وكأنه قدر الفلسطينيين أن يذوقوا وحدهم مآسي اللجوء، ويتحملوا أوجاع الفراق والسلب والحرمان، كأن لم يكفِهم تهجيرهم من وطنهم وتركهم إياه مُرغَمِين، ليعيشوا من بعدها مشتتين في مختلف أصقاع الأرض.
في لبنان الذي لجأ إليه عدد من الفلسطينيين هربًا من بطش الصهاينة، وتقاسموا مع أهله رغيف العيش والمسكن وبندقية الدفاع عن لبنان، امتزج الدم وتوحّدت الهموم، كما تلاقت الأماني والتطلعات. وعلى أهمية ذلك، لا يُمكن التغاضي عن معاناة هؤلاء الفلسطينيين من سياسات الدولة اللبنانية، وما تعرّضوا له من قهرٍ منذ لجوئهم وحتى اليوم.
الهجرة مجددًا.. وإحصائيات رسمية
منعت الدولة اللبنانية اللاجئ الفلسطيني من العمل بوظائف عديدة، كما حُرم من حقه في الضمان الاجتماعيّ، وحُرمت المرأة اللبنانية المتزوجة من فلسطيني من إعطاء جنسيّتها لأولادها تحت ذريعة عدم التوطين، وطال هذا المنع الحق في التملك. وبفعل هذا التضييق والإهانة للفلسطينيين في لبنان اضطرّ عدد منهم لترك البلد والهجرة لدول أوروبا، وهو ما أوقعهم في شرك سبيلٍ آخر من البؤس أضفى على حياتهم ويلاتٍ كثيرة!
بالعام 2017، أُعلن أنّ عدد اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والتجمعات الفلسطينية بلغ 1740422 فردًا، وفق إحصاءٍ جرى العمل عليه بالشراكة بين الإحصاء المركزي اللبناني ونظيره الفلسطيني، في فترة لم تتجاوز العام. بحسب المديرة العامة لإدارة الإحصاء المركزي اللبناني توتليان غيدانيان. يعيش هؤلاء اللاجئون في 12 مخيمًا و156 تجمعًا فلسطينيًا في المحافظات الخمس بلبنان.
نتائج التعداد المذكور أظهرت كذلك أن حوالي 45% من اللاجئين الفلسطينيين يقيمون في مخيمات تُشرف عليها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، مقابل 55% يعيشون في التجمعات، التي لا تعترف بها سجلات الوكالة.
يتركز وجود الفلسطينيين في منطقة صيدا بنسبة 35.8%، تليها منطقة الشمال بنسبة 25.1% بينما بلغت نسبتهم في منطقة صور 14.7%، ثم في بيروت بنسبة 13.4%، وبلغت النسبة في الشوف 7.1%، ثم البقاع بنسبة 4%.
هذا التعداد السكاني يشير إلى تقلص أعداد الفلسطينيين في لبنان، جراء كل ما يعانونه في هذا البلد المضيف.
ترميم البيت بقرار مخابراتي.. ومنع التملك بقرار نيابي!
تتذرع السلطات في لبنان بعدم التمدد السكاني، لتحرم الفلسطينيين من إدخال مواد البناء إلى المخيمات التي يقيمون بها، وفي حال أراد لاجئ فلسطيني ترميم منزله عليه أن يتقدم بإخطارٍ لمخابرات الجيش اللبناني، التي قد تسمح أو لا تسمح بذلك.
الكاتب والباحث في الشأن الفلسطيني، علي هويدي، قال لبوابة الهدف "مطلع العام 1997، قررت السلطات اللبنانية منع إدخال مواد البناء إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الخمس في لبنان، وهي: الرشيدية، والبص، والبرج الشمالي، والمية ومية، وعين الحلوة، إلا بموجب تصريحٍ صادر عن الجيش اللبناني، وعادت وسمحت بإدخال المواد بتاريخ 23 نوفمبر 2004، لكن سرعان ما عادت للمنع بتاريخ 14 يونيو 2005، وبعدها شمل القرار مخيم برج البراجنة في بيروت".
وتابع هويدي "حينها تدخلت الفصائل الفلسطينية واللجان الشعبية والأهلية والقوى والأحزاب اللبنانية المتضامنة، وحتى أصحاب المحال التجارية اللبنانية المتضررة خارج المخيمات، تدخلوا من أجل معرفة السبب أو مصدر القرار والضغط للتراجع عنه، غير أن جميع المحاولات باءت بالفشل".
قرارٌ آخر صادر عن مجلس النواب اللبناني، وقع كالصاعقة على رؤوس الفلسطينيين في لبنان، بتاريخ 21 مارس 2001، يُمنع بموجبه اللاجئ الفلسطيني من الحق في التملك، وفق هويدي، الذي قال إن القرار "زاد الطين بلة، وهو يمثل انتهاكاً للمادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بالعام 1948، التي تنص على أنّه "لكل فردٍ الحقُ في التملك لوحده أو بمشاركة الآخرين، ولا يجوز حرمان أحد من حق التملك".
عقوبات مُجحفة
من المواد التي يُمنع على اللاجئ إدخالها إلى المخيم إلا بعد الحصول على تصريحٍ من السلطات اللبنانية: أنابيبُ المياه، والأسلاك الكهربائية، وأبواب ونوافذ الخشب والحديد، وألواح الزجاج ومواد الإسمنت، وحديد البناء، الحصى (الحصمة)، والرمل، والبلاط، والألمنيوم، ومواد الدهان، وخزانات المياه، بالإضافة إلى مولدات الكهرباء.
وفي حال جرى ضبط لاجئ وهو يحاول- مثلاً- إدخال كيس إسمنت إلى مخيم بدون تصريح؛ يُصادَر الكيس أولاً، ثمّ يتم اعتقال اللاجئ، ويتعرض للتحقيق ويُسجل بحقّه محضرًا، قبل أن يُواجه عقوبة صادرة عن وزارة العدل في الجمهورية اللبنانية بإدّعاء "الحق العام" وبتهمة "التهريب"، وتلزمه العقوبة بدفع غرامة مالية تقدر بقيمة 100 ألف ليرة لبنانية (66 دولارًا أمريكيًّا).
بين الإجراءات السياسية والأمنية والفوضى والعشوائية
المسؤول في اللجان الشعبية بمخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين، ديب العطعوط، أوضح أنّ قرار منع إدخال مواد البناء للمخيمات الخمس في المنطقة الجنوبية له أبعاد سياسية وأمنية، غير أنّ المنع الخاص بمخيم برج البراجنة جاء نتيجة الفوضى والعشوائية في البناء، والتعدّي البعض على أملاك الغير، حتّى وصلت التعدّيات إلى أراضٍ وعقارات يملكها لبنانيون" .
وبين أنّه يجري فحص كل حالة (صاحب بناء) على حدة، للتفريق بين الحاجة لترميم المنزل أو توسعته، أو للكسب المادي والتجارة، وحالة التعدّي، يُضاف إليها المباني المسموح للأونروا ترميمها.
وحول دور الفصائل في هذا الملف، قال ديب "في بداية الأزمة تحرّكت الفصائل واللّجان الشعبية كي يتمّ السماح بالبناء للحالات الاجتماعية، والسكن العائلي، وفق اتفاق يقضي بالسماح بإدخال المواد، من خلال طلب شخصي يُقدَّم للأمن الداخلي (فصيل الدرك).
أمّا بالنسبة للبيوت التي تكفّلت "الأونروا" ببنائها أو ترميمها، فهي تخضع لاتفاقٍ يقضي بأن يتكفل صاحب المنزل بإدخال مواد البناء، عبر علاقاته الشخصية ومتعهدين، بوسائل نقل خفيفة، وبالتفاهم مع أصحاب المعامل، وعلى مسؤوليته الشخصية، وفق علي هويدي، الذي لفت إلى أنّ "هذه الطريقة هي المتبعة حتى اليوم، لكن ليس بشكل علني، إنّما عبر آليات نقل كبيرة، بحيث يتم غض النظر عنها بتوجه من قوى وأحزاب معروفة" .
ومع كلّ ما أوضحته سطور هذا التقرير من ضيمٍ وظلمٍ واقعٍ على الفلسطينيين، الذين يتوقون للعودة لوطنهم، يبقى لسان حالهم يتساءل "كيف لكل هذه الإجراءات والتعامل المُجحف المُهين، أن يخدم القضية الفلسطينية؟! أو كيف نقتنع أنها ليست لتهجيرنا مُجددًا وإبعادنا بقوّة القهر!

