Menu

المزراحيين ضد قانون القومية: صراع آخر على غنائم الاحتلال

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

يعود الصراع الشرقي-الغربي للظهور في الكيان الصهيوني، هذه المرة ليس من مدن التطوير والصراع على الامتيازات وأحقية الفوز بالمغانم التي أنتجها الاحتلال واقتلاع الفلسطينيين، ولكن من سياق يبدو في شكله الظاهري متعاطفا مع الشعب الفلسطيني، وهو الاعتراض على قانون "الدولة القومية" بينما في جوهره استمرار للصراع على المغانم.

في خبر تجاهلته الصحف الأشكنازية والمركزية الصهيونية، قدم أكثر من 50 يهوديًا "إسرائيليًا" بارزًا من أصل مزراحي (شرقي وعربي) التماسًا إلى محكمة العدل العليا يوم الثلاثاء الفائت يطالبون فيه بإسقاط "قانون الدولة" كونه يميز عنصريا ضد كل من المواطنين الفلسطينيين واليهود الشرقيين.

ووفقاً للالتماس ، فإن القانون، الذي يقلل من قيمة اللغة العربية، من لغة رسمية إلى لغة ذات "وضع خاص" هو معاد لليهود من الدول العربية والإسلامية ولتاريخهم وثقافتهم، ويهين لغتهم الأم ويرسخ الانطباع بدونية اليهود العرب ويرسخ هوية الدولة على أنها معادية للعرب، كما جاء في الالتماس.

الالتماس المذكور كتبه وقدمه عضو الكنيست نيتا عمار-شيف وزعم الالتماس إن الدولة تدفع اليهود الشرقيين إلى الهامش عبر قانون لجان القبول بحجة عدم الملاءمة الاجتماعية.

في جوهر الالتماس، لانجد حديثا عن إنهاء الاحتلال وحقوق الفلسطينيين بل عن مكانة الشرقيين في الاحتلال، ولماذا وهم جزء لايتجزأ من تاريخ الاستيطان لايحوزون نفس المكاسب التي يحوزها الأشكناز، سواء اقتصاديا أو ثقافيا وهوياتيا وهو ما يركز عليه الالتماس.

ومن بين الموقعين ، المؤلف سامي ميخائيل، والبروفيسور يهودا شينهاف، والبروفيسور هينريت دهان كاليف، وجماعة الفهد الأسود، والناشط في مجال العدالة الاجتماعية روفين أبيرجيل ، وغيرهم.

ووفقا للعريضة، فإن جزءا من الاحتجاج هو استبعاد المزراحيين إلى حد كبير من صياغة القانون،على الرغم من حقيقة أنه سيؤثر على حق مجتمعهم في الحفاظ على تراثه، وأن تحيزه الصارخ المعادي للعرب قد يؤثر سلبًا على اليهود من الدول العربية.

تاريخ قمع الدولة الصهيونية للهوية العربية التي حملها معهم المهاجرون اليهود إلى فلسطين المحتلة تاريخ طويل، وهو جزء من تاريخ الصراع في الكيان الصهيوني، وطالما تحد هذا الشرخ كعامل مهدد استراتيجيا للكيان الصهيوني بعد قياد الدولة المحتلة.

وعبر برنامج بوتقة الصهر الشهير حاول الكيان غربلة ودمج الشرقيين في إطار الأشكنازية التي حافظت على تفوقها وسيطرتها على الكيان الصهيوني حتى الآن، و قبل أكثر من ستة عقود، قال أبا إيبان: "يجب أن يكون الهدف أن نغرس فيهم روحًا غربية، وعدم السماح لهم بجرنا إلى الشرق غير الطبيعي" وكان هذا التصريح مجرد قطر ة في بحر التاريخ العنصري في الكيان.

ووفقاً للبروفسور إليتزور بار آشر، وهو عالم لغوي وخبير في اللغة العبرية ، فإن الهدف من القانون ليس "تقوية اللغة العبرية [على حساب العربية] ، بل تقليل وخفض مستوى نظيرتها العربية".

وقال الدكتور موشيه بيهر أن اللغة العربية جزء لا يتجزأ من العالم الفكري اليهودي في الشرق الأوسط خلال الفترتين العثمانية والإنجليزية على التوالي، وفقا لبيهار ، فكر المثقفون اليهود في معرفة اللغة العربية كضرورة لجميع اليهود في المنطقة.

واعتبر نشطاء أن الالتماس المذكور يعد "حدثًا هامًا ، وربما حدثًا ثوريًا في الصراع المزراحي في إسرائيل." كون من وقع عليه نساء ورجال ، متدينين وعلمانيين وتفليديين، من يعرفون أنفسهم بأنهم صهاينة وغيرهم ممن لا يفعلون ذلك.

بالعودة إلى جوهر الالتماس، وما ورد فيه عن استثناء المزراحيين من صياغة قانون الدولة، فإن هذا يبدو متابعة صهيونية أشكنازية عادية لتاريخ إهمال الحركة الصهيونية للشرقيين واستبعادهم، والعمل على استخدامهم كوقود لعبرنة العمل والحرب والصراع الديمغرافي، إذ نعلم جيدا أن هذا الاستبعاد ليس جديدا، لأن الشرقيين كانوا في الأصل مستبعدين من خطة الحركة الصهيونية لحيازة فلسطين والاستيلاء عليها، ولم يأت قبولهم في إطار المشروع الاستيطاني الصهيوني إلا متأخرا، بل على العكس طالما حاولت الحركة الصهيونية الزعم بأن الشرقيين عليهم أن يكونوا ممتنين لما حصلوا عليه لأنه تم إنقاذهم على يد ذراع الحضارة الغربية من جحيم الشرق، كما دأبت الأدبيات الأشكينازية على القول، وهناك أدلة في الواقع تؤكد أن الحركة الصهيونية ليس فقط لم تلمح الشرقيين في خطابها، بل أن يهود أوروبا أنفسهم لم يكونوا منتبهين (إن لم نقل جاهلين) لوجود اليهود الشرقيين، حيث كان الأشكناز أغلبية، إذ بلغ عددهم عام 1900 حوالي 9.6 مليون شخص، من بين 10.5 مليون في العالم، وكان 5.2 مليون يعيشون في أوربا.

وفي الحقيقة إن تركيز الالتماس المذكور على مسألة اللغة العربية، ورفض تدني مستواها، باعتبارها اللغة الأم لهؤلاء الشرقيين إنما يفتح الباب أمام مناقشة تاريخ الاستبعاد والاحتقار الثقافي الذي حملته معها الأغلبية الأشكنازية من رواد الاستيطان ومؤسسي الدولة ضد الشرق بيهوده وعربه على حد سواء، وفي علاقة الحركة الصهيونية الأشكنازية مع الداخل اليهودي ظل الشرقي مجرد حالة فلكلورية، حالة أحفورية ترجع إلى عصور الظلام، وإدخالها إلى عصر الحداثة، المتمثل "بعصر" دولة إسرائيل ومرحلتها يتطلب (المعبراة)، وهي تلعب هنا دور المطهر في العقيدة المسيحية، وهي مرحلة انتقالية لا بد منها لإجبار القادم الجديد على مغادرة نسق ثقافي فكري روحي سابق، والدخول إلى آخر جديد. هنا تتدخل عدة آليات لإنجاز المهمة، بدءاً من الإجبار على مغادرة الذاكرة ونفيها، حيث لا تاريخ لليهودي الشرقي قبل القدوم، ولكي يندمج عليه أن ينسى ماضيه، وذاكرته تبدأ فقط من لحظة قدومه إلى (أرض الميعاد)، وهنا تتدخل أيديولوجيا التغييب المسلحة بسلطة الدولة الأشكنازية، حيث إن تغييب صورة هذا الشرقي شرط لتقديم صورة ناصعة لإسرائيل، ومن ضمن هذا محو اللغة والتراث الفولكلوري، وتدييش الشرقيين ثقافيه (من اليديشية) وإجبارهم على تبني أنماط ثقافية ولغة مختلفة لكي يتمكنوا من مقاربة الاندماج، وهو تاريخ طويل لامجال للتوسع فيه هنا.

إن تطرق الالتماس المذكور إلى أن القانون "يميز ضد الفلسطينيين واليهود المزراحيين" لا يجب أن يخدعنا ويضلل الصورة الحقيقية للتحالف الصهيوني الاستيطاني الذي يحتل الشرقيون جزءا استراتيجيا من خريطته، بل إن الصراع بالنسبة لهم هو على الحصة من الغنيمة وليس على حقوق الضحية، والدفاع عن اللغة العربية هنا مرتبط بمصلحتهم الخاصة وليس باعتبار اللغة العربية هي اللغة الأصل للسكان أصحاب الأرض.

طبعا لايمكن إنكار أن الوعي الشرقي بالذات في صفوف المزراحيين قد قطع خطوات طويلة، في السعي من الانتقال من اعتبار أن اضطهاد الشرقيين سببه شبههم بالعرب إلى فهم جوهر وطبيعة النظام الصهيوني الفاشي، ولكنها تبقى خطوات قاصرة وبعيدة عن المطلوب الذي يؤهل الشرقيين ليكونوا شركاء في النضال مع الفلسطينيين كما تدعوا بعض الأصوات الرومانسية التي تتعامى عن طبيعة العلاقات المصلحية بين طوائف المجتمع الصهيوني والتي يكون الفسلطيني ضحيتها المعتادة والمتوقعة.

لذلك، فإن مثل هذه الأصوات، والدفاع عن اللغة العربية في سياق محدد يتعلق تحديدا بتقاسم الغنائم، لم يتبلور وعي شعبي جماعي لدى اليهود الشرقيين بضرورة المشاركة الكفاحية مع الشعب الفلسطيني في كفاحه من أجل الحرية، وحتى فكرة دولة فلسطين الديمقراطية التي تمثل في جوهرها حلا لقضيتهم باعتبارها دولة لكل مواطنيها لم تكن جذابة بالنسبة لليهود الشرقيين الذين نجحت الدعاية الصهيونية الغربية إلى حد كبير في وضعهم موضع الصدام مع الطموحات العربية ، هذه الدعاية التي كانت على الدوام تركز على فكرة المجتمع اليهودي المحاصر وعلى ضرورة وحدة جميع اليهود.

إن تحليلنا أعلاه لايلغي أهمية هذا التحرك، أو غيره مهما كان، لدوره في زعزعة وجود الكيان الصهيوني وهدم هويته المزؤفة، ولكن هذا لايجب أن يضللنا ويعمينا عن الحقيقة التي نواجهها، بأن كمل مستوطن، شرقي أو غربي في بلادنا هو عدو جاء ليقتلعنا ويحل محلنا، سوءا تشارك معنا باللغة أو حتى بالدين.