Menu

عن المقاول القطري.. هذا ما ذكره "معهد واشنطن"

محمد العمادي

خاص بوابة الهدف

لطالما ظل الدور الذي تؤديه قطر في قطاع غزة محل جدل ومثار تساؤلات وعلامات استفهام مشروعة، خاصة في إطار "عملية الإعمار والدعم الإنساني" التي يتولاها المهندس محمد العمادي، وهو مقاول قطري صاحب شركة بناء مقرها الدوحة، وبدأ مسيرته المهنية موظفا في بلدية الدوحة عام 1983، وانتقل لاحقا للعمل في وزارة الخارجية القطرية.

الجدل الدائر حول دور قطر ومهمة العمادي في غزة يتسع ويتعمق، خاصة بعد تداول مقطع فيديو للعمادي أثناء قوله للقيادي في حركة حماس د.خليل الحية: "نبغي هدوء"، أي نريد هدوء، وذلك أثناء مغادرته لإحدى مخيمات مسيرات العودة شرق غزة بعد زيارة برفقة د.الحية وآخرين من حركة حماس، وقد بدا واضحا صدمة د.الحية من ما بدى "كتوجيهات" من العمادي له، وقد رد عليه بطريقه جافة عكست انزعاجه: "ماشي..ماشي..مع السلامة".

بين الحاكم المدني والحاكم العسكري

بعض التحليلات ترى أن العمادي يتصرف باعتباره "الحاكم المدني" لغزة، ذلك أن كل تحركاته ومهامه ومشاريعه تأتي بتنسيق كامل مع "الحاكم العسكري" لغزة، أي سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بل إن الخوض في السياق والمضامين والآثار السياسية والاقتصادية المترتبة على التدخلات القطرية في قطاع غزة تدعم التقديرات، بأن قطر ليست بمنأى عن الترتيبات التي يتم تداولها بخصوص "صفقة القرن"، وجوهرها "دولنة" غزة.

معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى نشر عبر موقعه الالكتروني باللغة العربية، في قسم تحليل السياسات، في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، مقالا لمدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في المعهد، سايمون هندرسون، بعنوان "المهندس القطري الذي يبني حياةً جديدة لسكان غزة"!

يستعرض هندرسون في مقاله بعضًا من حديث دار مع العمادي خلال لقاء استمر ساعة واحدة جمعهما في مكتب الأخير بالدوحة، أواخر شهر أكتوبر الماضي، إذ تحدث العمادي حول مشاريع إعمار غزة، وعلاقته بحماس وبالإسرائيليين، وإقامته في تل أبيب و القدس وهرتسيليا، واجتماعاته مع مسئوليين أمريكيين ذوي صلة مباشرة بترتيبات "صفقة القرن".

العنوان الذي كتبه هندرسون يحمل دلالات وإشارات عديدة؛ فمن الواضح أنه ومعهده يشعرون بفخر كبير بالعمادي ومهمته في غزة، ذلك أن العمادي وفقا لمعهد واشنطن يقوم "ببناء" حياة جديدة "للغزيين"!

لهم مقاولهم ولنا شعبنا ومقاومته

لم يكن متوقعًا من السيد الأمريكي –هندرسون- ومعهده، أن يكتبوا عن شعورهم بالإثم جراء عدوان إسرائيل على الفلسطينيين، ولا خزيهم من دعم بلادهم لهذا الاحتلال..! بل يمكن للسيد هندرسون ولكل ساسة أمريكا ومعاهدها ومراكز التفكير وصنع السياسات فيها، أن يشعروا بالرضى والفخر والإعجاب بالعمادي وقطر وغيرها من أنظمة التبعية وممالك التطبيع والعار. فلهم "مقاولهم وفخرهم"، ولنا نحن مقاومة وشَرَف.

فما يهمنا نحن الفلسطينيون هو خزان الثورة والغضب في صدور أبناء المخيمات وفقراءها من الرجال والنساء، الذين يتوارثون عذابات اللجوء وقهر الاحتلال. إن من رجموا المقاول "العمادي" بالحجارة والنِعال منذ أيام، وفي فترات سابقة، هم من سيحمون قضيتهم من أي محاولات للطمس والتذويب تحت غطاء مشاريع إنسانية أو اتفاقيات تسوية تنتقص من حقوقهم.

يكتب هندرسون عن العمادي في مقالته: "اعتاد أن يسافر كلّ شهرين أو ثلاثة أشهر إلى العاصمة الأردنية عمّان، حيث يركب سيارة متجهة إلى إسرائيل، وينزل في فنادق مختلفة في غزة أو تل أبيب أو هرتسليا أو القدس. ويقول إن فندق (والدورف أستوريا) في القدس (هو الأفضل)، وأن المنسق السابق لأعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، (الجنرال مردخاي)، هو من أصدقائه القدامى. ويضيف هندرسون: "يتحدث العمادي عن الثقة التي عمل على بنائها مع المسؤولين الإسرائيليين فضلاً عن تلك التي يحظى بها من جانب الفلسطينيين الذين يشاركونه آراءهم بكل صراحة". ويذكر أيضا: "تفادى العمادي ذكر أي تعليقات سلبية عن إسرائيل أو عن السياسيين الإسرائيليين"! لكن في المقابل، واضح أن العمادي وجد ما يقوله للسيد هندرسون عن حركة حماس التي تسيطر على غزة. اذ قال: "«حماس» لا تحظى بشعبية كبيرة إذ إنها لا تفعل شيئاً لمصلحة الشعب، وهناك 35 في المائة من السكان فقط الذين يدعمون "حماس" بينما يدعم 35 في المائة آخرون حركة "فتح".

إذن، يبدو أن المقاول "العمادي" لم يبصر خلال جولاته وتنقلاته لسنوات بين غزة ورام الله والقدس وتل أبيب شيئا ليقوله عن العدوان الإسرائيلي المتواصل على شعبنا العربي الفلسطيني، ولا عن الحكومة الصهيونية الحاكمة في تل أبيب! كما لنا أن نتخيل كيف استرسل "العمادي" في الحديث للسيد هندرسون واصفًا إعجابه بتل أبيب وفندقه المفضل "والدورف أستوريا" في القدس، و صديقه "مردخاي" وسر بناء الثقة مع المسؤولين الإسرائيليين؟! كذلك يتضح أن "العمادي" تناول حركة حماس بطريقة تعكس انكارًا لمبرر وجودها كحركة مقاومة تقاتل الاحتلال الاسرائيلي، كما تعكس استخفافا بأدائها..!

المقاول.. وصفقة العصر

كشف "العمادي" للخبير هندرسون أنه اجتمع في منزله مع مستشار الرئيس الأميركي جاريد كوشنير والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط جيسون جرينبلات، وبهذا الشأن يقر العمادي بأنه "طرح فكرةً معيّنة" على كوشنير ذات صلة بموضوع "وقف إطلاق النار" في غزة. ووفقا للمقال، فإن العمادي رفض الإفصاح عن ماهية تلك الفكرة التي طرحها، حيث ذكر الكاتب: "ابتسم ولكنه رفض أن يجيب على هذا السؤال"!.

وفي ختام مقالته، علَّق هندرسون بالقول: "ومهما كان الأمر، فلا شكّ في أنّ سكان غزة والمنطقة بأكملها بأمس الحاجة إلى [كل ما يتم اقتراحه]".

إن ما سبق ذكره، يعني-فيما يعنيه- أن العمادي يتجاوز دوره كمقاول يشرف على مشاريع تمولها بلاده في مجال إعمار غزة وتقديم مساعدات إنسانية، وأنه عنصر محوري في فريق التخطيط والتنفيذ "لصفقة العصر"، وقد بات هذا التقدير مدعومًا بعدة حقائق تتعلق بدور قطر عمومًا ومقاولها العمادي خصوصا.

 النظام الرجعي العربي ودور قطر الوظيفي

وكانت صحيفة "معاريف" العبرية، قد ذكرت، في وقت سابق، أن العمادي التقى سرًا بوزير الحرب الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، في 22 من شهر يونيو/حزيران الماضي، في مطار قبرصي، على هامش لقاء جمع ليبرمان بنظيريه القبرصي واليوناني.

إذن التدقيق في ما أورده معهد واشنطن، من كلام للعمادي، يقدم إجابات ويحسم شكوك حول دور قطر الوظيفي، باعتبارها جزءاً من النظام العربي الرجعي التابع للمركز الإمبريالي، ويدور في فلك مشروعه ومخططه الهادف إلى الإجهاز على القضية الفلسطينية، بهدف شطب وتصفية حقوقها الوطنية والتاريخية، وضرب وحدة ووجود شعبها.

قوانا ومؤسساتنا الوطنية.. الدرع والسيف معاً

وختاما نقول، إن كل أوهام ومحاولات شطب وتصفية قضيتنا الوطنية التحررية باختلاق مزيد من العذابات الإنسانية ومحاولة تقديم "حلول" إنعاشية/إغاثية، سواء من خلال المقاول العمادي أو مؤسسات أممية أو إقليمية تدور في فلك المشروع الأمريكي - الصهيوني، لن تجد صدى لدى شعبنا الحر العزيز الكريم المقاوم، الذي رغم بؤس وضيق واقع الحال، كان رده على صاحب قول: "نبغي هدوء"، بالحجارة والأحذية، وهتاف: "روح روّح يا عميل"، كما كانت مقاومته مصدر فخر واعتزاز لنا في تصديها للعدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة، وتحقيق الإنجازات التي شهد لها فيها ميدان المواجهة، ونتائجها وانعكاسها على الداخل الصهيوني، وهذا ما يجب أن نطوره ونبني عليه، من خلال ارتقاء فصائل وقوى ومؤسسات شعبنا الوطنية إلى مستوى تحمل مسؤوليتها التاريخية والمصيرية، فهي الدرع والسيف معاً.