Menu

خاصنتنياهو في مسقط: نظرة أخرى

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

قال وزير خارجية سلطنة عُمان يوسف بن علوي بن عبد الله أن حكومته تقر بأن "إسرائيل دولة حاضرة في المنطقة ، وكلنا نفهم ذلك . العالم يدرك أيضا هذه الحقيقة، ربما حان الوقت لكي تعامل إسرائيل نفس الشيء [مثل الدول الأخرى] كما أنها عليها نفس الالتزامات".

قد يبدو هذا التصريح صادما لغير المطلعين على خفايا السياسة الخليجية ومدى ارتباط بقاء هذه الأنظمة بقدرتها والتزامها بمصالح وتعليمات المركز الإمبريالي، ولايمكن الزعم أن العلاقات بين دول الخليج والكيان الصهيوني قد قفزت فجأة إلى هذا المستوى، بدون أن يكون هناك تاريخ طويل من الاتصال والتطبيع الذي كان في الماضي يأخذ شكلا سريا لعوامل متعددة، أبرزها على الإطلاق الوضع الفلسطيني الثوري الذي كان يشكل الحاجز الأكثر أهمية أمام جهر هذه الأنظمة بسلوكها المنحرف، والعامل الثاني أن المشغل الرئيسي كان يرى المصلحة الأساسية في بقاء هذه العلاقات سرية، ولكن مع تغير الظروف نضجت الحاجة إلى إخراجها إلى العلن وإن بتردد نتيجة الواقع الشعبي الذي ما يزال يشكل حاجزا وإن ضعيفا نوعا ما أمام انحدار هذه الأنظمة.

تناقضات وأكاذيب:

في تحليل مباشر للزيارة أقرب إلى أن يكون تحليلا إجرائيا، قد يكون المرء محقا إن ظن أن السلطان قابوس يعمل بموجب أمر مباشر من الولايات المتحدة لتحديد المكان الذي يقف فيه كل من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، مع اقتراب طرح "صفقة القرن" خصوصا أنه لايمكننا مهما صحت النوايا أن نعزل زيارة محمود عباس قبل نتنياهو بيومين إلى مسقط، رغم التصريحات اللاحقة، وكما قلنا يبقى هذا تحليلا إجرائيا صحيح نسبيا ولكن في العموم لايمكننا تجاهل موجة الحجيج الإسرائيلي إلى دول مختلفة في الخليج.

عموما تجنب الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي الخوض في حقيقة المباحثات، ووصفت فلسطينيا بأنها محض زيارة بروتوكولية، وزعم عريقات أن زيارة عباس تركزت ليس على بدء المفاوضات مع إسرائيل، بل على "القضايا الدبلوماسية بشأن الجامعة العربية ".

بدوره تجنب نتنياهو في تصريحاته الإشارة إلى الفلسطينيين وزعم أن المحادثات المطولة و"المشوقة" مع قابوس تركزت على "التحديات التي تواجه المنطقة كما أشاد بالسلطان العماني كرجل يتمتع "بخبرة رائعة" وأكد على أن اجتماعه "ذو أهمية كبيرة ... لدولة إسرائيل وأمنها"، وطبعا لايمكن الادعاء أنه يمكن الحديث عن أمن "إسرائيل" دون التطرق إلى الصراع الحقيقي على الأرض في فلسطين المحتلة.

من جانبه لم يتردد وزير الخارجية العماني في تكذيب الطرفين وإن بطريقة دبلوماسية حي ثأكد أن السلطان استمع إلى آراء عباس ونتنياهو حول الخطوات الممكنة التي يمكن اتخاذها لتجاوز الخلافات وتفسير كل منهما لتوقف عملية السلام.

وبحسب محلل فلسطيني تحدث إلى "ميديا ​​لاين" اشترط عدم ذكر اسمه بسبب الطبيعة الحساسة للمسألة فقد "ذهب نتنياهو إلى عمان تحت التنسيق الأمريكي للتحدث عن محادثات السلام" و "كان الموضوع الرئيسي هو استئناف المفاوضات وإيجاد آليات جديدة ممكنة للقيام بذلك."

ما وراء الأفق..

ومما لاشك فيه أن وقاحة التطبيع مرتبطة بقوة قوى المقاومة وتماسك الجماهير وتعمق إيمانها بالحق الفلسطيني واعتباره مكونا جوهريا من مكونات الحق العربي وأن العدوان على فلسطين عدوان عليها وكذلك بوعي الجماهير العربية بارتباط الغزو الصهيوني لفلسطين بغزوها بأشكال مختلفة عبر تقوية الأنظمة المرتبطة بالاستعمار ودوام الهيمنة الاستعمارية وب الثروات، وقمع الحريات.

ولكن في زمن الهزيمة والاستسلام تكشف هذه النظم عن وجهها الحقيقي بدون خوف فإذا كان بقاؤها سابقا إضافة إلى حماية المركز الإمبريالي، مرتبط –على تناقض هذه الثنائية- بتمسكها بالحق الفلسطيني (ولو خداعا كاستجابة لمشاعر الجماهير)، فإن بقاءها الآن مرتبط بالرضى عنها من مدى إقترابها ومغازلتها للكيان الصهيوني.

لذلك فتصريح بن علوي، وزميله البحريني، لايمكن أن يشكلا صدمة لعارفي طبيعة هذه الأنظمة المتعلقة بقشة الرضى الصهيوني الإمبريالي، ولا تهجم ابن سلمان الوقح على الفلسطينيين ولا وقاحة قطر في اللعب على الحبال، أو الفجور التطبيعي الإماراتي المتنامي، كلها تأتي في هذا السياق من الهزيمة، والمشكلة أنها ليست هزيمتهم، فهم لم يخوضوا حربا ولم يشهروا سيفا، ولكن واقع القضية الفلسطينية وقواها وأنصارها هو ما شجعهم وأمدهم بطاقة السقوط.

ورغم هذه التفسيرات العامة، إلا أن مزيدا من الضوء التفصيلي ينبغي إلقاءه على هذا التطور الذي ينبئ بتحول نحو القبول بالدولة الصهيونية رغم حجم الإدانات وخصوصا الموقف الإيراني الجار للخليج والذي يعتبر هذه العلاقات خطرا عليه.

قال الصحفي بوبي غوش من "بلومبرج" أنه أسف لأنه لم يكن موجودا مع نتنياهو في مسقط، ولكنه استدرك أنه كان في مكان أهم، في البحرين لحضور مؤتمر أمني إقليمي استضافه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، مع حضور المئات من كبار المسؤولين الحكوميين والقادة العسكريين - الذين يمثلون تقريبا كل دولة عربية، ومعظم الدول الغربية الكبرى، ويرى أن ذلك كان المكان المثالي لقياس ردود الفعل على الأحداث المفاجئة في مسقط.

ينقل غوش أن المندوبين العرب في ذلك المؤتمر كانوا منقسمين حول التفسير الرسمي لزيارة نتنياهو، إذ وصفها أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية بأنها "سابقة لأوانها" على حد زعمه، فيما كان خالد بن أحمد آل خليفة ، وزير الشؤون الخارجية في البحرين، أكثر دبلوماسية وتعبيرا عن رغباته أيضا، حيث قال: "يجب علينا ألا نشكك في حكمة قابوس".

في محادثات خاصة، ينقل غوش أن بعض المندوبين العرب اشتكوا من أن عُمان كان يجب أن تجبر نتنياهو على تقديم تنازلات رمزية على الأقل للفلسطينيين قبل الموافقة على استضافته، فيما اعتبرها آخرون خطوة رمزية صغيرة إلى الأمام منذ زيارة تسيبي ليفني، وزيرة الخارجية الإسرائيلية عام 2008، و أحد المسؤولين من الإمارات العربية المتحدة عبر عن تذمره لأن مسقط خطفت من بلاده الأضواء، حيث طغت رحلة نتنياهو إلى مسقط على زيارة وزيرة الثقافة الصهيونية ميري ريجيف لأبو ظبي.

ديفيد بترايوس، الرئيس السابق للقيادة المركزية الأمريكية الذي كان حاضرا في المنامة وصف الأمر من جانبه بأنه: "إعادة تنظيم عامة" في المنطقة حيث التهديد المفترض من إيران يغير بعض التصورات العربية عن إسرائيل.

في رأي الدكتور يوسي ميكلبيرج، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ريجنت في لندن، أن عُمان تسعى إلى "إظهار الاستقلال في الطريقة التي تعالج بها شؤونها الخارجية ... [و] أنها ليست في جيب أي شخص آخر".

وأضاف أن المصالح الاقتصادية والأمنية لعُمان لعبت أيضاً دوراً حيوياً في توجهها إلى إسرائيل، مضيفاً أن هذه العوامل تحدد العلاقة في المجال العام على الرغم من غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية.

لقد تم تهميش السلطنة بسلسلة من الأحداث في السنوات الأخيرة، فمن خلال إلغاء الرئيس دونالد ترامب للاتفاق النووي الإيراني الذي كانت عُمان بمثابة وسيط فيه لإجراء مفاوضات مبكرة بين إدارة باراك أوباما والنظام في طهران، انتقالا إلى السعودية التي تقود الحرب في اليمن والتي رفضت عُمان الانخراط فيها، وترافق هذا مع إشاعات معاناة قابوس من مرض خطير، ونشوء جدل مؤانرات الخلافة كل هذا يبدو أنه ساهم في إضعاف الاقتصاد العُماني الذي تقلص لأول مرة عام 2017 ونتيجة لذلك ، كانت عُمان غائبة بشكل ملحوظ عن المناقشات حول الشؤون العربية، التي كان يهيمن عليها مؤخرا محمد بن سلمان من المملكة العربية السعودية ومحمد بن زايد من الإمارات.

لكن زيارة نتنياهو أعادت نوعا من الاعتبار للسلطان المهمش الذي قدمه رئيس الحكومة الصهيوني كلاعب محترف وعلى مستوى عال وأكثر هدوءًا من الأمراء الشباب، مما أبقى بلاده خارج الإجماع العربي الخليجي، تجنبا للخضوع لوليي العهد على رعونتهما المفرطة، فهو حافظ على الاتصال مع إيران، ولم يشارك في حصار قطر، ومقاطعتها، وقريبا سيجد الأمير والشيخ الشابين نفسيهما في وضع من يطلب مساعدة قابوس للتوصل إلى إنهاء الحرب في اليمن، حيث كما ذكرنا يحتفظ قابوس بعلاقاته مع الإيرانيين، ناهيك عن العلاقات مع الحوثيين، ويعتقد المراقبون أن السلطان قد يكون شخصية رئيسية في أي صفقة مستقبلية لإنهاء المستنقع الذي يغرق فيه أمراء العهد والذي صنعوه بأنفسهم.

وبالتأكيد من جانب آخر لدى نتنياهو أشياء يريد تحقيقها من هذا الاختراق، في ظل التحقيقات الداخلية ضده وتورطه في قضايا الفساد، واقتراب موعد الانتخابات في الأشهر القليلة المقبلة فهو يريد توجيه رسالة إلى الرأي العام الإسرائيلي، بأنه ناجح في الدفاع عن الكيان دوليا وإقليميا وأنه يحقق إنجازات وأنه مهما كان الرأي بسلوكه الداخلي وحزبه، فإنه في النهاية "رئيس الوزراء الأكثر شعبية في المنطقة".

وخلص الدكتور ميكلبيرغ إلى أن لعب "رجل الدولة الكبير" هو بالضبط ما يحتاج إليه نتنياهو في الوقت الحالي: "لأنه يتوق بقوة للفوز في الانتخابات مرة أخرى والتفاوض على ائتلاف جديد ويريد أن "يريهم" أنه سياسي متمرس ويجيد اللعب بالأوراق التي يمتلكها".

اللفتنانت كولونيل الدكتور مردخاي كيدار، الخبير في الخطاب السياسي العربي في جامعة بار إيلان، قال لـ "ميديا ​​لاين" أنه لكي تكون وسيطا في العالم العربي يعني أن الناس يعترفون بك كرجل عظيم، "على عكس ثقافة الوساطة في المجتمعات الغربية حيث لا يلعب [الوسيط] أي دور باستثناء ترتيب الأوراق. "

فهل يعكس قابوس هذه الرغبة الشرقية المتأصلة؟ أن يكون وسيطا ويلعب دورا ويحصل على اعتراف بسلطته ودوره بعد عقود من الإهمال أو الانسحاب الطوعي من قضايا المنطقة العامة.

وفيما يتعلق بإسرائيل، أوضح د. كيدار أن الحكومة تريد النظر إلى ما هو أبعد من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي لا يريد على حد زعمه علاقات دافئة بين العرب والكيان، ويبدو هذا متوافقا مع نظرية نتنياهو في السياسة العامة، التي تركز على الإقليم وتستخدمه للضغط وإخضاع الفلسطينيين.

يزعم كيدار أن الدول العربية لا تشتري بضاعة أبو مازن، بل تريد المضي قدما في علاقاتها مع إسرائيل، علاوة على ذلك، يبدو أن نتنياهو يأخذ عُمان اليوم كبديل للمملكة العربية السعودية، بسبب تشويه السمعة الدولي الذي حاق بهذه المملكة مؤخرا بعد اغتيال جمال خاشقجي.

أيضا ثمة أهمية لزيارة نتنياهو إلى مسقط ذات طابع متصل بالوضع الإقليمي العام، فهي تأتي مباشرة قبل سريان إعادة فرض العقوبات الأمريكية على طهران، وهو طبعا يريد استغلال الوضع، والصعود على واقع العلاقات المستقرة والسرية بين تل أبيب ومسقط، ولنذكر أن نتنياهو ليس الأول في زيارة هذه العاصمة، فقد سبقه شمعون بيريز عام 1994 عقب اتفاقيات أوسلو، وهو أمر لا تخفى دلالته طبعا، وفي ذلك الوقت فتحت مكاتب التمثيل التجاري ولكن مرة أخرى قطعت العلاقات ولو علنا فقط مع انطلاق الانتفاضة الثانية عام 2000، وربما أن عمان ودول الخليج في ذلك الوقت لم تمتلك ما يكفي من القوة والوقاحة في آن معا لتجاهل الواقع الفلسطيني.

في نظرة أخرى يرى جوشوا تيتلبوم، العالم السياسي المتخصص في شؤون الخليج في جامعة بار إيلان أن نتنياهو يريد " إعادة صياغة السردية في المنطقة، لإظهار أن إسرائيل هنا، لاعب أساسي". ونتنياهو يريد أيضا إبلاغ الناخبين بأن استراتيجيته السلمية لا تعتمد بالكامل على دول الخليج الأكبر مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، حسبما قال ديفيد ماكوفسكي، العضو السابق في فريق أوباما للسلام في الشرق الأوسط. وقال ماكوفسكي، وهو زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "إن الوصول إلى تلك الدول يقع تحت الطاولة في حين أن هذا مفيد لأنه فوق الطاولة".

بعد نتنياهو وقبله لم يتوقف المسؤولين الصهاينة عن الوصول إلى الخليج، فهو لم يفتح الباب عمليا ولكنها بالتأكيد الانفراجة العلنية الأكبر، فقد قامت ميري ريجيف وزيرة الثقافة والرياضة بزيارة رسمية إلى مسجد الشيخ زايد الكبير في أبو ظبي، وهو ثالث أكبر مسجد في العالم، لكن هذا ليس مهما، فقد صدح نشيد هاتيكفا في سماء أبو ظبي، ورفرف العلم الأزرق والأبيض وبعدها كان وزير الاتصالات أيوب قرا في دبي، وسيشارك وزير النقل الصهيوني كاتز في الأسبوع القادم في تجمع عالمي في عُمان الغرض منه طرح الخطة الإسرائيلية لبناء خط حديدي "قضبان السلام" التي ستحمل الخليج العربي إلى تل أبيب وحضن الصهيونية.

ماري ريغف، أخيرا، هي أحد أكثر أعضاء حكومة نتنياهو تشددا وعداوة للفلسطينيين، ولا أحد يعرف إن كان مضيفوها الإماراتيين واعين حقا وهم يجوبون بها أرجاء المسجد الكبير وهي التي تحتقر المساجد والإسلام وتصفهم بأقذع الألفاظ الخارجة عن كل عرف دبلوماسي، ولكن يبدو أن هؤلاء المطبعين المأخوذين بفصاحة ريغف يعتقدون أن إسلام القدس مختلف عن إسلام أبو ظبي، وأن مسلمي الخليل يدينون بدين آخر غير دين مسلمي دبي، وهذا صحيح ومنطقي تماما ويسمح لريغف بإظهار احترامها لمسجد حداثي نفطي في أبو ظبي، وتحتقر المسجد الأقصى وتدعو إلى تحويل مساجد الفلسطينيين إلى مراقص دون أن يرف رمش لهؤلاء الأعراب ولعله صحيح القول بالإذن من الشهيد غسان كنفاني أن" مسجد عن مسجد بفرق".