لم تترك الأزمة التي تعصف ب غزة مجالاً حياتيّاً إلا وغرست أنيابها فيه بإحكام، فقد بات الوضع الاقتصادي السيئ يُلقي بظلاله على العلاقات الاجتماعية بين المواطنين، خاصةً في ظل الحديث عن نسب البطالة والفقر المتردّية في القطاع.
ومع قدوم شهر رمضان، يزداد حمل المسئولية الاجتماعية بصلة الرحم، وزيارة الأقارب، التي تُعدّ واحدة من سمات طقوس الشهر الفضيل، ولا تخلو تلك الزيارات من الهدايا، التي تعني التزامات ماليّة جديدة.
حالة من الإحباط و التذمر يعبّر عنها موظّفو القطاع المحاصر منذ 8 سنوات، جرّاء عجزهم عن الإيفاء بكافة مسئوليّاتهم والتزاماتهم تجاه أقاربهم وصلة رحمهم، وسط ظروف اقتصاديّة سيئة، خاصة إذا ما تم الحديث عن موظفي حكومة غزة الذين يتقاضون رواتبهم على أقل تقدير كل 50 يوماً، في ظل تجاهل الحكومات والمسؤولين، ومُناكفات لا تغنِ من جوع.
أبو يزن، أحد الموظفين العسكريين في حكومة غزة، أبدى استياءً شديداً، والسبب، وضعه الاقتصادي المتفاقم، حيث يُعيل 3 من أفراد أسرته، براتب لا يتجاوز 1100 شيكل شهرياً، من أصل 2700 شيكل هي راتبه الأساسي.
يقول أبو يزن في حديثه لمراسل "بوابة الهدف": اعتدتُّ في كل عام الذهاب لزيارة أقاربي في شهر رمضان، وخاصة أخواتي ورحمي المقربين، لكنني لا أملك الآن دفع أجرة طريق الزيارة، وهو أبسط شيء يمكن أن تكلفني إيّاه الزيارة.
يُكمل أبو يزن، بحرقةٍ أضاعت حروفه: هذا هو حالُنا .. فماذا نفعل؟.
ويُتابع: أتقاضى هذا المبلغ البسيط، والذي أدفع منه إيجار المنزل، بمعدل 500 شيكل، وباقي الراتب لا يكفيني لأسبوع، حياتنا جحيم.. و لا أحد ينظر لحالنا!.
حال الموظف سعيد، لم يكُ أفضل بكثيرٍ من حال أبو يزن، فأخبرنا أنّه يعاني من ضائقة مالية مستمرّة، حتى في الأيام التي تلي استلامه الراتب، فهو يضيع بين الديون و احتياجات المنزل. وعن عجزه زيارة أقاربه، يقول: من عادتي -كل الأيام و ليس فقط في رمضان، زيارة أرحامي ابتغاء وجه الله، وأصطحب خلال زيارتي هدايا، لكن هذه الأيام، أشعر بحرج شديد، فقد قلّصت دائرة الأقارب الذين يتوجّب عليّ زيارتهم، و فوق هذا لا أصطحب بيدي هدية أو ما شابه، فمن أي نلي ذلك، ووضعي الاقتصادي في الحضيض !
موظفٌ آخر، يُدعى "أبو السيّد" فضّل عدم زيارة أحد من أقاربه، تجنّباً للحرج من عدم جلب هدية لهم. كما فضّل عدم تلبية دعوة إخوته للزيارات الجماعية والعزائم الرمضانية.
بل ويقول: وصل حالي إلى مرحلة من الانطواء والعزلة عن الناس. واستدرك مُتسائلاً: إلى متى سيظل هذا هو حالنا ؟؟.. نريدُ حلّاً !
جديرٌ بالذكر أنّ شهر رمضان لم يتبقّ له سوى أسبوعين وينتهي، ليحلّ عيد الفطر السعيد، و هذا يعني إلتزامات أخرى جديدة ستُقل كاهل المواطنين أكثر فأكثر، في هذا القطاع البائس.
المحاضر في قسم الصحافة والإعلام بجامعة الأقصى في غزة، د. ماجد تربان، "عبر صفحته على فيسبوك"، قال: في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها أهالي غزة تأثرت العلاقات الاجتماعية سلباً، وانقطعت الزيارات الودية بين الأقارب والمعارف بسبب قلة الإمكانات المادية التي تحول دون قدرة الزائر على جلب هدية للمُضيف، مما جعل الجفاء هو السواد الأعظم في علاقاتنا. ولذلك، فكر قليلاً أيها الأخ، الابن، العم، والخال، أنت هديتي، ودخولك لبيتي يعد سعادة في حد ذاتها.
من جهته يرى أستاذ علم النفس الاجتماعي بذات الجامعة، د.فضل أبو هين، أن الظروف الاقتصادية السيئة جعلت المواطنين يتطلّعون للبحث عن الحاجات الأساسية والشخصية قبل البحث عن إشباع العلاقات الاجتماعية وتبادل الزيارات والهدايا.
وأوضح أن التدهور المعيشي يدفع بالمواطن الفلسطيني إلى الانكفاء على الذات والبحث عن المصالح الشخصية، ويجعله غير قادر على تنمية العلاقات الاجتماعية وهذا الأمر يتسبب بنسف النسيج الاجتماعي وجعل الأقرباء والجيران غرباء عن بعضهم.

