Menu

غسان أبو حطب يكتب للهدف: تأملات تنموية للانتفاضة الأولى في سياق المسار التنموي الفلسطيني

غسان أبو حطب

مقدمة في التنمية والاقتصاد السياسي:

لم يعد تعريف الاقتصاد السياسي كنظرية للمجتمع المدني كما رآها آدم سميث بمعزل عن المجتمع السياسي كافياً، وذلك بسبب دخول الاجتماعي على الاقتصادي والسياسي، أي يجب قراءة الاقتصاد بعلاقته بالسياسة وتأثيره وتأثره بالواقع الاجتماعي عبر المسألة الأكثر حضوراً في هذا العصر، أي التنمية، وعليه يصبح الاقتصاد السياسي معنياً أكثر بموضوعة التنمية ومصالح وصراع الطبقات.

فالاقتصاد كي يكون اقتصاداً بالمعنى العلمي يتطلب المجتمع، والمجتمع يتطلب التنمية، والتنمية تتطلب سياسات واستراتيجيات تنموية، كما أن التنمية تعطي الاقتصاد بجوهره الإنتاجي بعده الاجتماعي.

العمل والإنتاج الاجتماعيين:

إن الأصل في عمل الإنسان الفرد هو اجتماعي أي تعاوني بغض النظر عن وعي الإنسان لذلك، ومع تقدم البشرية وهيمنة الملكية الخاصة بدأ العمل الاجتماعي بالخضوع للمضمون السلعي للقيمة التبادلية وهنا ينتقل العمل من الفردي إلى الجماعي، لكن مضمونه الاجتماعي يتوارى نظراً لخضوعه لقوانين التبادل ومعه تراجع العمل التعاوني ، لكنه لم يمت.

لا يعود العمل اجتماعياً إلا بعد دخول المجتمعات مرحلة تعاون جذري، ومن هنا إقترن العمل التعاوني بالتنمية.

التنمية في الأسيقة المستَّعمرة:

التنمية في حالتنا الفلسطينية هي مشروع إنساني ديمقراطي تحرري يشتبك بالضرورة مع هياكل السيطرة والاضطهاد الاستعمارية، وهي عملية كفاحية متواصلة وتراكمية تسعى إلى تغيير الواقع، وليس شرطاً أن تبدأ على نطاق كلي ودفعة واحدة .

إن لجنة شعبية من اللجان المحيطة بالقيادة الوطنية الموحدة إبان الانتفاضة الأولى مثلت نواة لمشروع تعاوني / تنموي لأنها انخرطت بالعمل والتشارك مع الناس وجسدت نموذجاً مثالياً في السلوك والتضحية والعلاقات الحميمة .

إن التعاونيات في حالة الاستعمار الاستيطاني تكون بالضرورة جزءاً من حركة مقاومة تهدف إلحاق الهزيمة والاقتلاع المضاد للمستعمِر.

الحركة التعاونية الحديثة بدأت في أوروبا في بداية القرن التاسع عشر، وخاصة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، فالثورة الصناعية هددت سبل العيش للعديد من العمال والحرفيين والمستهلكين الفقراء، وحطمت الروابط الحرفية فى المدن، والروابط الولائية بين الأقنان وأسيادهم من الاقطاعيين فى الاقطاعيات، لتنشأ البروليتاريا الحديثة من الحرفيين المفلسين والأقنان الهاربين من الاقطاعيات للمدن، ولأن أوروبا ما قبل الثورة الصناعية عرفت التعاون فى صوره البدائية والبسيطة شأن كل قارات العالم، إلا أن بزوغ الثورة الصناعية فى القرن الثامن عشر بها كأحد نتائج الحداثة التى بدأت بعصر النهضة فى القرن الخامس عشر، والتى شكلت قطيعة مع العصور الوسطى، جعل أوروبا الموطن الأول للتعاونيات الحديثة فى سياق الثورة الصناعية، وكرد فعل لآثارها المريرة على من سحقتهم الصناعة الآلية، والتى حولت الأقنان عبيد الأرض، لكتل من عبيد العمل المأجور البؤساء ولذلك فإن تاريخ الحركة التعاونية يتعلق بأصول وتاريخ التعاونيات الحديثة، لا التعاون كظاهرة اجتماعية. على الرغم من أن الترتيبات التعاونية، مثل التأمين المتبادل، ومبادئ التعاون وجدت قبل فترة طويلة.لقد كان للنظريات الاشتراكية التعاونية الإصلاحية أثر كبير في نجاح التجربة التعاونية وانتشارها في بقاع العالم المختلفة ، منذ مجهودات شارل فورييه من عام 1772 حتى 1835، والشركات ، ومروراً بمساهمات لويس بلان من 1811 حتى 1882، وفرديناند لاسال من عام 1825 حتى 1864، والمدرسة الألمانية من عام 1847 حتى 1919،وصولاً الي نظريات "ميلر" التعاونية.

وقد عمل المستعمِر على مطاردة وتدمير الأنوية التعاونية التي جسدتها تجربة الانتفاضة الأولى ؛

فأثناء الانتفاضة الفلسطينيَّة الأولى عام 1987، دعا القادة الفلسطينيّون المجتمعَ المحليّ لإيجاد بدائل عن المنتجات الإسرائيليَّة، فقامت مجموعة من الناشطين الفلسطينيّين بإنشاء مزرعة لإنتاج الحليب والأجبان والألبان بثمانية عشر رأسًا من الأبقار، وما إنْ ينجح حليبُ الانتفاضة، حتّى يأمر الجيش الإسرائيليّ بإغلاق المزرعة معلنًا الأبقارَ خطرًا على الأمن القوميّ. يواظب الناشطون على العمل، مخبئين الأبقار ويستمرون في إنتاج الحليب الفلسطينيّ. هذه قصة المطاردة التي يخوضها أقوى جيش في الشرق الأوسط ضدّ 18 بقرة.

لقد عملت قيادة الإنتفاضة على تنظيم الفعاليات الانتفاضية من خلال تشكيلها للجان الشعبية متنوعة المهام والمستويات ، لتشكل في حينه بنى مقاومة لبنى المستعمِر ، وتعمل على تعميق وتوسيع حالة الاشتباك مع بنى المستعمِر بكافة المجالات (بالمقلاع والحجر، وبيانات القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة ، وردع العملاء، والإضراب، ومقاطعة المنتوجات المستعمرة،والتعليم،والصحة، والإعلام،والتعاونيات النسوية...الخ) لإلحاق الهزيمة بها، فقد تنوعت تلك اللجان من اللجان الزراعية إلى الصحية ،التعليمية، الحماية الشعبية ، ....الخ) حيث غدت تغطي كافة فضاءات المجتمع ، وقد حكم عملها مجموعة من المبادئ التي تعزز الطوعية ، والسرية، والإيثار، والتضحية والبذل والعطاء بحيث مثلت لاحقاً منظومة قيمية وأخلاقية راسخة ميزت الفاعلين في الحقل الانتفاضي آنذاك

المسار الإنتفاضي التنموي: التعليم،الاقتصاد، المجتمع

مما لا شك فيه أن الانتفاضة الأولى حملت معها منظومة من القيم التعاونية ذات الأبعاد التنموية في مجالات عدة أبرزها:

التعليم الشعبي : حيث قام المستعمِر بإغلاق المؤسسات التعليمية كافة في الضفة والقطاع لأن المؤسسات التعليمية آنذاك شكلت حواضن حقيقية للفعل الانتفاضي، وجسدت أروع مظاهر التلاحم والوحدة بين مختلف مكونات وأطياف وألوان المجتمع الفلسطيني فكراً وممارسةً . وقد عملت قيادة الانتفاضة الأولى على إرساء مفهوم التعليم الشعبي كأداة من أدوات النضال الوطني وكبديل لسياسات وممارسات المستعمِر ، وقد اعتمدت على المعلمين والخريجيين والمدارس والمساجد والأندية الرياضية كبديل للغرف الصفية المغلقة بأوامر المستعمِر، كما شن حملات اعتقال مسعورة طالت قيادات وكوادر طلابية، وأعضاء هيئات تدريس من أجل التصدي لتعبيرات فلسفة التعليم الشعبي بمختلف أشكالها ومستوياتها .

التنمية بالحماية الشعبية: لقد حاولت الانتفاضة الأولى إعمال مبدأ فك الارتباط الاقتصادي مع المستعمِر كأحد أدوات التحرر ، والانعتاق من التبعية للمستعمِر ، وفي سبيل ذلك شجعت مفهوم دعم الاقتصاد الشعبي من خلال الحماية الشعبية والتي تتطلب تجسيد فكرة التعاونيات الشعبية الغذائية والزراعية ، وتشكيل لجان شعبية لحماية الأرض من هجمات المستوطنين ، كما شجعت فكرة مزرعة الأسرة القائمة على تحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي وهي أساس فلسفة السيادة على الغذاء ، أي كل أسرة تنتج جماعياً ما تحتاجه من أغذية ، وهذه الأفكار ضمن بنية اجتماعية تتكون من الأسر الممتدة آنذاك كانت مناسبة جداً وتنسجم مع طبيعة البنية والتحولات الاجتماعية .

كما عملت قيادة الانتفاضة على تفعيل نداءات مقاطعة المنتجات الاستعمارية ، ومقاطعة العمل باسواق المستوطنات وبأسواق المستعمِر كافة .

وكذلك، أدركت قيادة الانتفاضة حينها ضرورة عدم الدخول بمستنقع المعونات الإنسانية كي لا تستخدم كوسيلة للمساومة والابتزاز والتنازل عن الحقوق الوطنية ، فقبلت فقط المساعدات من الحلفاء في حركات التحرر العالمية .

المنعة المجتمعية: فقد مثَّل المجتمع الفلسطيني بحق مجتمع التكافل والتضامن ، وقد أخذت تمظهرات التضامن والتكافل مستويات وأشكالاً متعددة ومتنوعة في شتى مجالات الحياة ، في التصدي لممارسات المستعمِر؛ أثناء مباشرته لمصادرة الأراضي أو الاعتقال أو قتل الفلسطينيين أثناء التظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية .

كما تجسدت في التعاون بعمارة الأرض وزراعتها وحمايتها ، وكذلك حماية مؤسسات المجتمع الفلسطيني من التغول الاستعماري ، وأسطع مثال هنا التذكير بأنه أثناء فرض حظر التجوال على المواطنين الفلسطينيين في مخيم ما، كانت تهب جموع قاطني المدينة لمد يد العون لإخوانهم بالمخيم المحاصر بمنع التجوال ، ويخاطرون بحياتهم ، ويحملون الأغذية على رؤوسهم ليلاً لا سيما النساء الفلسطينيات ويدخلونها للمخيم ، كما تجسدت أروع أشكال التكافل في جمع التبرعات لدفع غرامات وكفالات للمعتقلين في سجون الاستعمار الصهيوني الكولونيالي، ومن خلال تقديم التعليم المجاني لمحتاجيه أيضاً.

تعاونيات المرأة في الانتفاضة الأولى:

إن المحاولات التعاونية بشكل عملي وإنتاجي ومنهجي ترافقت مع الانتفاضة الأولى ، وكانت تلتحف مضامين التنمية بالحماية الشعبية، وبما أن الانتفاضة هي عملية حراك شعبي فقد وفرت مناخاً فريداً للمرأة الفلسطينية في العمل التعاوني إلى جانب دورها المميز في الأعمال الانتفاضية الأخرى.

إن النضال الوطني المشترك هو الحاضنة الطبيعية لدرجة أرقى من تحرر المرأة، وقد شكلت الانتفاضة الأولى فسحة ديمقراطية رغم وجود الاحتلال، هذا المناخ المُنتزع لا الممنوح، أعطى دفعة للعمل التعاوني/ التنموي ، وكان للمرأة دوراً مميزاً به.

تجربة العصيان المدني بيت ساحور نموذجاً:

 

لقد طورت الانتفاضة الأولى من ميكانيزمات تصديها للمستعمِر عبر تبني فلسفة العصيان المدني، ومحاولة فك كافة أشكال الارتباط مع المستعمِر ، من خلال رفض دفع الضرائب له، وفك التبعية الاقتصادية بمحاولة إنشاء مزارع أبقار واغنام ودواجن (ومزرعة ال18 بقرة التي هددت الأمن القومي للمحتل التي سبق الحديث عنها، أنشئت في بيت ساحور) كما قام أهل بيت ساحور برمي بطاقات الهوية الشخصية بوجه مسؤول الإدارة المدنية الإسرائيلية، وقاموا بعمليات احتجاج نوعية وغير مسبوقة مما أربك حسابات المستعمِر وأعوانه .

الانتفاضة تُرسي منظورها التنموي التحرري:

مما لا شك فيه أن الانتفاضة الأولى أرست منظورها التنموي المقاوم والمعتمد على الناس وإرادتهم الحرة في صناعة مستقبلهم ومستقبل أبنائهم ، بعيداً عن هيمنة هياكل الاضطهاد بل تحدياً لها ، وبعيداً عن قنوات ووسائط المعونات المسمومة والتي تعمل جاهدة على ترسيخ بنى القهر والاضطهاد وإدامة بنى المستعمِر ، من خلال تحالفها القذر مع الأليات والبنى الكولونيالية للمستعمِر ، وشروعها في إعادة تصميم ديناميات الهندسة الاجتماعية للمجتمع الفلسطيني المقاوم بحيث تضمن احتجاز تطوره لضمان ديمومتها .

لقد جاءت الانتفاضات المتعاقبة والهبات المتتالية والحراكات الجماهيرية (مسيرات العودة) لتؤكد للجميع أن الجماهير الشعبية تدرك تماماً تجاه البوصلة رغم محاولات حرف البوصلة عن تجاهاتها الوطنية الجمعية باتجاهات مناطقية /حزبية/ شخصية /هوياتية فرعية، لامتصاص طاقة الجماهير وهدرها في معارك ثانوية /داخلية ، مما بات يستوجب العمل الجاد على إعادة بناء النظام السياسي برمته فكرا وممارسة بحيث يستجيب لتطلعات الجماهير في التحرر والانعتاق . وهذا يتطلب بالضرورة نظم عقد اجتماعي / وطني جديد بين القواعد الجماهيرية ونخبها التمثيلية والتي تتسم بالصلابة الوطنية ، والروح الثورية المقاومة، وتتمتع بحضور وثقة شعبيين ، وذلك لسد الفجوة القائمة حالياً بين "قيادات" جل اهتمامها تحقيق مصالحها الخاصة على حساب المصالح المشروعة للجماهير الشعبية، صاحبة المصلحة الأولى في التحرر والانعتاق وتحقيق مشروعها الوطني التنموي المقاوم.

* مدير مركز دراسات التنمية في جامعة بيرزيت/ قطاع غزة