مذاهب شتى. لم يفصح صاحبها عن مضامينها، وتنطع لهذا الأمر آخرون، أتخذت مواقف ولما يظهر من معالمها إلا ما كان بخصوص نقل السفارة الأمريكية، وقطع تمويل الأونروا، وإغلاق مكتب م.ت.ف في واشنطن، ومساعي إيجاد "حل إنساني" لمعضلة غزة.
حتى الآن تبدو "الصفقة" أقرب إلى "تخيلية"، أكثر منها خارطة طريق، في معناها التاريخي هي"محاولة لحسم مسألة لم يكن بالإمكان حسمها طويلا"، وفي معناها النفسي-الشخصي هي "تخيلية تاجر عقارات مغامر"، وفي معناها السياسي "انحياز كامل للرؤية الإسرائيلية والضغط من أجل تطبيقها".
في هذا السياق، تنطوي صفقة القرن على فرضية مفادها أنه يمكن إيجاد حل وسط، يجمع بين المصالحة التاريخية بلغة العرب والاستراتيجية الإسرائيلية تجاه مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة وجوهرها الحل الإقليمي، الذي يتضمن، من بين أشياء أخرى، فصلا تاما بين غزة والضفة، الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية مقبولة من جوارها. يقول المبعوث الأميركي غرينبلات، إن الصفقة ستركز على الحاجات الأمنية لإسرائيل مع السعي لأن تكون "منصفة" مع الفلسطينيين. الحاجات الأمنية هي مسارات استراتيجية، بينما الانصاف له مضامين إنسانية، اقتصادية على وجه التحديد.
حتى لو كانت صفقة القرن مجرد وهم، فزاعة، بالون اختبار، رغبة لم تتضح معالمها في عقل ترامب وإدارته، وهو عقل يتسم بالتناقض والانفعالية، إلا أن ثمة حقائق يجدر التنبيه لها: تبلورت رؤية إسرائيلية محل إجماع صهيوني تتمثل في التخلص من غزة استنادا إلى أساطير توراتية، واعتبارات سياسية وأمنية واستراتيجية، مع ترامب انتقلت السياسة الأمريكية من الإنحياز إلى التبني شبه التام للرؤية الإسرائيلية للحل، والبحث عن روافع ومحرضات للتطبيق. بالمناسبة، اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، اعتبرت مشروع فصل قطاع غزة بمثابة "نقطة ارتكاز لصفقة القرن الهزلية والمشبوهة وقانون القومية العنصري، الذي يهدف إلى تدمير المشروع الوطني".
وبالرغم من الإجماع الفلسطيني على رفض الصفقة نظريا، إلا إن منطق الانقسام تغلب على أي محاولة لتطوير استراتيجية لقطع الطريق عليها، والحد من اندفاع أصحابها، وإحراج الأطراف المتساوقة معها. فرهانات حماس على كسر الحصار واستمرار سيطرتها تشجعها على المجازفة بالقضايا الوطنية الكبرى، وسياسات الرئيس وحكومته تستمر في فرض إجراءات قاسية تنال من لقمة عيش الآلاف بحجة إستعادة غزة وتمكين الحكومة، ما يفاقم من الأوضاع الإنسانية، الحجة التي تستند إليها كل الأطراف لتمرير الحل الإنساني، أي الصفقة بمعنى من المعاني.
هناك من يرى أن تسوية من نوع ما بين إسرائيل وحماس تشكل مصلحة لكل منهما؛ تعتبر التسوية بديلا لحرب لا يريد نتنياهو أن يذهب إليها، بالإضافة إلى أن استمرار سيطرة حماس على غزة تعفيه من الاضطرار إلى اتخاذ "قرارات من شأنها أن تحل الصراع مع الفلسطينيين". بالنسبة لحماس، تشكل لها التسوية، علاوة على إطالة أمد سيطرتها، الاعتراف بها "كشريك مهم وشرعي في الاتفاقات الإقليمية".
الإمبريالية العالمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، تتغول على الصعيد العالمي، لكن الواقع العربي والفلسطيني الأكثر استباحة أمامها، فهل من إمكانية للمواجهة؟ وما هو المطلوب فكرياً وثقافياً وعملياً على هذا الصعيد؟
صحيح أن "الترامبية" تمثل عصارة عداء متراكم للعقل وللحرية وللمساواة وللمصلحة في آن واحد "شعبوية مع جموح قومي"، إلا أنه لا يمكن الفصل بين صفقة القرن وبين مجرى الأحداث في المنطقة، على الأقل، منذ سبتمبر 2001. إذ تندرج فيما يمكن أن نطلق عليه "إعادة هيكلة الشرق الأوسط" طبقا للرؤية الأمريكية التي قاربتها ثلاث إدارات من زاويا مختلفة دون المس تقريبا بجوهرها.
أطلق بوش الإبن المارد الديني في إطار حملته المسعورة على "الارهاب" وقوض بنيان العراق، بينما أطلق أوباما الوحش الطائفي، وقوض فرص التحول الديموقراطي ومعه بنيان مجموعة أخرى من الدول. جاء ترامب ليكمل ما بدأه سلفاه.
بالطبع، هذا لا يعني أن السياسة الأمريكية تنجح في كل مكان، أو أنها لم تخسر بما في ذلك في الشرق الأوسط؛ الأرجح أنها تواجه معضلات بنيوية كبرى تتعلق أخطرها بأزمة العولمة وتداعياتها، والأخرى بتصدع النظام الكوني أحادي القطبية مع صعود قوى عالمية سياسية وعسكرية واقتصادية على وجه الخصوص، وما بينهما من تنامي النزعات العنصرية والشعبوية في عقر دارها، لكن يبدو أن أمريكا لازالت قادرة على تصدير أزماتها وحل مشكلاتها على حساب العالم وشعوبه.
المواجهة ليست ممكنة فحسب، بل وتشكل ضرورة وجودية. نقطة البداية هي إسقاط صفقة القرن، إذا نجح الفلسطينيون، ومعهم العرب وأحرار العالم في ذلك، فلربما تعرضت السياسة الأمريكية في المنطقة إلى انتكاسة كبرى.
11 عاماً ولا زال عنوان المصالحة "جذاب" للفصائل الفلسطينية، هل من أفق؟ أم بات مطلوباً أن يشق مساراً جديداً لا يرتهن لضغط واقع الحال القائم؟
الاستقطاب السياسي في المجتمع الفلسطيني، هو تعبير عن أزمة النظام السياسي، والمتمثلة في تبدل موازين القوى والوصول إلى حالة شلل وسكون في ظل صراع على السيطرة السياسية، حتى انتهى الأمر بتشكل كيانين منفصلين، واختراق المجتمع في الضفة الغربية وقطاع غزة بأنواع جديدة من الخصومات والخلافات تبلورت على جانبي جبهة مواجهة مفردة وحادة، هذا الأمر أخل بفرص تطوير الهوية والاندماج الوطني، وكذلك أضعف الوحدة السياسية (الاتفاق على الخيارات والمسارات).
ومنذ أن وقع الانقسام، لم تتوقف حوارات المصالحة برعاية خارجية، ومع ذلك، لم تتم المصالحة، وربما على العكس يتعمق الانقسام، ويتكرس الانفصال. من بين الأسباب، التي يجمع عليها كثيرون، أولاً، الدور الإسرائيلي والأمريكي (بالعدوان المباشر أو بالابتزاز والضغط). ثانياً، التدخلات الإقليمية، وخصوصا في ظل حالة التجاذب والاستقطاب ورغبة الأطراف في توظيف الورقة الفلسطينية في خدمة هذا المحور أو ذاك. ثالثاً، اختلاف البرامج والرؤى السياسية الذي وصل إلى حد شرخ الهوية الوطنية. رابعاً، الطبيعة التقليدية للمجتمع الفلسطيني ومنظومة القيم والأعراف الحاكمة وتأثيراتها على نشوب النزاع ودينامياته وأدواته وآليات حله. وعلى وجاهة كل هذه الأسباب، أرى أن السبب الرئيس يكمن في "استلاب قدرة النظام السياسي وعجزه"، الناجم عن سياسة شارون. لم يدرك الفلسطينيون أنهم قد منوا بهزيمة أو أنهم أنكروها، وواصلوا سياسة "دفن الرؤوس في الرمل"، فلم يتمكنوا من فهم ما يحدث، وترتب على ذلك سلوك سياسي غير واقعي وغير مجدي، مما زاد من ضياع البوصلة وتعرضهم لمزيد من الخسران والمعاناة.
لابد من الإشارة إلى أن مصطلح "المصالحة" في السياق الفلسطيني انطوى على مضامين متعددة ومتباينة، حتى بات يعني كل شيء تقريباً، من دفع الرواتب إلى بناء إستراتيجية وطنية جامعة. وفي ذلك، يلحظ المرء أولى وظائف "الانقسام" أو تداعياته ونقصد لفت انتباه الفلسطينيين عن الفاعل الحقيقي المتسبب في كل هذه المعاناة، وهو الاحتلال. يسود اعتقاد أن المصالحة سوف تحل كل المشاكل، وفي ذلك بعض الحقيقة، لكنه ينطوي على قدر كبير من خداع الذات.
المصالحة عملية شاملة في إطار الرد على تحدي الاحتلال ومواجهته، وتنطوي على استحقاقات أساسية وعاجلة بغرض التمكين واستعادة القدرة، هي إعادة بناء الإجماع نحو إستراتيجية سياسية موحدة، تحقيق المصالحة المجتمعية استناد إلى مبدأ "العدالة الانتقالية"، إنجاز الإصلاح المؤسساتي وإعادة بناء النظام السياسي. والمصالحة، بهذا المعنى، ضرورة وطنية وحاجة مجتمعية لا يستقيم أمر إدارة شؤون المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ولا أمر مواصلة الكفاح الوطني ضد الاحتلال بدونها.
إن احتشاد عوامل الضغط على الحالة الفلسطينية في أعقاب تطبيق خطة الفصل، أدى بالنخب السياسية إلى إنكار الواقع ومن ثم إنكار الذات والكون، تولد عن حالة الإنكار وقصور الوعي التاريخي ظاهرتان: الاندراج في لعبة الإقليم والمحاور بهدف الاستقواء، الانشغال في ترتيب وإدارة أوضاع كل من الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل منفصل وتعظيم أسباب الفرقة والانقسام، ليواكب هذا السلوك فكرٌ متهافت يغطي على حالة القصور والعجز، ولا يفسر أسباب الهزيمة ويقترح سبل التغلب على نتائجها، بل يلجأ إلى أيديولوجيا التبرير والتنظير للقوة المفترضة والانتصارات المزعومة. كل ذلك ساهم في إعاقة المصالحة!
لقد عملت ظاهرة "استلاب القدرة" في سياقين: الأول مجتمعي، حيث ألقت البنية التقليدية للمجتمع ومنظومة قيمه وأعرافه بظلالها على طبيعة الصراع وإدارته. كما أن آليات حل النزاع كانت أقرب إلى آليات "الصلحة" التي أثمرت إلى حد كبير في تلطيف الأجواء بين الحركتين، وتصالحهما بالمعنى الإنساني والسياسي، لكنها لم تحقق المصالحة بالمعنى الذي ذكرناه.
السياق الثاني، إقليمي دينامي ومعقد في ظل محاولات تطبيق إستراتيجية التجزئة والتفكيك وإعادة تركيب الإقليم بما يحقق المصالح الأمريكية، بينما شكل الانقسام الفلسطيني بروفة، أصبحت المصالحة ورقة ضغط وابتزاز. هذا ونمت لدى بعض الأطراف الفلسطينية أوهام بالرهان علي تطورات الوضع في الإقليم وبالتالي ارتهان قدري لما يمكن أن تسفر عنه هذه التطورات.
المنظمة العنوان القديم الجديد، الحاضرة والغائبة معاً، تغول عليها التفرد والهيمنة، وبتنا أمام دكتاتورية الفرد أو إقطاعيته الخاصة، في وقت فشلت كل محاولات استعادة دورها: مؤسساتاً وبرنامجاً وأداءً، لتغدو جبهة وطنية، كما كان ينظر، فهل من مخرج؟
ما أسلفنا من حديث يقول باحتمال وقوع نكبة ثانية، شتات آخر، لذلك تقتضي مواجهة تبعات هذه النكبة وهذا الشتات، إحياء المنظمة واستعادة دورها وقطع الطريق على محاولات المس بوحدة تمثيل الشعب الفلسطيني. ومما لاشك فيه، أن عملية إحياء المنظمة وتفعيل دورها ليست أمراً سهلاً وإنما تحول دونها مجموعة من المعيقات الداخلية والخارجية؛ منها ما يتصل بالتغير الذي طرأ على البيئتين العربية والدولية في النظر إلى المنظمة ودورها ووظيفتها من ناحية، وما طرأ على بنية النظام السياسي الفلسطيني من انقسام وانكشاف عزز التباين في رؤى التنظيمات الفلسطينية وأطروحاتها تجاه مسألة إحياء المنظمة التي تبقى محل إجماع واتفاق الكل الفلسطيني من ناحية ثانية.
تتراوح أطروحات إعادة الإحياء بين ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول يدعو إلى تفعيل المنظمة وتطويرها، الاتجاه الثاني يتمسك بضرورة إعادة بنائها فيما يمكن تسميته بالتأسيس الثالث، وأما الاتجاه الأخير فيطالب بتجديد بناء المنظمة، الوقوف في منطقة ما بين التفعيل وإعادة البناء. شخصيا أميل إلى تبني دعوة الاتجاه الثالث، مع التشديد على التمسك بالمنطلقات التالية: الالتزام بالشرعية الفلسطينية التي تمثلها منظمة التحرير، التمسك بالحقوق الوطنية المشروعة التي عبرت عنها وثيقة الاستقلال وبرنامج السلام الفلسطيني، رفض بقاء المنظمة على حالها الراهن، رفض كل محاولات اختطاف المنظمة أو استبدالها أو تعريض شرعية تمثيلها ووحدانيته للاهتزاز والتشكيك.
"فتح" تميل إلى تفعيل الدور وإدخال بعض التعديلات بما لا يمس من مكانة الحركة في قيادة المنظمة، وبما يمكنها من مواجهة استحقاقات صراعها مع حركة "حماس" على السلطة الفلسطينية عبر الاستقواء بالمنظمة. بدورها، تتمسك حركة "حماس" بإعادة البناء لتجاوز المنظمة القديمة، وبما يحقق لها مكانة مرموقة في قياداتها ويسمح لها بإدخال تعديلات جوهرية على المنطلقات والأسس والبرنامج. تنطلق التنظيمات الأخرى غالباً من إحساسها بالتهديد المزدوج من تضاؤل مساحة تأثيرها ونفوذها ومن هيمنة التنظيمين الكبيرين.
كرست الانتفاضة الأولى انتقال مركز الثقل في النضال الوطني نهائياً من الخارج إلى الداخل، وقد فتحت بذلك أمام المنظمة أفقاً للتحرر من ضغط المحاور العربية المختلفة، ولتدشن في نفس اللحظة وخصوصاً بعد أوسلو بداية تنامي وتفرد تأثير العامل الإسرائيلي المقرر في مجمل الشأن الفلسطيني، كما أنها أنضجت شروط تحول التيار الإسلامي وبروزه كمنافس قوي للمنظمة وكمركز استقطاب جاذب لتعبيرات الرفض على الساحة الفلسطينية.
منذ عام 1994، أخذت السلطة الفلسطينية تحل محل منظمة التحرير في لعب دور الدولة قيد التكوين، واحتلت السلطة الموقع المركزي في عملية البناء المؤسسي والسياسي، محكومة بطبيعتها المؤسسية وعناصرها الاجتماعية وقيودها السياسية وبالظروف الإقليمية والدولية. مع فشل السلطة كمشروع دولاني، واندلاع الانتفاضة الثانية ظهرت الحاجة إلى إعادة بناء نظام سياسي يقوم على مصادر أخرى للشرعية، ويعتمد الشراكة السياسية الحقيقية بديلاً للمحاصصة الفصائلية، ويكرس عمليات المساءلة والمراقبة ومأسسة القرار الوطني، ويعتمد الإصلاح السياسي الشامل مدخلاً لتحقيق ذلك. في غضون ذلك وقعت الفصائل على اتفاق القاهرة 2005 بخصوص المنظمة. مع الانقسام، تحولت المنظمة إلى موضوع آخر للخلاف والاتهامات المتبادلة، إلى أن تشكل الإطار القيادي المؤقت، وعقد لقاء بيروت، ومع ذلك ظل الرئيس عباس يعاند أي تغيير يطرأ على المنظمة، وحتى انسحاب قوى فاعلة من اجتماعات المجلسين الوطني والمركزي لم يدفعه إلى إعادة النظر في مواقفه.
يمكن اقتراح عناصر ومرتكزات "تجديد البناء"؛ بالتأسيس مبدئياً على رفض أي محاولة للتشكيك في تمثيلية المنظمة ومرجعيتها وبالتالي رفض أي محاولة لتشكيل تجمع أو كيان جديد بديل عن المنظمة. التشديد على ضرورة تجديد بناء المنظمة إدارياً وتنظيمياً وجماهيرياً دون المساس بالمنطلقات والأسس التي عبرت عنها الأنظمة والقوانين والقرارات. ضرورة الحفاظ على التواصل النضالي وعملية التراكم الجدلي على قاعدة التمسك بالمنظمة ممثلاً شرعياً ووحيداً وباعتبارها ضرورة وطنية، والاعتراف بالتعددية وضرورة احترامها وتوسيع قاعدة التمثيل السياسي والاجتماعي، واعتماد مبدأ الانتخابات حيثما أمكن، وعلى حركة فتح أن تكف عن محاولات إعادة إنتاج هيمنتها وتفردها في قيادة النظام (السلطة والمنظمة)، وعلى حماس أن تتراجع عن محاولات تكريس إقامة كيان مقلص في قطاع غزة وتقلع عن وهم مصادرة التمثيل الوطني الفلسطيني بالقيام بخطوات وإجراءات غير محسوبة العواقب وتستجلب مزيداً من الضرر لمجمل المشروع الوطني.
وحدة اليسار الفلسطيني، بناء التيار الديمقراطي، وطنيون لإنهاء الانقسام، القوى الرافضة لأوسلو...، لا يسار توحد، ولا تيار بني، ولا وطنيون استمروا، ولا رفض فاعل، بعد ربع قرن على توقيع اتفاقية أوسلو، السؤال المنهجي/المعرفي إن شئت: هل مفهوم الوحدة بالأساس حاضراً في الذهنية السياسية الفلسطينية، كي تحضر أدواتها ووسائلها؟
يمكن قراءة التاريخ الفلسطيني بوصفه جدلية التفكك والبناء على المستوى المجتمعي، الوحدة والانقسام على مستوى النظام السياسي، وهي جدليات أضمرت سعي الفلسطينيين نحو هوية وطنية مشتركة (ثقافية وسياسية) وكيانية سياسية تمثلهم وتعبر عن طموحاتهم بوصفهم شعباً، كما أضمرت سعيهم إلى إنشاء دولتهم الخاصة بهم على أرضهم أو على جزء منها، وفي سعيهم هذا تعرضوا تحت تأثير عوامل طاردة إلى انقسامات عديدة، تارة بسبب اختلاف مشاريعهم واختياراتهم السياسية والأيديولوجية التي تحدد هويتهم وشكل دولتهم العتيدة وطريقة الوصول إليها، وتارة أخرى بسبب الطبيعة التقليدية والانتقالية لمجتمعاتهم، ودائماً بسبب الاحتلال الإحلالي والاستيطاني.
إذا كان هذا الاحتلال شكل ولازال يشكل العامل الأبرز في تشغيل ديناميات التفكك وتحريض مسببات اختلال توازن النظام الاجتماعي، فإن أزمة النظام السياسي الفلسطيني المتشكل في إطار السلطة الفلسطينية، علاوة على أزمة منظمة التحرير تعد بمثابة العامل الأبرز الثاني، وفي ظل غياب السلطة المركزية المعقلنة والمجسدة في مؤسسات متمايزة وظيفياً (بما في ذلك حالة السلطة الفلسطينية) أي ضعف عمليات التسييس الاجتماعية، برزت الجماعات الوسيطة كمنظومات دفاعية وكقنوات لتأكيد الذات والاستقواء وطلب المنافع. هذه الجماعات أدت في نهاية المطاف إلى إضعاف ديناميات توليد الولاء الوطني/الهوية الوطنية مقابل تكريس شتى أنواع الانتماءات الفئوية والجهوية والعائلية.
لو أخذنا مثلا التجارب الستة أو السبعة لبناء تيار ديموقراطي ثالث أو تحقيق وحدة اليسار واخفاق كل هذه التجارب، فسوف نضع أيدينا على بعض الأسباب التي تحول دون الوحدة، علاوة على ما ذكر آنفا وأيضا بسبب منطق الانقسام الحاكم منذ 2007، حيث يعيد الجميع اصطفافه بالمعنى الموضوعي على أحد طرفي جبهة المواجهة.
عدم توفر الإرادة السياسية (بسبب الرهانات، المصالح الفئوية، الارتباط بقوى إقليمية،..) وعوضا عن ذلك يتم التركيز على النفخ في أي تباين أو اختلاف كان يجري سواء في مسائل تنظيمية أو سياسية (تضخيم التباينات وافتعالها).
استسهال العمل المألوف الخاص بكل خندق من الخنادق والحذر من التقدم بالعمل المشترك على اعتبار أن ذلك سيكون على حساب هذا الطرف أو ذاك، والنظر إلى الإطار الموحّد (التجمع) من زاوية اعتباره عبئا عليها وعدم توفر قناعة بأنه وتحت كل الظروف سيسهم في بلورة وتعزيز دور التيار الديمقراطي.
ضرورة ملاحظة التغيّر النوعي الذي طرأ على العمل السياسي في فلسطين بين مرحلة ما قبل قيام السلطة وما بعدها. فعلى صعيد المناطق المحتلة (الضفة والقطاع)، ما قبل قيام السلطة، كان النضال والعمل السياسي سرّيا بالأساس واعتمد على الاستعداد للتضحية والنضال وتحمّل المخاطر والسجون....الخ، وبالتالي فإن عوامل المكانة والشهرة والفوائد والامتيازات غير منظورة أو غير موجودة. في حين أنّه، وبعد قيام السلطة حيث ساد العمل العلني والحد الأدنى للمخاطر، أصبحت عوامل المكانة والشهرة والفضائيات والامتيازات والوظائف العليا الحكومية، أمورا لا يمكن تجاهل تأثيراتها.
التأثير السلبي لنظام الكوتا المعمول به في م. ت. ف. على وحدة اليسار الفلسطيني، أمر لا يجوز الاستهانة به أو التقليل من مخاطره. وهو أمر أجاد استعماله الرئيس الراحل أبو عمار سواء قبل قيام السلطة، ولكن وبشكل أشد خطورة وتأثيرا بعد قيام السلطة. ويصبح هذا العامل أشد خطورة في ظل واقع قوى اليسار، حيث أيا منها لا يحصل على 3 % في الانتخابات العامة، وغالبيتها تقل نسبتها عن 1 %، وبالتالي بدل أن يكون عامل الوحدة، موضوعيا هو خشبة النجاة لجميع قوى اليسار، وعامل هام لتطوير تأثيرها السياسي، تصبح عوامل الاعتبارات الذاتية والشخصية، بالاستناد إلى نظام الكوتا وما يقدمه من امتيازات ومنافع شخصية للقيادات وللكوادر الرئيسية، عامل جذب بالاتجاه المعاكس للوحدة، أي عامل إعاقة جدية للوحدة بالرغم من التمسك بها لفظيا.
في غالبية التجارب التي أشرنا إليها، تم إعطاء اهتمام مبالغ فيه لصياغة الأوراق السياسية والبرامجية وما إلى ذلك، وبالتالي صرف عليها وقت أكثر كثيرا مما تستحق، في حين أن الجوانب والأوراق التنظيمية لم تحظ بما تستحقه من اهتمام، وكثيرا ما كانت تخضع للمساومات وللحلول الوسط، وبالتالي تتحول عند أي منعطف إلى عامل تفجير أو عامل كابح للعمل والنشاط.
الشعب الفلسطيني الموزع على مساحة جغرافيا أربعة أرجاء الأرض، ويعيش ظروف متباينة تماماً، بحسب إقامة كل تجمع، هل قد نجد أنفسنا أمام خطر أن نصبح "شعوباً" متنافرة، في ظل أزمة الهوية، وتراجع الذاكرة الجمعية، وضرب الفكرة التوحيدية، وتمزيق الوحدة الوطنية، وتعرضه للظلم والجور والاستغلال والعقوبات والقمع..، وما ترتب على ذلك من تنامي مظاهر الإحباط واليأس وفقدان الأمل والرغبة في الهجرة..؟
أوجدت النكبة ثلاثة عوالم (تجمعات) فلسطينية كبرى؛ عاشت على الحافة جميعها. في الشتات مثل المخيم "حالة استثناء" بين الاندماج والعودة، وعاش فلسطينيو الضفة الغربية وقطاع غزة على الحافة كذلك: بين الشتات والداخل تارة، وبين فلسطين وجوارها الإقليمي تارة أخرى، وبين الاستقلال والاحتلال تارة ثالثة. والواقع، أن المشاريع السياسية التي ظهرت طوال العقود الماضية عكست جدل الحواف على نحو شديد التعقيد والتداخل وعدم اليقين. فالمشروع السياسي للشتات ركز على فكرة التحرير والعودة، واستثنى إلى حد بعيد فلسطيني 48، وتعامل مع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 67 بوصفها ساحة نضالية من بين ساحات أخرى إلى أن أعادت الانتفاضة الأولى الاعتبار إلى هذه الساحة بوصفها الساحة الرئيسة، وللأسف سرعان ما تبلور مشروع سياسي استثنى الشتات وتعامل مع فلسطيني 48 مثلما تعاملت الثورة من قبل مع فلسطيني الضفة وغزة، مركزا جل اهتمامه على فكرة الدولة، وصل المشروع الأول إلى طريق مسدود بعد معركة بيروت 1982، كما وصل المشروع الثاني، أو يكاد، إلى طريق مسدود بعد تطبيق خطة الفصل وما تلاها.
ولكن هل يعني فشل هذين المشروعين أن المشروع الوطني الفلسطيني قد فشل؟ فكيف يفشل مثل هذا المشروع والحقائق الساطعة التالية تدحض هذا الاستنتاج: لازال الكفاح الفلسطيني مستمرا منذ عقود، ولازال نصف الفلسطينيين يعيشون فوق تراب وطنهم (هذا الوجود، الذي يعكس فشل إسرائيل في التعاطي مع المعضلة الأساسية التي ورثتها مباشرة بعد قيامها، وهي ما تسميه الدوائر الإسرائيلية القنبلة الديموغرافية داخلها وعلى تخومها مباشرة على أرض فلسطين الانتدابية)، وهناك ارهاصات لمشروع سياسي يحمله فلسطينيو 48، قد يصبح في لحظة ما، بعد فشل المشاريع السياسية الأخرى، هو المشروع الذي يلتف كل الفلسطينين من حوله، وأخيرا، بالرغم من التشققات التي طالت الهوية الوطنية الفلسطينية، غير أن عملية الإحياء والإثراء متواصلة حتى باستخدام الفضاءات المفتوحة علاوة على الديناميات الأخرى.
الواقع، أن الفصل بين الوطني والسياسي يقدم تفسيرا مقبولا للمعضلة التالية: النجاحات المذكورة والاعتراف بفشل المشروع أمام فشل المشاريع السياسية، ظل للفلسطيني على الدوام مشروعه الوطني العام، يلهمه في مواجهة التحديات ويسمح له بالتباين والاجتهاد وحفظ التعدد السياسي والأيديولوجي ويثرى كفاحه من أجل الحرية والاستقلال. صحيح أنه مع تغير الأحوال وتبدل موازين القوى، بدا أن إجماع الفلسطينيين حول ثوابت مشروعهم ومرتكزاته قد اهتز، وقدرتهم على الدفاع عنها قد تراجعت، غير أن استعادة وهج هذا المشروع وتجديد قدرته على الإلهام ليس بالعملية المعقدة، ودائما دون تشكيك في البدايات، وجلد مبالغ فيه للذات أو اجتراح للمعجزات.
فشل المشروعين السياسيين لا يعني انتهاء دور الشتات ودور فلسطيني 67، وإنما إعادة تعريف هذا الدور. والحقيقة ربما ليس من الحكمة الآن التسرع في إطلاق الحكم بفشل مشروع "حل الدولتين" والأصح التعامل مع هذا الأمر ومع موضوع العودة بما لا يمكّن إسرائيل من حل معضلتها التاريخية على حساب الإقليم. فالإقليم الذي يشهد حرب الكل ضد الكل، شديد التمحور والاستقطاب والهشاشة، يمكن أن يطرح فرصة تاريخية أمام إسرائيل لذلك (تعميم حالة اللجوء العربي، الحل الإقليمي لمشكلة غزة والضفة بموافقة عربية). البديل هو ليس الأطروحات السياسية الرنانة ولا المرتبكة ولا المذعورة، وإنما في تعزيز صمود الفلسطينيين فوق تراب وطنهم، والصمود هنا بمعنى (1) الاستجابة للمخاطر بما يحفظ البقاء، (2) الاستيعاب بما يعني القدرة على امتصاص الضربات وتحويلها، (3) التعافي بما يعني القدرة على الفعل الإيجابي. علينا الانتباه إلى أن إسرائيل تسعى بصورة محمومة إلى ضرب هذه العملية وإجهاضها لدى المكونات الثلاثة الرئيسة للشعب الفلسطيني:
بالممارسات والقوانين العنصرية تحاول رد فلسطيني 48 وقد باتوا يشكلون جماعة قومية سياسيا وثقافيا إلى مجرد جماعة أصلانية، حطابين وسقاة ماء، وقد تنتهز الفرصة الإقليمية إذا ما سنحت لتصويب الخطأ التاريخي الذي ارتكبه مؤسسوها، طبقا لأقوال عالم اجتماع إسرائيلي، بعدم طرد جميع العرب.
وبالحصار واستحداث بنى استعمارية جديدة "الاحتواء الاقصائي" وبفرض الوقائع على الأرض وتوفير مناخات التقويض الفلسطيني الذاتي وتشجيعها، ربما تستطيع إسرائيل أن ترد فلسطيني 67 إلى جماعات منفصلة، تخضع لإشراف الإقليم المجاور وقد ضربت مجتمع الصمود والمقاومة والدولة، وإذا ما فعلت تكون قصمت المشروع الوطني من ظهره باعتبار الضفة الغربية وقطاع غزة حيزا استراتيجيا فاعلا يربط بين فلسطين وجوارها العربي، وباعتبار الحركة السياسية فيهما أحد مفاعيل الربط بين خارج الداخل وداخل الداخل. القيمة الاستراتيجية لهاتين المنطقتين ليس باعتبارهما الإقليم المحتمل لدولة منقوصة السيادة وعاجزة، وإنما بوصفهما منصة المشروع الوطني وقاطرته
وبمشاريع التقسيم الطائفي والاثني في الإقليم، وعبر تعميم حالة اللجوء، وعبر المصالحة مع بعض العرب والصمت الدولي تسعى إسرائيل إلى التذويب النهائي لمشكلة اللاجئين.
عملية بناء وتعزيز الصمود يجب رفدها بتوسيع حالة الاشتباك مع الاحتلال والممارسات العنصرية داخل إسرائيل وفضحها في المحافل الدولية ومحاولة كسب مزيد من التأييد لنا يقابله رفض واضح لسياسات إسرائيل العدوانية. وعلى وجه الخصوص تفكيك البنى الاستعمارية الجديدة ورفض الاندراج فيها وخدمتها تحت أي ذريعة. وبالطبع، لا تكتمل لوحة الصمود بمعناه الوطني والسياسي إلا باستعادة الوحدة أو إعادة العلاقة بين الفرقاء من حالة العداء إلى حالة الصراع داخل النظام أو الحقل أو البيت الفلسطيني. في هذا الإطار، ينبغي الاهتمام بالعلاقة بين الفلسطينيين في مختلف تجمعاتهم، فطبقا لنتائج استطلاع رأي أجري في مختلف أماكن التواجد الفلسطيني، تبين أن العلاقات بين الفلسطينيين ليست في أفضل أحوالها، بسبب العزل والفصل بأشكاله المختلفة (الحيلولة دون التواصل والتفاعل) ما أدى إلى الانكفاء على الهموم والاهتمامات الخاصة بكل تجمع غالبا. الافتقار إلى حاضنات تنمية الهوية المشتركة. ضعف دور المؤسسات والقيادات الرسمية وفقدان شرعيتها الأخلاقية (غير فعالة أو مستلحقة بالاحتلال)، تراجع الاجماع حول الهدف المشترك. أيضا الفجوات الاقتصادية الشاسعة (وخاصة غزة ولبنان)، صعوبة التنقل والحركة بسبب الفصل والعزل والأوضاع الأمنية غير المستقرة، ولذلك، ثلثا الفلسطينيين لا يشعرون بالأمن والأمان نحو المستقبل. نسبة كبيرة منهم يعيشون حالة من انعدام اليقين، وبالتالي الأوضاع لا تسير في الاتجاه الصحيح، وتزداد نسبة الراغبين في الهجرة وخصوصا في صفوف الفلسطينيين في قطاع غزة وتجمعات لبنان.
المقاومة هي خيار رئيسي في مواجهة المشروع والوجود الصهيوني، لكن هل من مقاومة حقيقية وفاعلة، بحيث تغطي مساحة مفهوم المقاومة الشاملة، دون وعي حقيقي وحضور فاعل للذات، ووعي ومعرفة للمشروع الآخر/المعادي؟ وقبل ذلك رؤية تؤسس "لنظرية" صراع أصيلة وإدارة كفؤة له؟
لن أختم بما ينبغي على الفلسطينيين القيام به، ومع ذلك، يجدر القول إن التمسك بحل الدولتين، وتوسيع مساحة الصدام مع دولة تفصح عن عنصريتها بكل وقاحة وصلف، وبالطبع نسف منطق الانقسام الذي لا معنى له سوى أنه بات دينامية من ديناميات المستعِمر الصهيوني في التحكم بالمستَّعمر الفلسطيني، قد تكون خطوات ضرورية لوقف سياسة إسرائيل العنصرية.
لتنصب الجهود على تعزيز صمود الناس على ما تبقى لهم من أرض وكيان، ولعل أبرز مقتضيات تعزيز الصمود الكف فوراً عن المهاترات ورفع القبضة البوليسية عن الناس في معاشهم وفي تعبيرهم العفوي عن تطلعاتهم، والكف عن توظيف مقتضيات الصراع ضد الاحتلال فيما يعمق الانقسام ويجحف بصورة نضالنا ويضعف جبهة التأييد العالمي لنا، ويتطوع بتقديم الورقة الفلسطينية الرابحة في خدمة أجندات إقليمية ودولية. نحتاج في هذه الآونة إلى تحديد واضح لما يجب علينا القيام به أو الامتناع عنه، نحتاج إلى وقفة تأمل ومراجعة للخطاب وللأداء.
تستخدم كلمة "مقاومة" بكثرة للتعبير عن الفعل الذي نقوم به في مواجهة الاحتلال سعياً وراء دحره والتخلص منه. دخلت هذه الكلمة قاموسنا منذ وقت طويل، وأصبحت مكوناً أساسياً ليس فقط في منظومة القيم والتفكير لدينا، وإنما دخلت حتى في الأسماء "لجان المقاومة الشعبية" أو "حركة المقاومة الإسلامية" وهكذا. وكأي لفظة يجري دوماً حقنها بدلالات أيديولوجية وقيمية تعبر عن التفكير السائد أو الاتجاه المركزي السائد في المشهد الفلسطيني. فعلى سبيل المثال، يقترن فعل المقاومة في الغالب بشكل معين من أشكالها فحسب، أو يرتبط بتنظيم سياسي معين دون غيره، وعلى كل حال، لقد خبر الفلسطينيون أشكالاً متعددة من المقاومة، اجترحوا معجزاتهم الصغيرة وإبداعاتهم المتميزة وفقاً لقدراتهم وظروفهم والسياق العام المحيط بهم، فكانت الانتفاضة الشعبية نموذجاً رائعاً في قدرة الشعوب المضطهدة على مقاومة محتليها بالرغم من التفاوت الهائل في العدة والقدرة العسكرية المجردة، أي في تحويل نقطة الضعف، أو ما يعتقد أنها نقطة ضعف إلى عامل من عوامل القوة المباغتة وغير المتوقعة، وكان غاندي قد سبق بنموذج خاص بالهند اعتمد على نفس المبدأ.
المقاومة من حيث المبدأ هي رفض الظلم والاضطهاد والاحتلال والقيام بالتدابير والأعمال التي تعبر عن هذا الرفض، ولأنها كذلك، فهي عملية تاريخية تختلف من سياق إلى سياق، إبداعية تشترط التقاط الاتجاه السائد وفهمه وتطوير ما يناسبه من أدوات وتدابير، وهي عملية مركبة، لا تقتصر على مسار دون آخر، سلوك محدد دون آخر، يقوم بها أفراد بعينهم دون الآخرين. والمقاومة فعل اجتماعي وجمعي، يبدأ بالتعبئة وبناء التوقعات وبناء الإجماع حولها والاتفاق من ثم على الوسائل والتدابير المتدرجة والمترابطة منطقياً والمحدد لها مجموعة من المعايير والمؤشرات في إطار الوجهة العامة للمقاومة ككل.
من البديهي القول أن أفعال صغيرة من نوع الصمود على الأرض أو رفض التعاطي مع منتجات العدو أو عدم الانجرار وراء دعايته الكاذبة كلها تندرج في إطار فعل المقاومة. في حالتنا الفلسطينية، تلعب فكرة المقاومة دور المعادل النفسي والسياسي والوجودي لغلبة الحركة الصهيوينة وقدرتها الفائقة والتي تجسدت في تحقيق أهدافها في إقامة وطن قومي لليهود على حساب الشعب الفلسطيني، وفي ظني أنه طالما لم يتحقق الحل التاريخي العادل، فيجب ألا تسقط هذه الفكرة بما تنطوي عليه أولاً من رفض لواقع تحاول الحركة الصهيونية تكريسه على أرض فلسطين ضد مصلحة الفلسطينيين وحقوقهم، وثانياً من محاولات مدروسة ومخططة وهادفة إلى عرقلة جهود الحركة الصهيونية، وأخيراً إيقاع الأذى بالمحتل وتكبيده ثمن احتلاله في توازن خلاق بين الفعل وغايته، وبين التضحية ونتيجتها، بين الخسارة والربح المتوقع من منظور سياسي.
في ضوء التجربة الفلسطينية، فإن الشروط العملية والمبدئية لممارسة المقاومة على النحو الذي ذكرت تتمثل في:
اختيار الساحة الحقيقية، الفضاء الزماني والمكاني ليس من زاوية فعل المحتل فحسب، وإنما من زاوية قدرة المقاوم على تحقيق مكاسب حقيقية على الأرض.
تحديد التدابير الأكثر نجاعة واختيار الوسائل والأدوات التي تسهم في تحقيق الغايات المنشودة والأهداف المحددة والمرسومة.
ضمان وتأكيد البعد الشعبي والجماهيري، بالمشاركة المباشرة أو بالإسناد المادي والمعنوي المباشر وغير المباشر.
غني عن البيان، أن الفلسطيني حيثما وجد مُطالب بممارسة فعل المقاومة، ولكن ليس من الحكمة فرض شكل واحد على كل الفلسطينيين بغض النظر عن أماكن تواجدهم وظروف حياتهم وبالتالي قدراتهم، فالمقيم في باريس من الفلسطينيين ليس مطلوباً منه قذف جنود الاحتلال بالحجارة، لكنه يستطيع أن يكون سفيراً لقضيته يحشد لها الدعم والتأييد، فلماذا نصر على إطلاق صفة مقاومة على الشاب الذي يقذف الحجر أو يطلق الرصاص ونحرم الفلسطيني المقيم في باريس من هذا الشرف؟ صحيح أن باريس ليست الساحة الأساسية للصراع المباشر مع المحتل، ولكنها قد تكون أحد الساحات الرئيسة مثلاً إذا نظرنا للأمر من زاوية تعبئة الرأي العام العالمي أو غير ذلك.
في هذا السياق لا أعتقد أننا في حاجة إلى تصميم إستراتيجيات لا تبقي شيئا إلا وتأتي على ذكره "ما تخرش منها المية كما يقول المثل" تعكس الأمنيات والرغبات أكثر مما تستند إلى التحليل الموضوعي للواقع (ما نريد، وما نستطيع، وما يجب)، وخصوصا أن الواقع دينامي وشديد التعقيد والسيولة ومن الصعب بناء إستراتيجيات شاملة، يكفي إعادة التعبئة بالمرتكزات الأساسية وبوعي الواقع المتحول جدليا وإشراك الكل في عمليات الاستجابة والاستيعاب والتعافي، فلا يمكن للاستراتيجيات أن تنبثق إلا من رحم الاشتباك مع الواقع. هناك تحديان: مراجعة فكرية شاملة وتطوير تخيلية سياسية جديدة، والثاني الاستثمار في الذاتية التي يمكن أن تترجم هذه التخيلية إلى برنامج عمل وأهداف ووسائل. شخصيا أعتقد أن الجيل الشاب، من الجنسين، هو من يجب أن يشكل هذه الذاتية، مطلوب من الكهول ليس فقط اسداء النصيحة والتعبير عن الحكمة، ولكن أيضا فسح المجال أمام هذا الجيل، ومطلوب من هذا الجيل أن يغادر ديناميتي العزل والاستقطاب اللتين وقع أسيرًا في شراكهما وامتلاك وعيا ثوريا ونقديا والدخول في حالة اشتباك مع الواقع، وليس فقط لعنه أو رفضه في وسائل التواصل الاجتماعي.
وبالإضافة إلى التعزيز المتبادل بين مطالب التجمعات الفلسطينية، يمكن أن يكون التالي موضوعا للمقاومة:
قراءة مشروع الدولة نقديا على طريق انقاذنا من صناعة الوهم، ومن ورطتنا في سلطة دون سيادة، وفي حكم دون حرية، وفي إدارة دون سيطرة على الموارد. وبالطبع، علينا أن نفعل ذلك بحكمة وروية ودون أن نوفر لعدونا فرصة أو حجة. من بين القضايا التي تستحق الفحص والدرس وتحديد الوجهة: فشل السلطة في الجمع بين التحرر والبناء، وفشل حماس في الجمع بين السلطة والمقاومة، لا يعني أن يترك الفلسطيني إحداهما ليتفرغ للأخرى، وإنما استعادة فكرة الحرية بوصفها المحدد الرئيس للسلوك، والبحث عن كيفيات أخرى لا تجعل منه رهنا لإرادة المال الخارجي ولا أسيرا لمنطق المحتل.
آليات المشروع الوطني يجب ألا تقتصر على تعزيز البقاء والصمود والمواجهة، بل ويجب أن تتضمن بناء الإجماع وضمان استدامته في ظل نظام تشاركي وتعددي، ومراعاة كل أبعاد المشروع وتجنب وضع أحدها في تعارض مع الأبعاد الأخرى، وأخيرا التموضع الخلاق والمرن في سياق تمحور واستقطاب علاقات القوة الإقليمية والدولية!
البحث عن مقاربات ذكية وحذرة، بعيدا عن الدخول في أتون الصراع الإقليمي والاصطفافات المذهبية، تمكن الفلسطيني من أن يكون حاضرا عندما يلتئم شمل القوى الدولية والإقليمية لترتيب أوضاع الإقليم. فنحن، وإن اخترنا عدم الانخراط، جزء أساسي وأصيل من مكونات هذا الإقليم، وما يحدث فيه يؤثر بشكل كبير على قضيتنا ومستقبلنا، والقرار المستقل وعدم التدخل في شؤون الغير مسألة مضحكة في إقليم تزول فيه الحدود وتتغير الهويات وتنشأ الكيانات. يجب إعلاء صوت م.ت.ف وتذكير الجميع بوجودها وبوظيفتها التمثيلية ورفض محاولات استخدام الورقة الفلسطينية للاستقواء أو التبرير.
نقطة الوضوح في الوضع الفلسطيني، برأيك: من أين تبدأ؟
نحن إزاء حقل سياسي متوتر ومأزوم في مفاهيمه وعلاقاته وأدواره، وربما بتنا بلا حقل سياسي وطني وجامع، بعد أن غابت "الرؤية" وأصيبت الثقافة السياسية بالعقم أو البلى، وبالتالي، يصبح الرهان على تطوير "استراتيجيا وطنية جديدة"، وعلى إصلاح م.ت.ف أو إحيائها، بالاعتماد على الفاعلين في الحقل أنفسهم، الذين أنتجوا أزمته، مجرد لغو أو رهان في غير محله. إن الإكثار من الحديث عن إحياء المنظمة وإصلاحها من دون إنجاز ذلك حقاً، بات أشبه بالدائرة المغلقة وبستار تتخفى خلفه قوى النظام لتظهر كأن الخلل ليس في داخلها، بل خارجها، أي في الإطار/الشكل، الأمر الذي يستبعد أي نوع من المساءلة ويدفع عنها أي نقد، وفي ذلك أيضاً محاولة من هذه القوى لقطع الطريق على قوى أُخرى صاعدة، أو جديدة، تريد التغيير، ربما تأتي من هامش الحقل الذي وصل من الأزمة والتوتر والانشطار إلى حد سلبه كل قدرة أو فعالية. نقطة البداية، كما أسلفنا تخيلية سياسية وكتلة تاريخية تحملها وتحولها إلى استراتيجية في مجرى عودة النضال الوطني! ثمة 3 ركائز أولية:
تركيز وتحويل الصراع مع الاحتلال حول قانون القومية العنصري.
تعزيز الوجود والصمود على الأرض والامتناع عن كل ما من شأنه تقويضهما.
تجنيب غزة وأهلها مزيدا من المعاناة، سواء على جبهة الصراع المباشر مع دولة الاحتلال، أو على جبهة الصراع الداخلي على الهيمنة في الحقل السياسي، أو على جبهة وقف تدهور الأوضاع الإنسانية.

