اليونان، البلد الفقير نسبياً في منظومة الاتحاد الأوروبي،، محدود التأثير، سياسياً واقتصادياً، هذا البلد بات الشغل الشاغل وعنوان القلق المكبوت والمعلن، لمستقبل الاتحاد الأوروبي برمته، هذا البلد، بات العنصر المهيمن على السياسات والاقتصادات ، والأجندة الرئيسية على اجتماعات الاتحاد الأوروبي، كل ذلك حدث، بعد فوز حزب اليسار الراديكالي في الانتخابات البرلمانية في اليونان أواخر كانون ثاني/ يناير الماضي، منذ ذلك الوقت، أوقع " الإغريق " الاتحاد الأوروبي في حبال سياسات هذا الحزب الذي يقوده سيرزا الكسيس تسيبراس، الذي أصبح أصغر رئيس لحكومة بلاده منذ الحرب العالمية الثانية.
هذه السياسات، تنبع أساساً من إدراك اليسار الراديكالي في اليونان، من أن الاتحاد الأوروبي، ورغم كل شئ، بات أكثر حرصاً على البقاء حتى وان كان ذلك في صورة أكثر ضعفاً، عدم إنقاذ اليونان من أزمتها الاقتصادية، سيزعزع الاتحاد الأوروبي والثقة به على المستوى الدولي، هذا من جانب لكن إنقاذ اليونان، يعتبر من وجه نظر الرأسمالية الأوروبية، إنقاذا لتجربة حزب اليسار الراديكالي (سيريزا)، هذه التجربة التي لن تتوقف عند اليونان، بل ستمتد كعدوى إلى معظم بلدان الاتحاد الأوروبي، خاصة تلك البلدان التي عانت وتعاني جراء أوضاعها الاقتصادية وأزماتها الاجتماعية المتلاحقة.
حزب اليسار الراديكالي اليوناني، هو عبارة عن " جبهة حزبية" يضم تحالف ثلاثة عشر تنظيماً، تشكل عام2014، مع تنوع في بعض القضايا المفصلية، وأراء متباينة حول البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، لكن يجمع ما بين كافة هذه القوى، قضايا أساسية، علمانية الدولة، ورفض سياسة التقشف التي فرضها الاتحاد الأوروبي على الشعب اليوناني، وهذه القضايا، هي التي مكنت الحزب من إعلان سياساته في برنامجه الانتخابي: مواجهة الأزمة الإنسانية الاجتماعية، إعادة تشكيل أسس الاقتصاد على أساس العدالة الضريبية، وخطة وطنية للتشغيل ومكافحة البطالة، وتعميق الديمقراطية من خلال إجراء تعديلات جوهرية على النظامين السياسي والانتخابي، والأهم من ذلك كله معارضة سياسة التقشف التي فرضها الاتحاد الأوروبي بالتواطؤ مع حكومة اليمين السابقة على الشعب اليوناني.
يرى البعض، أن هذا الأهداف البرامجية، سرعان ما تتلاشى ويتراجع حزب اليسار عنها تحت ضغوط الواقع، اقتصاد منهك، وضغط أوروبي على ضرورة الوفاء بالتزامات اليونان لسد ديونها المرهقة، خاصة وأن هذا البعض استرجع وعود الرئيس الفرنسي أولاند أثناء حملته الانتخابية هذه الوعود التي تم التراجع عنها، بعد مواجهته للواقع بعد فوزه في الانتخابات البرلمانية الفرنسية، إضافة إلى أن اليسار الحاكم في اليونان، ورث اقتصاداً هشاً ومفلساً مع فقر متزايد نتيجة خطط التقشف التي نفذها حزب اليمن الحاكم سابقاً لعامين متتاليين، مما أفقد المواطن اليوناني بعض المميزات على محدوديتها كمخصصات الرفاة والتقاعد، ورفع رسوم الخدمات الأساسية كالكهرباء والغاز.
إلاّ أن هذه الرهانات، بتراجع اليسار اليوناني عن سياساته الاقتصادية المعلنة، قد سقطت، عندما أعلن عن إجراء استفتاء حول رفض أو قبول، خطة التقشف الأوروبية، داعياً المواطنين التصويت ضدها، وقد دخلت ورقة الاستفتاء المقرر أجرائه اليوم الأحد ، إذ أنها المرة الأولى في التاريخ في الاستفتاءات حول العالم، ورقة الاستفتاء اليونانية تضع لا قبل نعن، وهي المرة الأولى التي يتقدم بها الرفض على القبول في أي استفتاء، كدلالة على إصرار القيادة اليونانية على دفع المواطنين على رفض خطط التقشف الأوروبية.
الاستفتاء مغامرة محسوبة - على الأغلب – من قبل القيادة اليسارية، إذا أن التصويت بنعم لخطط التقشف، يعني أن الشعب اليوناني الذي انتخبها، لم يعد قادراً على تحمل سياساتها، وفي حين أعلن وزير المالية أنه سيستقيل في حالة التصويت بنعم، فعلى الأرجح أن الحزب سيدعو إلى انتخابات مبكرة، نتائج التصويت بنعم ستغير من دون شك توجهات الناخب اليوناني، إلاّ أن هذا التصويت " بنعم " يعني بالمقابل أن اليسار اليوناني لم يتراجع عن سياساته المعلنة تحت ضغوط الاتحاد الأوروبي وقوى الرأسمالية والاحتكارات في داخل البلاد وخارجها، وأنه أمين على شعاراته، ولم يستبدل الحكم بالتراجع عنها، وهي سابقة تحسب لليسار الراديكالي اليوناني، قد يخسر الانتخابات، ولكنه لم يخسر نفسه!!
وعلى الأرجح أن هذه المغامرة، بالعودة إلى الشعب لاستفتائه، قد أخذت بعين الاعتبار " الدلالات الديغولية" نسبة إلى مغامرة الجنرال ديغول، بطل حرب المقاومة الفرنسية ضد النازيين، والذي دخل باريس من تحت نصب النصر وسط حشود الفرنسيين المحتفلة بالبطل المنتصر، وديغول، شعر بشعبيته الهائلة، وتقدم ببرنامج لكي يستفتي عليه الشعب الفرنسي، إلاّ أن الناخبين الفرنسيين خذلوه، وصوتوا ضد برنامجه، مما أدى إلى استقالة البطل المنتصر!!
أما إذا كان التصويت بلا، وهو الأمر الأكثر ترجيحاً، فإن ذلك سيدفع بالاتحاد الأوروبي، خاصة ألمانيا، إلى معاودة المباحثات من أجل الخروج من المأزق، خشية من تداعيات غير مرغوبة إطلاقاً، في حال خروج اليونان من " العملة الموحدة" أو الاتحاد الأوروبي، والتقدم بخطط جديدة تحول دون ذلك، إذ أن الاتحاد الأوروبي أوقف محادثاته مع الجانب اليوناني إلى حين ظهور نتائج الاستفتاء، التصويت بلا سيضع الاتحاد الأوروبي بين خيارين صعبين، التمترس وراء الخطط السابقة مع كل ما يعنيه ذلك من اضطرار اليونان إلى ترك الاتحاد الأوروبي أو على الأقل الخروج من برنامج العملة الموحدة – اليورو – مما يؤدي إلى تزايد قوة الأحزاب والقوى لدى بلدان الاتحاد الأوروبي التي تعارض استمرار بلدانها في الاتحاد الأوروبي، في حين أن إعادة النظر في الخطط السابقة حول التقشف، سيشجع بلداناً من الاتحاد، اكتوت بنار الخطط المشابهة لبلدانها، مثل قبرص واسبانيا والبرتغال، التي بدورها ستتشجع مثل ما جرى مع اليونان إلى طلب إعادة النظر ببرنامج التقشف الخاصة بها!!
في مثل هذه الحال، فإن أي موقف إزاء نتائج الاستفتاء، في كلا الحالتين، سيتخذه الاتحاد الأوروبي، سيكون صعباً ومكلفاً، غير أن الأمر لن يتوقف عند الاستفتاء ونتائجه، بل وربما الأكثر خطورة وحساسية يتعلق بتبعات ما جرى في اليونان وخطورة امتدادا الحالة اليونانية، إلى خارج الحدود، وتأثيرات ذلك على البنية السياسية والاجتماعية والحزبية على العديد من دول الاتحاد الأوروبي، ونقص بذلك تحديداً، امتداد التجربة اليسارية في اليونان واستثمار أعراض هذه الحالة في العديد من الدول الأعضاء.
إذ يلاحظ في هذا السياق، أن حزب " بديموس "الأسباني، هل أول الأحزاب اليسارية الأوروبية التي رجعت بفوز حزب سيريزا اليوناني، والأول أيضاً حزب يساري راديكالي رافض لسياسة التقشف التي فرضها الاتحاد الأوروبي على بلاده منذ العام 2010، وتمنحه استطلاعات الرأي أعلى شعبية، ويبدو أنه أصبح أكثر اقتراباً من الفوز في الانتخابات البرلمانية القادمة، الأمر الذي بات يشكل قلقاً لشركاء الاتحاد الأوروبي، وهو نفس الحالي – تقريباً- لدى حزب اليسار في فرنسا بزعامة جان لوك ميلينشون، الذي بدوره بات يهدد – نسبيا- استقرار فرنسا على البقاء في منظومة الاتحاد الأوروبي، من خلال استثمار هذا الحزب، سياسات هولاند التي أدت إلى مزيد من حالة الإفقار والتراجع عن شعارات الاشتراكيين أثناء الحملة الانتخابية.
أما على المستوى الشعبي في دول الاتحاد الأوروبي، فقد لوحظ أن هناك دعوة للبحث عن زعيم مثل " تيسبراس" أو حزب مثل " سيريزا" أي اليسار الراديكالي الجذري، الأمر الذي بات يهدد أيضاً شعبية أحزاب اليسار التقليدية، عوضاً عن أحزاب اليمين والقوى الرأسمالية الاحتكارية، وقد أكدت نتائج استطلاع للرأي في بلغاريا أن 55 في المائة من المشاركين يدعمون حزب يساري على غرار سيريزا اليوناني.
وهناك خشية مفهومة، من أن العدوى اليونانية، قد بدأت بنشر عدواها لدى شعوب الدول الأكثر فقراً في الاتحاد، وخاصة تلك الدول التي ما تزال تخضع لبرامج التقشف، ويقال بهذا الصدد، أن البحث تجاوز السؤال عما فعله اليسار الجذري في اليونان، بل أن السؤال بات، ماذا فعل صعود هذا الحزب، في أوروبا كلها، وكيف بات مستقبل هذه القارة، متعلقاً، بشكل أو بآخر بسياسات هذا الحزب، الذي أحال بلاده قليلة التأثير السياسي، وضعيفة الأداء الاقتصادي إلى محرك أساسي للعمود الفقري للاتحاد الأوروبي، ولو إلى حين!

