بمقدار ما إن العلاقات الصهيونية العُمانية ليست مفاجئة وقديمة، كذلك أيضا يبدو أن الجميع يكذبون بخصوص الزيارات المتتابعة لهذه السلطنة التي كانت مهمشة تماما، أبو مازن في زيارته لمسقط ثم نتنياهو ثم كاتس، ثم ابن علوي في رام الله جميعهم لم يكونوا يقولون الحقيقة، الحقيقة أنه في ضوء احتياج الولايات المتحدة للحديث وترويج صفقة القرن أرادت طرفا يتوسط في الحديث مع الفلسطينيين، وهكذا تلعب السلطنة دور الوسيط بالوكالة أو دور أداة من أدوات الوسيط الأمريكي.
كشفت صحيفة ماكور ريشون اليمينية الصهيونية تفاصيل جديدة عن عمق العلاقات الصهيونية العُمانية وطول زمن الاتصالات بين الجانبين، وقال التقرير أن الزيارة التي قام بها بنيامين نتنياهو إلى مسقط كشفت أكثر مما يلزم عن هذه العلاقات، وفي ذات السياق قال مسؤول "إسرائيلي" كبير للقناة العاشرة أنه قبل ثمانية اشهر من الرحلة الأخيرة كان نتنياهو قد عقد لقاء سريا مع وزير الخارجية العُماني يوسف بن علوي بتنظيم من رئيس الموساد يوسي كوهين الذي حضر الاجتماع أيضا وزعم هذا المسؤول إلى أن "الموضوع الرئيسي للنقاش في ذلك الاجتماع كان القضية الإيرانية وتعزيز العلاقات بين سلطنة عُمان وإسرائيل".
يلاحظ التقرير أن التسريبات الأخيرة حول العلاقات خالية من السياق، وليس سرا أن اجتماعات سرية عديدة عقدت في مؤتمر ميونخ الأمني في ألمانيا ولكن خلف الأبواب المغلقة، ولاحظ التقرير أن ما لايقل أهمية عن الاجتماع هو ما سبقه ويعني زيارة ابن علوي يوم 18 شباط/ فبراير النادرة إلى القدس حيث التقى أيضا مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله وزار المسجد الأقصى و كل هذا حدث بعد شهرين من إعلان ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وكان الشعار المزعوم لرحلة ابن علوي تلك هو التضامن مع الفلسطينيين في وقت صعب، ولكن اتضح كما كشفت ماكور ريشون نهاية الاسبوع، أن زيارة الوزير العُماني للقدس كانت بناء على تنسيق مسبق مع الكيان الصهيوني للتغطية على فضيحة اللقاء السري في ميونيخ و يبدو أن التسريب جاء لتمجيد جهود رئيس الموساد دون تشويه سمعة نتنياهو.
أيضا يلاحظ هذا العمق في العلاقات بخصوص زيارة يسرائيل كاتز اليوم إلى مسقط، فالدعوة التي وجهت إلى وزير النقل والاستخبارات الصهيونية للمشاركة في مؤتمر دولي في عُمان حول قضايا النقل من قبل وزير النقل العُماني يظهر في الجزء االعلوي منها أنها تعود إلى تموز/ يوليو من هذا العام ، وهذا يعني أن الوزير كاتز كان على علم بما لا يقل عن ثلاثة أشهر قبل زيارةنتنياهو إلى عُمان. ولكن كما سنرى لاحقًا ، الأمر أكثر تعقيدًا بعض الشيء.
بالعودة إلى "المسؤول كبير" ، فقد كشف للقناة العاشرة عن أن "الاتصالات بين إسرائيل وعُمان بدأت في نيسان/ أبريل 2017." لكن إذا عدنا إلى مقال ظهر في ماكور ريشون، حتى قبل التسريب، فإن نيسان/ أبريل 2017 هو الشهر الذي بدأت فيه "إسرائيل" بالترويج رسميا المشروع "السكك الحديدية الإقليمية"، الذي صُمم لإنشاء نظام سكك حديدية إقليمية تربط الكيان ب الأردن والمملكة العربية السعودية.
بعد عرض المشروع على العالم، بدأت وزارة النقل في تشغيل حملة علاقات عامة على الإنترنت وقد تثار بعض الأسئلة: أين كان الأمريكيون في تلك المرحلة؟ هل عرفوا القصة؟ تزعم ماكور ريشون أن الأمريكيين كانوا مطلعين عليها بالفعل، وكما صرح كاتز نفسه فقد رافق نتنياهو بعد فترة قصيرة من الانتخابات الأمريكية إلى اجتماع مع مبعوث الولايات المتحدة للشرق الأوسط جيسون جرينبلات ، حيث قدم كاتز المشروع.
على النقيض من حقيقة أن المشروع الذي يقدمه الوزير كاتز في سلطنة عُمان هذا الأسبوع معروف جيداً للأميركيين، فإن مضمون تسريبات المسؤول الكبير، كما نُشر هو أن "جميع الاتصالات في العام الماضي ونصف العام بين إسرائيل وعُمان حدثت في أيلول/سبتمبر على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة " حيث التقى وزير الخارجية العُماني في نيويورك مع كبير مستشاري الرئيس ترامب ي كوشنير ولم يقل كلمة عن الاتصالات المتقدمة مع الكيان الصهيوني وأضاف المسؤول "رئيس الوزراء نتنياهو لم يذكر هذا الموضوع خلال لقاءاته مع الرئيس ترامب ومع كوشنير في نيويورك".
إذن، كان غرينبلات يعرف كل التفاصيل بشأن مشروع السكك الحديدية فهل يعقل أن غرينبلات لم يبلغ كوشنير، وهل يصدق أحد أن الأمريكيين لم يكونوا يعرفون فعلا بخصوص زيارة ابن علوي للقدس؟ بالطبع لا. وأيضا هل يعقل أن السي آي إيه لم ترصد اجتماع نتنياهو مع ابن علوي في ميونخ؟
والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا يدعي المسؤول الصهيوني المجهول في حديثه للقناة العاشرة أن الأمريكيين لم يكونوا مطلعين على الوضع المتعلق بهذه العلاقات المتنامية؟ وأن كوشنير الصديق المقرب لابن سلمان لم يعرف ولم يبلغه نتنياهو أثناء اجتماعه معه في نيويورك، ربما بسبب الإعلان الرسمي لزيارة ابن علوي إلى القدس كتضامنية مع الفلسطينيين.
حيث في تلك الأيام قطع أبو مازن العلاقات مع واشنطن، ومنذ ذلك الحين رفض باستمرار اعتبار الأمريكيين وسيطا عادلا، وما دام الأمر كذلك، فهذه مشكلة للأمريكيين، فكيف سيتم الترويج لصفقة القرن؟ الحل يأتي عبر "وسيط للوسيط"، فالوسيط الأمريكي بحاجة لوسيط آخر للحديث مع الفلسطينيين وهذا هو الدور الذي منح لعُمان، وهذا مخرج مناسب لأبو مازن الذي دُعي إلى مسقط للالتقاء بقابوس، فجأة وبدون تمهيد، ولكن التمهيد كان موجودا سرا بالتأكيد، وأرسل قابوس وزير خارجيته ابن علوي إلى رام الله فورًا ولم يكن هناك أي ثرثرة في رام الله حول الموضوع وبالتالي يمكن اعتبار أن زيارة محمود عباس إلى شرم الشيخ تحمل أكثر بكثير من المعلن، لايتعلق الأمر إطلاقا بالترتيب مع حماس أو رواتب غزة، مشاريع البنية التحتية والوظائف لعشرات الآلاف من خريجي الجامعات ف مصر دولة رئيسية وبدونها لن يكون هناك ترتيبات في غزة وبدون هذا لن يستطيع أبو مازن التصرف بحرية مع صفقة القرن أو أي أمر آخر.
أمر آخر كشفه تسريب صهيوني آخر من االصحفي موآب فيردي أن زيارة كاتز لمسقط برفقة ضباط مخابرات تشي بأن الحديث سيدور تحت غطاء مؤتمر النقل حول إيران مرة أخرى.
وتتساءل ماكور ريشون إذا كانت االقيادة "الإسرائيلية" مستعدة لإحراج قابوس عبر مواصلة القول أن المحادثات مرة أخرى عن إيران فقط، وأنه لايدور الحديث عن صفقة القرن؟
في النتيجة عُمان هي أكثر من بالون اختبار لاختبار رد فعل السعوديين والأمريكيين على هذه العلاقة التي من الواضح أنها ليست مفاجئة، ويدرك الصهاينة أن السعودية هي من ستقود المفاوضات ولكن يبدو في النهاية أن الدور العُماني فرضته الوقائع السياسية الحالية، والأزمة السعودية الجارية، وعُمان حاليا هي "وسيط الوسيط" في صفقة القرن، الموضوع ليس "إيران" وإنما تجديد المفاوضات مع الفلسطينيين على أساس صفقة القرن.

