انتشرَ منتصف هذا الشهر خبرٌ يُفيد ببيع إحدى محطات الوقود في قطاع غزة أسطوانة غاز الطهي مقابل 51 شيكلًا بدلَ 64 شيكلًا. الخبرُ، الذي كان صحيحًا بالفعل، تلقفه المواطنون واصطفّوا على إثره في طوابيرَ طويلةٍ أمام المحطة المُعلِنة، التي لم تكشف السبب وراء ذلك، ولم يُجب موظفوها على اتصالات "بوابة الهدف"، وهو ما أبقى الأمرَ مُبهمًا إلى أنّ أصدرت الإدارة العامة للبترول، التابعة لوزارة المالية بغزة قرارًا يُـفيد بتعويم سعر أسطوانة الغاز، نصّ على أن لا يتجاوز سعرُها 64 شيكلًا "ضمانًا لحماية المستهلك".
في البداية، اعترض أصحابُ محطات الوقود على تخفيض الشركة لسعر أسطوانة الغاز، ونشروا بيانًا أكدوا فيه قرار الإدارة العامة للبترول عدم تجاوز سعر البيع الذي حددته، بدون أن يذكر أيّ من البيانيْن أيَّ تفاصيل عن الحد الأعلى أو الأدنى لبيع الأسطوانة ذات سعة 12 كيلو، التي كانت موضعَ الخلاف.
نائب المدير العام للإدارة العامة للبترول، يحيى العطار، قالَ لبوابة الهدف "إن محطات توزيع الوقود في غزة تشتري أسطوانة الغاز من السلطة الفلسطينية مقابل 51 شيكلًا، وتربح عن كل أسطوانة نحو 8 شواكل، فيما يكون مربح المُوزِّع 5 شواكل، حتى تصل الأسطوانة للمواطن مقابل 64 شيكلًا. وتدفع المحطات ضريبةَ الدخل والقيمة المضافة على مربحها– الثمانية شواكل- لوزارة المالية في قطاع غزة، وهي ضريبة تختلف عن تلكَ التي تفرضها السلطة على كل أسطوانة قبلَ دخولها القطاع".
العطار أكدَ أن "دخول كميات غاز جيّدة عن طريق مصر منذ أغسطس الماضي جعلَ إدارتَه تتخلى عن برنامج الطوارئ، الذي تعمل به منذ العام 2012، وتوزع بموجبه الوقودَ الواصل إلى غزة من السلطة على مبدأ الحصص المتفق عليها للمحطات، والتي تبيعه الأخيرة بالحد الأعلى من السعر، لقلّة توافره وحاجة المواطنين إليه، أمّا الآن وبعدَ دخول كمياتٍ جيّدة منه باتَ بيعه للمحطة وشراؤه منها يعتمد على مبدأ العرض والطلب".
الإدارة العامة للبترول أبلغت محطات توزيع الوقود قرارها بشأن تعويم سعر غاز الطهي منذ استقرار دخوله بشكل جيد من الجانب المصري. وعليه بدأ بعض المحطات بتخفيض هامش ربحها لكسب مزيد من الزبائن وبيع كميات أكبر من الغاز، بحسب العطار، الذي قال "نشرنا قرار التعويم على وسائل الإعلام لتوضيح الأمر، ومنع الالتباس على المواطنين إثر بيع المحطات للأسطوانة بسعر أقل".
لم يكن اعتراضُ المواطنين على فكرة تعويم سعر غاز الطهي وحده ما ظهرَ على السطح، إذ قابله اعتراضٌ من أصحاب محطات الوقود كذلك. إذ قال رئيس جمعية أصحاب محطات الوقود محمود الشوا لبوابة الهدف "إن السلطة الفلسطينية هي من تحدد سعر أسطوانة الغاز، وهم كمشترين لها هامشُ ربحهم قليلٌ جداً مقابل ما تجنيه الأولى من ضرائب، وإنّهم باتوا بعدَ قرار التعويم مجبرينَ على تخفيض نسبة الربح التي تشمل ضريبتيْ القيمة المضافة والدخل اللتان تفرضهما السلطات في غزة، وأجرة العمال في المحطات.
وتابع الشوّا "في الضفة الغربية تباع أسطوانة الغاز بسعر 64 شيكلًا في محطة التوزيع، في حين نوصلها للمواطنين كمحطات وقود بذات السعر، وأظن أن اللّعب على ربحنا سيتسبب بخسائر كبيرة".
ما يلفت في كلام العطار والشوا، هو إقرارهما بالضرائب التي تفرضها السلطة الفلسطينية على سعر أسطوانة الغاز، وهي ضريبةٌ قالَ الخبير الاقتصادي، سمير الدقران، إنها "تصل إلى 17%، وفي حدّها الأدنى لا تتجاوز 15%، أي أن أسطوانة الغاز ذات سعة 12 كيلو، التي تبيعها السلطة الفلسطينية لمحطات الوقود بسعر 51 شيقلًا، ثمنُها الحقيقي 3 شواكل تقريباً!.
"تشتري السلطة الفلسطينية طن الغاز مقابل 300 شيكل تقريباً، وكل طن يملأ 83 أسطوانة، أي بسعر حقيقي 3 شواكل أو تزيد قليلاً. وتفرض السلطة ضريبة قيمة مضافة عليه تصل إلى 17% -في حدها الأدنى 15%- انصياعاً لاتفاقية باريس التي تفرض عليها التماشي مع سعر الاحتلال، وتشتريها محطات الوقود بسعر 50 أو 51 شيكلًا. وتباع للمواطنين بأسعار تنافسية تصل إلى 64 شيكلًا في غزة، و75 شيكلًا تقريبًا في الضفة الغربية".
المواطن الفلسطيني في الضفة وغزة مرهونٌ للاحتلال الصهيوني بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية، التي جعلت من الوقود- بما فيه غاز الطهي- مصدرَ الإيرادات الأكثرَ دخلاً لميزانيته. وفي الوقت الذي يخلِق التعويمُ في غزة حربًا تنافسية في قطاع الوقود، هي في الواقع "على شواكل"، يخسر المواطنون والمشترون في القطاع 17 أضعافها.

