ما إن تُقرر التوجّه إلى عمارة اليازجي، وسط مدينة غزة، التي سوّتها الطائرات الحربية الصهيونية بالأرض، حتى تعلقَ في زحمة السير قبل عشرات الأمتار منها، فرُكامها لا يزال يشغل حيّزًا من الشارع، ويُعيق الحركة أيضًا المارةُ الذين تُوقفهم قساوة المشهد، فتراهم مشدوهين مصدومين من هول المنظر.
تقترب أكثر من المبنى، فتشتمّ رائحة الدمار، بل تراها، أكوامٌ من الحجارة، ترتفع عدّة أمتار عن الأرض، أسقف فتّتتها طائرات (F16)، آثارٌ وبقايا لأثاثٍ كانت تحويه الشقق السكنية، والمحال التجارية، التي لم يعُد لها وجودٌ الآن، تتخيّل لو أنّكَ أنتَ من كنتَ تقطن هُنا، فلا يُسعفَك خيالكَ عن تكوينِ مشهدٍ لما سيكون عليه الحال وقتها!
أبو هريرة اليازجي، كان يُعاين منزله الذي تضرر بشكل بالغ، بسبب ملاصقته للمبنى الذي قصفته طائرات الاحتلال، فجر الثلاثاء 13 نوفمبر 2018، وذلك بعد أنّ ظنّ أن منزله كلّه (راح) إذ تُوجد عمارتان بنفس الاسم (اليازجي) مُتلاصقتان، ولم يتأكّد سكان المنطقة من المبنى المستهدف إلّا بعد تدميره.
بصوتٍ مخنوق مرهق، يصف أبو هريرة ما حدث، يقول "هاتفهني شخص قال إن اسمه داني، من جيش الدفاع الإسرائيلي، طلب مني إخلاء العمارة من السكان كافة، وعلى الفور، قبل قصفها بصواريخ الطائرات من دون طيار، وبعدها صواريخ الطائرات الحربية".
انطلق مسرعًا يطرق الأبواب، ويُعلم أشقاءه الذين يقطنون العمارة نفسها، ودقات قلبه تتسارع مع كل خطوة، لا زال غير مُدركٍ لما يحدث، قال لبوابة الهدف "شو بدي ألحق أعمل في أقل من 5 دقائق، مكانش في بالي غير إنّي لازم أأمّن زوجتي وأطفالي".
حمل طفلته ذات الثلاثة أعوام، وحملت زوجته طفلهما الآخر وعمره عام، وأثناء نزولهم على سلالم المبنى، قصفه الاحتلال بصاروخ من الطائرات بدون طيار، المُتعارف عليه باسم "الصاروخ التحذيري"، حينها صار المشهد هستيريّا. يقول أبو هريرة "صرخات الأطفال والنساء لا زالت تُدوي في أذنيه".
خرج الأهالي من العمارتين، يصرخون ويحاولون صمّ آذانهم من شدّة أصوت الصواريخ؛ ابتعد السكان بحسرةٍ ورعبٍ يُمزّقان قلوبهم، وأنظارهم تُحاول خطف نظرة وداع أخيرة لبيوتهم. وافترق أبو هريرة عن زوجته، ولم يعرف كلٌ منهما مكان الآخر، لوقتٍ من الزمن.
بعد 5 دقائق من تسوية العمارة بالأرض، ذهبَ لتفقّد منزله، واكتشف حينها أن العمارة التي تم قصفها بالكامل هي عمارة عمّه المُجاورة، وليست العمارة التي يقطنها، والتي رغم ذلك، إلّا أنّها تضررت بشكل كبير.
يقول "كنت أوبّخ أطفالي إذا خربش أحدهم على حائط البيت، فما بالك حين يسقط الحائط كلّه!". ويُتابع "زوجتي لا تستطيع الاقتراب من العمارة، حتى اللحظة، تقول إنّه لا يُمكنها تحمل رؤية كل هذا الدمار.
اللحظات القاتلة ذاتها، عايشتها العشرينيِة دعاء بلليش، التي كانت تسمع صوت القصف الصهيوني، في تلك الليلة، وهي تحتضن طفلها الصغير تارةً، وتتحسّس جنينها تارةً أخرى، آملةً عدم حدوث أيّ مكروهٍ لهما، لم تكُن تعلم أنّ منزلها سيتحوّل لركامٍ بعد دقائق.
صوت القصف "الإسرائيلي" أعاد لذاكرتها مشاهد الحرب في بلدها سورية، ومعها بكاء الأطفال وصور الدم والقتل، وهو ما كان يُفاقم خوفها على طفليها وزوجها.
غادرت دعاء بلدها إلى ماليزيا قبل سنواتٍ لاستكمال دراستها، ثم تزوجت شادي اليازجي الذي تعرّفت عليه هناك بينما كان في مهمة عمل، وبعد قرابة 7 شهور عادا، واستقرّت مع زوجها في قطاع غزة بالعام 2016.

قالت دعاء بعد تنهيدة تملؤها الحسرة "يا فرحة ما تمّت"، وتحدّثت لبوابة الهدف عمّا أصاب عائلتها، في تلك الليلة، وبنبرةٍ يخنقها الألم، تستذكر تلك اللحظات وتقول إنّها انتقلت للعيش في هذا منزلها –الذي قصفه الاحتلال- قبل شهرٍ ونصف الشهر فقط، بعد سنواتٍ من التعب من أجل بنائه وتجهيزه.
زوجها شادي اليازجي (27 عامًا)، الذي لم يخسر منزله فقط، بل ومشروعه الخاص الذي يُعد مصدر رزقه الوحيد، وهو "مركز سمارت الدولي للّغات والتدريب"، الذي افتتحه قبل 10 أيامٍ فقط من قصفه، واستغرق وقتًا طويلًا لبنائه على مساحة 500 متر، وكذلك مبلغًا ماليًا باهظًا.
قال شادي لبوابة الهدف "كل ما نملك وضعناه في هذه العمارة، كل ورقة مهمة جلبناها وحفظناها في المنزل، ظنًا منّا أنه المكان الأكثر أمانًا لدينا، ضاعت، سيّما تلك الخاصة بزوجتي كونها سورية، لم نتخيل أن تأتي هذه اللحظة ونخسر كل شيء".
لم يأخذ الموضوع على محمل الجدّ عندما تم إبلاغه بقرار الاحتلال قصف العمارة التي يسكنها، خاصّة وأنه "لم يكن هناك أي موقع أو مكتب لأي من الفصائل الفلسطينية داخل العمارة، لا يقطنها سوى سكان مدنيين" حسب قوله.
وصعّد الاحتلال من عدوانه في قطاع غزة، ليل الأحد 11 نوفمبر 2018، بعد تنفيذ عملية اغتيال طالت أحد قادة المقاومة ومُرافقه، على يدّ قوة صهيونية خاصة تسللت لعمق محافظة خانيونس، تلاه قصف من الطيران الحربي للتغطية على انسحاب القوة بعدما تمّ كشفها، ما أدى لاستشهاد 5 فلسطينيين آخرين. واستمر التصعيد الصهيوني حتى عصر الثلاثاء 13 نوفمبر، وتوقف القصف باتفاق غير معلن لوقف إطلاق النار. مخلفًا 14 شهيدًا. كما أسفر عن تدمير 80 وحدة سكنية بشكل كلّي، ونحو 800 وحدة بشكل جزئي. بحسب وزارة الأشغال عامة والإسكان بغزة.

