Menu

جورج حَبَش

محمد كناعنة

الحكيم

في ذكرى رَحيلِ قائِدٍ بِقامَةِ جورج حَبَش أفضَل ما قَد نَفعَلَهُ وَفاءً لَهُ هوَ مُحاوَلَة السَير عَلى دَربِهِ والاقتِداءِ بِما أسَّسَ لَهُ مِن مَفاهيم أخلاقِيّة في الثَورة، انتماءً وَفكرًا وَمُمارَسَة، وَمن بابِ الإنصافِ نَقول إنَّ كُلّ ما قَد قيلَ في ذكرَى الحَكيم يُضافُ إلى إرثِهِ العَظيم، وَكََذا شَهاداتِ مَن عاصَروه أو مَن عَملوا مَعَهُ مِن قَريبٍ أو بَعيد، مِن فلسطين التي آمَنَ بِها مِنْ نَهرِها إلى بَحرِها، وَناضَلَ وَقاتَلَ جاهدًا في سَبيلِ هذهِ الفِكرَة، أو مِنَ الوَطَن العَربي مِنْ مُحيطِهِ إلى خَليجِهِ، وَطَنٌ كانَ حُلُمًا عُروبِيًا لَم يَتَخَلّ عَنهُ في غَمرَةِ انغماسِهِ في مَشروع تَحريرِ فَلسطين، وَهوَ الذي اعتبرَ فِلَسطين مُكَوّنًا عُضويًا في وَطَن كَبير مُمَزَّق بِفِعلِ الاستعمار وَالتَبَعيّة والرَجعيَة والتآمُر وَالتَخَلُف، وَلَم يَكُن الحَكيم بَعيدًا يَومًا عَمَّا يَحصَلُ في العُمق العَربي، فَقَد كانَ اهتمامَهُ مُنصَبٌ عَلى كُلّ تَحَرُك وَتَفاعُل يَجري حَولَ العالَم، فَكيفَ الحال مَع وَطَن آمنَ بِوحدَتِهِ واعتبرَ فلسطين جُزءًا مُكَوِّنًا في هذهِ الوِحدَة، وحدَة الوَطَن مِن المُحيطِ إلى الخَليج.

هُوَ الرَجُل صاحِب البِداياتِ في حَركة القَوميين العَرَب، وَالخَلايا الطُلابِيّة الأولَى في العَمَل السِرّي عَلى طَريقِ تَحريرِ فلسطين، وَما ارتِباط اسم جورج حَبَش بِالحَكيمِ فَقَط مِن بابِ ما ذَهَبَ إليهِ الفَلاحين في فلسطين مِن إطلاقِ التَعريفِ هذا على الطبيبِ، وَهوَ صاحِب العيادَة مَع زَميله ورَفيق دَربه في التَأسيسِ وَالتَخطيطِ وَفي إطلاقِ القَضيَة في سَماءِ العَالَم، الدكتور وَديع حَداد، ولا من كَونِهُ اسمَهُ الحَركي في بدايات العَمل السري، وإنَّما مَع الوَقت وَبَعدَ أن باتَ مَشهودًا لَهُ بِالحِكمَةِ في الموقف والرُؤيَة، في السياسة والكفاح، باتَ حَكيم الثَورَة وَلَيسَ طَبيبَها فَقَط.

في البدايات، كانت منظمة شباب الثَأر والنَشَرات الإعلامِيّة وَالمُنَظّمات الطُلابِيَّة وَهَيئَة مُقاوَمَةِ الصُلحِ مَعَ "إسرائيل"، لَقَد كانَ وَعيُ الحَكيم في بِداياتِهِ عَميقًا لِلمَشروع الصَهيوني الاستِعماري في فلسطين، فَقَد كانَ قرارُ التَقسيم عامَ 1947 صاعِقًا، وَلَيسَ صُدفَة أنَّهُ كانَ وَرفاقهُ مِنْ أوَّلِ مَنْ نَظَّمَ المُظاهرات المُنَدِّدَة بِهذا القَرار الجائِر، وَذَهبَ في تَكوينِهِ السياسي وَمُعتَقَداتِهِ بِالفِكرَةِ القَوميَة إلى حَدّ الإيمان بِفِكرَةِ التَنظيم القَومي العَربي، وَسَعَى لِهذِهِ الفِكرَة مُتَأثِرًا بأفكارِ وتنظيراتِ قُسطَنطين زريق، وَمِنْ ثُمَّ بِثَورَةِ الضُباط الأحرار في مَصر بِقيادَة الراحل جَمال عَبد الناصِر، وَكانَ الحَكيم مِمَّنْ اعتَقَدوا بِأنَّ رَدَة الفِعلِ وَفِكرَة الثَأرِ لا تُؤَسِّس لِوَحدِها لِلانتِصارِ، لِهذا ذَهَبَ بَعيدًا في رُؤيَتِهِ حولَ مواجهة التحديات من خلالِ عَملِيَّةِ البِناء، وَهوَ المُنغَمِس حَدَّ اللانِهايَة في عَمليَّة التأسيس هذه، بِدءً مِن الخَلايا السِريَة في الجامِعَة إلى حَركَة القَوميين العَرب ثُمَّ الجَبهَة الشَعبيَة لِتَحريرِ فلسطين، وفي كل هذه المَحطاتْ كانَ الحَكيم يبحَثُ، كعادَتهِ، عن الإخفاقات وَمَكامِن الضَعف والقُوة، المُنشَغل في هُمومِ شَعبهِ وأمَّتِهِ، الباحثِ دائمًا عَن إجاباتٍ لأصعَبَ الأسئِلَةِ المُستَوحاة مِن واقِعِ القَضيَة الفَلسطينِيَة وَالصراع العَرَبي الصَهيوني، بِهزائِمِهِ وانكساراتِهِ، نجاحاتِهِ وإخفاقاتِهِ، لم يكن جورج حبش قائدًا عادِيًا، وَلَم يَبحَثْ عَن دَور قِيادي كَمَوقِع شَخصي أو مَنصِب، وَهوَ الذي كانَ أوَّل مَن استقالَ مِن مَوقِعِهِ عَن قَناعَه، وَإيمان بِضَرورَة إعطاء الفُرصَة لِلشَباب وَللآخَرين من القيادات المُناضلة لِيأخذوا دَورَهُم في هذه المواقع، وَكَما أعلنَ، فقَد أرادَ أن يَذهَب في شَأنٍ كانَ ذا أهَمّيَة بالنِسبَةِ لَهُ، ولكنَّ انغماساتِهِ التَنظيمِيّة وَالعَمَلية لَم تُتِح لَهُ الفُرصَة في ذلك، وَهيَ عَمَليَّة المُراجَعَة، مُراجَعة التَجرِبَة بِشموليّتها، وَقراءَة الواقِع، والبَحث عَن إجابات، واستخلاصِ العِبَرِ والدُروس، لقَد كانَ القائِد الأوَّل على الساحة الفلسطينية الذي فَعلَ ذلك وربَطَ مفهوم الديمقراطية بالمُمارسَة، فقَفزَ بهِ من التنظير إلى الفِعلِ على أرضِ الواقِع.

وَأقتَبِسُ هُنا من تقديم الحكيم لكتاب، "من داخل إسرائيل.. الآن ومُنذُ نصفَ قَرن":

"لَم تَكُن الأسئِلَة شَكّاكَة حَول جدوى العَقائِد والأيديولوجيات ومَدَى نَفعها، وَلَم تَكُن كذلك حَولَ نهج النِضال والسُلوك، إنَّما كانَت دائِمًا تَقويم ما فاتَ من أجلِ ما هوَ آتٍ، وَقَد صَنعَت ليَ الأحداثُ الكُبرى الواقعة في عالَمنا الكبير، والعَربي، مُناسَبة للتَأمُل فيما مَضى، بعدَما كانَ العَمل اليَومي يُلاحِقُني، والفِعل المَطلوب يُطارِدُني، مَنْ مِنَّا كانَ بِقُدرَتهِ –مهما كانَت- قادِرًا على التَأمُل والالتفات التَقويمي لِما مَضَى من أجلِ استخلاصِ العِبَر والدُروس لِصالِح الفِعلِ في المُستقبَل؟ الجَميع مِنا وَقَعَ تحتَ وَطأَةِ الفِعل وَرَد الفِعل المَحكومِ دائِمًا بالبيئَة المُحيطة وتَعَدُّد الإرادات فيها، في إطارِ الزَمَن المُتاح والمُمكِن، مِمّا أنتَجَ –أحيانًا- حَركَة بغيرِ حِكمَة، لكنَّ الأحداث الكُبرى والمُتغَيّرات العُظمى تُجبِرُ كُلٌ مِنّا على الوقوفِ والتَأمُل وذلكَ بِسَبَبِ التَغيُر الهائِل في البيئَة الحاضِنَة والفاعلَة والمُؤَثرة في قَضيّتنا، قَضيّة حركة التَحَرُّر العَرَبيّة، وَقضَيّة الوحدة العَرَبيَّة، وقضَيّة الصِراع العَربي - الصَهيوني، وَقضيّة الصِراع العَربي – الإسرائيلي"..  

مِمّا تَقَدَّم نَستَطيع التِماس ما كانَ يُوَجِّه الحَكيم في مَسيرَتهِ النِضاليَّة الطَويلة والحافِلَة بالمُتغَيّرات العَميقَة والصَعبَة، خاصّة تلكَ المُرتَبطَة مُباشَرَة بالقَضيَة المَركَزيَّة، فلسطين، إذ أنَّهُ رَغمَ الخَسائِر والهَزائِم الّتي مَرَّت بها هذهِ القَضيَّة العادِلَة، مِنَ التَقسيم إلى النَكبَة والتَشريد والنَكسَة ومَذابِح الرَجعيّة العَرَبيّة وتَآمُرها مع الإمبريالية العالمية والتَواطُؤ معَ الصَهيونية وصولًا إلى المَذبحة الكُبرى والأخطَر المُتمَثِّلَة في اتفاق أوسلو التَفريطي، رغمَ كل هذا –على المُستوى الشَخصي والحزبي- إلاّ أنَّ عَزيمَة الحَكيم لَم تَهُن أو تَضعَف، وكانَ حامِلاً للعزيمَةِ دافعًا لاستِنهاضِ قوى الثَورَة، لَم يَرتَدّ عَن الفِكرَة، بل سَعى دائِمًا نَحوَ التَجَدُّد والتَجديد، هذه مسيرة الحَكيم التي هي جُزء من مَسيرَة الثَورة الفلسطينيّة والعَربية وحركة القوميين العَرب والجَبهَة الشعبية.

وَمن هُنا نَذهَب إلى مُحاولات البَعض بالقَولِ على الحَكيم بِأنَّهُ قَد ارتَدَّ عن القَوميّة العَرَبيّة بعدَ النَكسَة وَهَزيمَة الأنظمة العربية عام 1967، وقَد يكون هذا القَول من أشَدّ التَحليلات سَخافَة وسَذاجة، لِانغماسِهِ في شكليات التَحليل، فقَد كانَ الحَكيم مِن أشَدِّ المُؤمنين بالفِكرَةِ القَوميّة وَبالوِحدَة العَرَبيَّة وَبِقوميّةِ المَعرَكة، إنَّ استنتاجاتِهِ بعدَ الهزيمة في حزيران 67 بِأنَّ القيادة التقليدية، قيادة الثَورة العَرَبيّة في حينِهِ، بِطَبيعَتِها الطَبقيّة وانتِمائِها السِياسي الأيديولوجي للبرجوازيّة الصَغيرَة، هي قِيادَة غَير قادِرَة عَلى المِضيِّ قُدُمًا في الثَورة والمَعركَة صَوبَ التحرير والنَصر، وأنَّها عاجزة عَن ذلك بفعلِ محدوديّةِ إمكاناتِها الفِكريّة وَقصَرِ نَفَسِها في المُواجَهَة مَعَ العَدو القَومي والطَبَقي، مِمّا دَفعَ الحَكيم ورفاقهُ في حَركَة القَوميين العَرَب إلى إطلاقِ الجَبهة الشَعبية لتحرير فلسطين كَإطار وَطَني فلسطيني في بوتَقةِ النِضال القَومي العَربي، على أن يَتم إطلاق طاقات الشَباب والجَماهير الشَعبية في العَملية الثَورية التَحَرُّرية، وكانَت هذه بدايَة التَأسيس لِتَبَنّي الاشتراكية العِلميَّة، وَقَد أبدَعَ المُؤَسّس في تَحليلِهِ العِلمي الثَوري لِلهَزيمَةِ – مَع اعتِقادي الشَخصي بوجوبِ تطوير فِكرَة حَركَة القَوميين العَرب في حينهِ، وَلَيسَ حلَّه- ولأنَّهُ كانَ دائِم البَحثِ والمُراجَعة النَقدية رَغمَ كُلّ التزاماتهِ، فَقَد أغنَى الساحَة الفلسطينيّة والثَورَة العَرَبيّة بِتَنظيمٍ يَسارِيٍ ثَورِيٍ أُمَمِي، رَبطَ قَضيّتهِ المَركَزيّة -فلسطين- بِعُمقِها القَومي العَرَبي وَبِبُعدِها الأُمَمِي، وَليسَ أدَلُ عَلى ذلك مِن عُمقِ علاقاتِ جورج حَبش والجَبهَة الشَعبيّة بِحَركَة التَحَرُّر العَرَبِيَّة وَفَصائِلُها الشَعبيّة، وَالعَلاقات المَتينَة مَع قوى التَحرّر حَولَ العالَم، فقَد أرفَدَ الثَورَة الفِلسطينيَّة بِعلاقاتٍ إستراتيجِيَّةٍ مَعَ اليَسار العالَمي، وَمنهُم المُقاتِلين الذينَ دَافعوا عَن فلسطين وَقاتَلوا فِيها وَعَلَيها كَأنَّها بَلدَهُم، واستُشهِدوا فوقَ تُرابها وذلكَ بِعُمقَ ما زَرعَتهُ فيهم أفكار الحكيم الثَورية وأخلاقِهِ اليَسارِيَّة وَنهجَه الإنساني، وكَذا مبادئ ونهج ودَرب الجبهة الشَعبية.

وَمن أهمِّ مزايا الحَكيم وسجاياه أنَّهُ كانَ ثَوريًا في كلِّ شيء وإنسانًا مُفعَم بالإنسانية، أحبَّ الناس كل الناس، أحبَّ بلَدهُ الّلد وأصَرَّ على أن لا يَعود إلاّ إليها، أحبَّ فلسطين كلَّ فلسطين، رفَضَ الاعتراف بالاحتلال وبِشرعيَّتهِ على وطَنهِ، وَبقيت "إسرائيل" بالنسبَةِ لَهُ كيانًا إستعماريًا كولونياليًا وهي تَجسيد للنقيض لمشروع شعبَهُ في الحُرّية والاستقلال فاعتَبرَ اتفاق أوسلو تَفريطي، وقالَ لن أعودَ إلاّ مع آخر لاجئٍ فلسطيني، وحتى الرَمقَ الأخير من حياتِهِ بقيَ مُنشَدًا إلى الثَورة والانتفاضة وقُدرات الشَعب على تحشيدِ التراكُمات في الفعل الثَوري على طريق التحرير والعَودة.

إنَّهُ مشروع الثَورة والتَحرير في شَخصِ جورج حَبَش.

معًا على الدَرب