Menu

تحليلانتخابات بلدية الاحتلال: من هو "ملك" القدس الجديد؟

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

مثل الصراع على بلدية القدس الاحتلالية ما يمكن اعتباره إحدى ذرى الصراع المحتدم بين العلمانيين والحرادليم [لحرداليم" مختزل عبري يدمج كلمة حريدي – يهودي أرثذوكسي، بالقومي] الصهاينة، وهذه الجولة كما يبدو ذهبت لصالح هؤلاء الأخيرين، بفوز موشيه ليون، المقرب من وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان ووزير الحرب المستقيل أفيغدور ليبرمان وكذلك من زعيم شاس أريه درعي الذي استغل التشابه بين اسمه الأول والاسم الأخير للمرشح (تعني الأسد بالعبرية والانكليزية) ليعلن قبل حتى ظهور النتائج النهائية "أنا ملك القدس الجديد". وكانت القيادة الحريدية قد أكدت دعمها لليون بشرط أن لا يترشح نير بركات لولاية ثالثة، وفي الحقيقة كان هذا مرتبطا باعتقادهم بتراجع نير بركات عن اعتزاله العمل البلدي وقد أعلن هوشخصيا قبل شهور عزمه هذا لأسباب لا تتعلق بعمله في البلدية بل بسبب طموحه السياسي ورغبته بتسلق سلم "السياسة القطرية" عبر الترشح لانتخابات الكنيست.

مراجعة فترة بركات كمقدمة للجديد

بالطبع فإن المطلوب من رئيس البلدية الجديد تقديم صورة مغايرة عما قدمه نير بركات الذي جرى تصويره كرئيس بلدية ناجح، على مدى عشر سنوات غير أن النقد الموجه إليه ينفي هذه الصورة ويضع المرء في حيرة بين سمعته إن صح التعبير وحقيقة فشله الذريع من جهة أخرى,

ولعل النقد الموجه إليه يطرح سؤالا أصبح نظريا الآن عن فرصه بالفوز للمرة الثالثة فيما لو رشح نفسه، ولكن المفروغ منه أن ظل نير بركات وسمعته ستبقى شبحا يحوم حول رئيس البلدية الجديد، لايمكن التخلص منه سواء من ناحية النجاح حيث فشل، أو من ناحية مكانته الكبيرة بغض النظر عن سلامة أسسها.

والنقد الأساسي والتحدي الأساسي أيضا هو أن نير بركات فشل في التحديين الأساسيين: علمنة المدينة إن صح التعبير والمحافظة على الأغلبية اليهودية من التآكل، و المعطيات تشير إلى أنه فشل في كليهما.

فمع انتهاء عقد على ولايته تتدهور الأمور في هذين المجالين أكثر فبين الأعوام 2011 و 2017 فقد السكان اليهود في القدس ما بين 45 إلى 50 ألفا من اليهود. وعمليا، قام اليهود بترك المدينة في فترة ولاية بركات وكان الأمر بمثابة ظاهرة دراماتيكية دفعت بزئيف إلكين، وهو وزير شؤون القدس والذي تنافس في الجولة الأولى على منصب رئيس البلدية إلى أن يصرح في حزيران 2016 قائلا : "لا تتمثل المشكلة الديموغرافية الكبرى في مناسيب الولادة الطبيعية، بل في الهجرة السلبية للسكان اليهود من القدس".

طبعا الصراع على بلدية القدس صراع قديم وتناوب عليها الجانبان، وهي جزء من الصراع التاريخي بين مفهومين "لإسرائيل" أو بين تل أبيب العلمانية الليبرالية الحديثة، والقدس التي يرى الحريديون أنها مركز قداسة وأنها يجب أن تكون التعبير الحقيقي عن "إسرائيل" وارتباطها بالتوراة، ولعل هذا ما أفزع بعض أوساط العلمانيين من خطوات تكريسها كعاصمة للكيان وفي نفس الوقت أرعب الحريديين.

فالعلمانيين أو بعض أوساطهم االمتشددة، لايرون في القدس إلا مدينة هامشية متخلفة، متدينة، وواقعة تحت نفوذ المتشددين [أظهر سلم تدرج المدن الإسرائيلية المستند إلى سلسلة من المقاييس التي تفحص جودة ظروف المعيشة، والذي نشر في تشرين أول 2017، أن القدس احتلت المرتبة 27 وفي تشرين ثان/نوفمبر من العام 2016 نشر تقرير تدريج المقياس الاجتماعي الاقتصادي الصادر عن هيئة الإحصاء المركزية، وقد أظهر هذا التقرير أن القدس وهي "اكثر فقرا"، مع تدهور وضعها على مدار خمسة أعوام (أي نصف فنرة بركات) من مجموعة المدن الرابعة إلى المجموعة الثالثة، أي تحت بلدات "نتيفوت"، أوفاكيم" و "كريات ملآخي" [بلدات إسرائيلية تعدّ ، وفقا للاصطلاح الإسرائيلي "بلدات تطوير"، وهي في الوعي الإسرائيلي تعد الأكثر فقرا وحاجة للمعونة ولفرص العمل ولتطوير البنى التحتية، ولذا يُمنح سكّانها تسهيلات ضريبية]. وقد حصل هذا كله على التوازي مع أغلب سنوات بركات في ولايته.] بينما رأى الحريديم أن انتقال الدولة إلى القدس كعاصمة يعد نوعا من هجوم علماني شامل على المدينة. هنا قد يكون من المفيد للقارئ أن نشير إلى أن الدولة "العبرية قد مرت بثلاث مراحل انعكس هذا الصراع في قلبها، بداية مع ما يسمى دولة العبريين (الصهاينة "الاشتراكيين") اللي استمرت من فترة بناء المؤسسات ما قبل 48 حتى صعود الليكود في وسط السبعينات ثم المرحلة الثانية وما يسمى الدولة "الإسرائيلية"، بمحددات ما بعد حرب 1967 وأثارها الأيدلوجية والتي توجت بصعود الليكود سنة 1977 مع الاقتراب من الدين بسمات قومية واضحة وأخيرا 1996، الدولة اليهودية، اللي تتسم بشكل واضح بصعود التيار الديني الوطني فيها، والتي تعمق فيها الصراع على القدس بعاملين أساسيين: هجرة العلمانيين منها وهي تشكل أزمة حقيقية لهذا التيار في المدينة وهجرة معاكسة إليها من قبل الأرثوذوكس والحرداليم والمعسكر الديني الوطني. وقد يكون صحيحا القول إن الصراع بشكله السياسي العلني في المجال العام بدأ متأخرا نسبيا بسبب الطبيعة الانعزالية للإحياء الأرثوذكسية داخل "المدينة العلمانية" عزلة استمرت حتى بدء صعود التيار الديني والهجمة في السنوات الأخيرة.

عودة إلى الوقت الراهن

بعيدا عن هذا الجدل التاريخي أو ربما في قلبه تأتي الانتخابات دائما لتعيد نفس المعركة وذات العناوين تقريبا في الحملات الانتخابية، وكان الصراع قد احتدم بداية الانتخابات بين سبعة مرشحين، وسط حملات انتخابية كان العنوان الرئيسي فيها: هل القدس علمانية أم حريدية، كما ذكرنا، وكأنها تشبه المعركة التاريخية بيت معقل العلمانية في تل أبيب، رامات أفيف ومعقل الحسيدية المتشددة في القدس مئة شعاريم.

ورغم حدوث صفقات بين المرشحين، وانسحابات لتأمين المصالح داخل المعسكرات المتنافسة، غير أن المرشحين بداية كانوا: زئيف إلكين الليكودي وزير البيئة و "القدس والتراث" وعوفر بركوفيتش مرشح ما يسمى (صحوة القدس) وهو يساري علماني، وهناك يوسي دايتش الحريدي الذي كان يتولى منصب القائم بأعمال رئيس البلدية كمساعد لنير بركات، وموشي ليون الذي نافس أيضا في الانتخابات الماضية وكاد يتغلب على بركات، وراحيل عزاريا نائبة رئيس البلدية ورئيسة حركة "يروشلايم" . وكما هو معروف انتقل إلى الجولة الثانية كل من بركوفيتش وليون.

فاز ليون إذا بدعم من أغودات يسرائيل وشاس يهدوت هاتوراة، بنسبة 51% ، مقابل 49% لبركوفيتش فيما كانت نسبة التصويت حول 37% ، وصوت العرب بنسبة راوحت الصفر، مع العلم أن هذا النص لايعنى بالمشاركة الفلسطينية أو نوعها أو الموقف من الانتخابات. وقد تأخرت النتائج بسبب فرز 9000 صوت من أصوات الجنود والشرطة وأصحاب الاحتياجات الخاصة، والسجناء وإضافتها إلى العدد النهائي.

كما هو متوقع، ركزت حملة ليون على تغذية مخاوف المصوتين الحريديين من تحويل القدس إلى مدينة علمانية، و كان ليون يُنظر إليه من خصومه كمرشح يمكنه "بيع المدينة إلى الحريديم" و باعتباره التهديد النهائي لعلمانيي المدينة.

من هو موشيه ليون
يعمل موشيه ليون في مجال المحاسبة ويبلغ من العمر 56 عاما وله خبرة طويلة في القطاع العام وهو وإن كان ينتمي إلى التيار القومي المتدين إلا أنه لايعتبر متشددا، وقد شغل لفترة وجيزة منصب رئيس مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عام 1997. وهو من عائلة مختلطة، حيث والده من سالونيك وأمه من عدن، وقد انتقل إلى القدس قبل ست سنوات.

بدأ سيرته الذاتية في العمل العمومي عند فوز الليكود ونتنياهو في انتخابات الكنيست الـ 14 في عام 1996، عندما عُيّن نائب المدير العام في مكتب رئيس الحكومة ومستشار نتنياهو الاقتصادي. في وقت لاحق، عُيّن ليئون مدير لمكتب نتنياهو حتى أنه عمل مديرا عاما للمكتب.
في عام 2003، عيّنه وزير النقل في حينها أفيغدور ليبرمان كرئيس لشركة القطار في "إسرائيل" التي تأسست في تلك الفترة. وفي حزيران 2008، عُيّن رئيسًا سلطة التطوير في القدس، وشغل هذا المنصب حتى عام 2013. في عام 2013، انتقل ليون للعيش في القدس، وترشح لرئاسة البلدية في الانتخابات المحلية هذا العام، وحصل على 44.57% من الأصوات بينما حصل نير بركات على 51.91%. حصلت كتلة “الليكود بيتنا” بزعامته على مقعد واحد، وأصبح ليون عضو مجلس المدينة من قبل الليكود. وفي عام 2015، انضم ليون إلى الائتلاف البلدي وبدأ يشغل منصب عضو الإدارة في المدينة ضمن قائمة نير بركات وأصبح نائبًا للعمدة ، مسؤولًا عن المراكز والمجالس المجتمعية. قام بتشكيل روابط قوية مع الحريديين وقطاعات دينية خلال هذه السنوات ، مما عزز مكانته.

ومن مفارقات هذه الانتخابات أن ليون حصل في الجولة الأولى على 32.7% من الأصوات، لكن قائمته لم تحصل أبدا على أية مقاعد في المجلس، ولكنه نجح باجتذاب دعم البيت اليهودي ورئيس البلدية السابق نير بركات وبعض وزراء الليكود مثل ميري ريغيف، يريف لفين، وتساحي هنغبي.

رغم الحملة الشديدة المتداولة، إلا أن موشيه ليون لم يفز فقط بسبب دعم المتدينين، بل أيضا لأن العلمانيين والدينيين التقليديين والتيار الديني الصهيوني لم يصوتوا بشكل كاف لمنع فوزه، بل في الواقع اتجه الكثير من الناخبين التقليديين في أحياء مثل جيلو وبسغات زئيف للتصويت لصالحه بعد أن دعمه نير بركات وفرع الليكود في القدس ووزراء الليكود الآخرين.

ن الغريب اأن نير بركات الذي سعى لجعل القدس مدينة عالمية يختار دعم مرشح على عكسه، حتى إنه لايقبل الحديث بالإنكليزية أو التحدث في القضايا الدولية، والسياسة المركزية، على العكس من بركوفينش العلماني الذي يتحدث الفرنسية والإنكليزية. والذي فاز بهامش واسع في الأحياء الصهيونية العلمانية والدينية. وكان بالتأكيد مرشح مفضل بين الناطقين بالإنكليزية، والوحيد الذي ظهر في نقاشات عامة بهذه اللغة.
وقد ظهر لفترة قصيرة أن فوز بيركوفيتش ممكن بعد أن تلقى دفعة من حاخامات أغودات يسرائيل الذين لم يدعموه مباشرة ولكن طالبوا أتباعهم بعدم التصويت، انتقاما من شريكهم يهدوت هتوراة وديجل هتوراة. ولكن اتضح في النهاية أن من الصعب التغلب على التحالف بين شاس وديجل هتوراة. ما يعني شرخا عميقا في تحالف يهودية التوراة، بين ديعل هتوراة، وأغودات إسرائيل ما يعني أن يظهر الخلاف في انتخابات الكنيست القادمة.

وربما يكون شاس هو المستفيد الأكبر. وما يعني أيضا إعادة طرح موضوع تخفيض العتبة الانتخابية لإتاحة الفرصة للحزبين للتنافس كلا على حدة في الانتخابات القادمة. وعموما قد يؤدي هذا الأمر إلى أن يكون لدى الحريديم عدد أقل من أعضاء الكنيست في الكنيست القادمة ، وبالتالي سلطة أقل في الحكومة المقبلة. وهو ربما ما يتماشى مع خطة نتنياهو للتخلص من ابتزاز الأحزاب الصغيرة.
ولكن الأمور لم تذهب تماما حسب الخطة، فعلى الأقل هؤلاء أصبحوا الآن حسب المعلقين الصهاينة يملكون القدس وبالتحديد شاس وديجل هتوراة.

لكن العقبة الحقيقية أمام ليون في منصبه هي اضطراره للتعامل مع (خصوم) في المجلس البلدي، إذ لايمكن إغفال حقيقة أنه لم يفز حتى بمقعد واحد في المجلس - وهو حدث لم يسبق له مثيل – وهذا يضعه بالكامل في أيدي شركاء التحالف. وسيكون ليون رئيس بلدية دون أي قاعدة صلبة من القطاع العام للمدينة. دون أن يثبت قدرته على تعزيز السيطرة بإحكام في يديه وا يعني أن درعي كان محقا بإعلانه عن تتويج نفسه كملك على القدس وأن البلدية ستدار من قبله ومن قبل عضو الكنيست موشيه جافني وسيكون على ليون أن يصارع من أجل استقلاليته.